|   

نوبل تُعطّل سوق الكتب وتستفز أدباء العالم

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: مازن معروف 

عندما طُرِح اسم بوب ديلان (آلان زيمرمان) قبل سنوات كمرشح لنوبل للآداب تحمَّستُ كثيراً. بدا لي الأمر لفتة «مجهولة المصدر» تجاهه، هو الذي رسمت أغانيه في ذهني، ولسبب ما، بورتريه عنه بأنه هيبي، على رغم بقائه دوماً ضيف شرف على مجتمعات الهيبيز. في إحدى المقابلات، قال ذات مرة ساخراً: «أن ينتبه الناس إليك فهذا عبء. يسوع نفسه عندما جعل الناس ينتبهون إليه، عرَّض نفسه للصلب. إنني لهذا السبب متوارٍ عن الأنظار».

تروقني أعمال ديلان، القديمة منها على وجه الخصوص، تلك المرتبطة بمرحلة الستينات. لكني كواحد من المهتمين بالأدب، أشعر بالإهانة لمنحه نوبل، أو لنقل في أفضل الأحوال أشعر بالاستفزاز. إنه اختيار يعوِّق دينامية الأدب حول العالم وسوق الكتب وحركة الترجمة والنشر، سنة كاملة.

أن يتم تجاهل كل تلك الأسماء الكبيرة، سواء اختلفنا أو اتفقنا مع أصحابها، ثم يُستدرج إلى الجائزة اسم لن تضيف نوبل «بعظمتها» شيئاً إليه، أو بالأحرى إلى سيرته الموسيقية، فتلك مرارة في دم القراءة.

والأكيد أن جائزة مخترع البارود هذه، ستظل في نظر جمهور ديلان المختصّ، أقل شأناً من جوائز غرامي الكثيرة التي حصل عليها، باعتبار أنها ليست جائزة موسيقية.

من خلال فوز ديلان بالجائزة، يمكن القول أن لجنة نوبل كأنما تنقل اسمه من أرفف عمالقة الموسيقى لتدسه بين أسماء مُتجاهلة أدبياً ومُهملة ضمن القائمة النوبلية، على غرار البريطاني ونستون تشرشل والسويديَّين إيفند جونسون وهاري مارتنسون، علماً أن هؤلاء الثلاثة لم يقنعوا القراء إلى يومنا هذا بأحقيتهم في نيل الجائزة.

ولكن أن تمنح نوبل جائزتها للفنان ديلان فهذا له دلالات كثيرة يمكن أن تختزل روح العالم الذي نعيش فيه. عالم الإرادة الأميركية، حيث تركن فيه حرية الرأي نفسها كسيارة معطلة، بعدما عجزت عن بلورة كيانها إلى حركة معارضة حقيقية. لماذا تغيَّب أفريقيا وقضاياها؟ أفريقيا التي فزعت الصحافة الأوروبية من ميلها إلى الاستقلال في خمسينات القرن العشرين وتوقع صحافيون أن تحل مكان أوروبا المنهكة بعد الحرب العالمية الثانية. ولماذا يُغيّب العرب كأنّ أدباءهم البارزين لا يتجاوز عددهم عدد الأحرف في كلمة «ملعقة»؟

لا شك في أن ديلان هو كاتب أغنيات عظيم، إلا أن مجده يدور عموماً في فلك أعماله القديمة، على عكس مجايلين له أعادوا صوغ جلودهم الغنائية والأدبية، فكتبوا الشعر المُغنّى والرواية أيضاً.

ذريعة لجنة نوبل، بالإشارة إلى مساهمات ديلان الفذة في تطوير الثقافة الشعبية الأميركية، تجعلنا نتساءل قليلاً حول حقيقة الأمر وأبعاده. لا اعتراض طبعاً على التوصيف لكن الأمر يبدو متعلقاً أكثر بتسيّد لغة واحدة على حساب لغات أخرى حول العالم، أو ما أسميه هنا بـ «عنف اللغة».

من الواضح أن لجنة نوبل آثرت عدم الالتفات إلى المكوّن الثقافي الشعبي في لغات مهدّدة، لغات تقاوم اليوم كولونيالية لغة أنكلو - أميركية كي لا تندثر. بدلاً من ذلك، فإن اللجنة مالت وفي قرارها إلى لغة متوحشة، نهمة، انتشارها ليس منوطاً بقوتها أو تأثير أدبائها في الأدب العالمي، بل بهيمنة سياسييها وتظلُّمهم.

بهذا المعنى، فإن نوبل للآداب هذه السنة، فتشت يائسة عن ذريعة «أدبية» لإلصاقها بديلان ولم تبحث حتماً عن شعراء حقيقيين أثروا ثقافة بلادهم الشعبية في لغات أخرى دون الأنكلو - أميركية. (هل يعقل أننا نعيش في كوكب خال من شــعراء أثروا ثقافات بلادهم الشعبية؟). ولو لم تكن العولمة باللغة الأنكلو - أميركية، هل كان ديلان سيكون منتشراً ومعروفاً بهذا المقدار إلى حد منحه الجائزة؟

على أي حال، يبدو منح بوب ديلان جائزة نوبل كما لو أنه تتمة للرسالة السياسية التي وجهتها اللجنة السويدية العام الفائت عبر منح جائزتها المرموقة إلى لسفيتلانا ألكسيفيتش التي تُعتبر كاتبة «ريبورتاج» (تحقيق) قصصي رائعة بالفعل.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 

معرض لـ«هاري بوتر» يمزج بين السحر والتاريخ  |  بتوقيت غرينتشإيطاليا تفكك شبكة لتهريب الوقود من ليبيا ترتبط بـ«المافيا»  |  بتوقيت غرينتشاكتشاف رأس خشبي للملكة الفرعونية عنخ اس ان بيبي  |  بتوقيت غرينتشتراجع معدل إزالة الغابات في الأمازون البرازيلية للمرة الأولى  |  بتوقيت غرينتشنحو 4 ملايين شخص في بريطانيا يعانون «شظف العيش»  |  بتوقيت غرينتشأغنية «أولموست لايك براينغ» تتصدر قائمة الأغاني الرقمية  |  بتوقيت غرينتشالحرائق تدفع وزيرة برتغالية إلى الاستقالة  |  بتوقيت غرينتشدهم مكتب «ماكدونالدز» في سيول  |  بتوقيت غرينتشارتفاع حصيلة الحرائق في البرتغال وإسبانيا إلى 45 قتيلاً  |  بتوقيت غرينتشمصر ضيف شرف الدورة 13 لمعرض الخرطوم للكتاب  |  بتوقيت غرينتش