|   

أوجه المعرفة القرآنية: لقاء الفيلولوجيا واللاهوت

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: حُسن عبود 

شاركت في الأسبوع الأخير من شهر أيلول (سبتمبر) في مؤتمر «أوجه المعرفة القرآنية: لقاء الفيلولوجيا واللاهوت» بدعوة من الأستاذة أنجيليكا نويفرت، مديرة مشروع «ذخائر القرآن» وأستاذة الدراسات العربية سابقاً في جامعة برلين الحرّة. المؤتمر انعقد بالتعاون مع مركز الدراسات اللاهوتية في جامعة مونستر، وإدارة برنامج «الدين والسياسة» في جامعة ويلهلمز، ومشروع «الذخائر القرآنية» في أكاديمية برلين- براندنبرغ للعلوم، ومشروع «من الكلمة الى الكلام» 980 CRC و «فاعلية النظرية المعرفية» في جامعة برلين الحرّة.

الفندق الذي نزلنا فيه Seminaris Campus Hotel لا يشبه موضوع مؤتمرنا الذي يجمع بين تعدد المعنى للنصّ المقدّس وتعدد الأصوات، والميادين العلمية المتداخلة، لأن تكوين النصّ الخالد ليس بالهين الولوجُ الى عالمه وبلاغته، فكيف بالتعرف إلى العلاقة بين صاحب البلاغ النبي (صلى الله عليه وسلم) والمجتمع الأول المتلقي للبلاغ. فعندما تكون بنية الفندق الخارجية من زجاج، وباحة الفندق من زجاج، ومصعده الضخم من زجاج، تصبح حركة نزلاء الفندق بين الخارج والداخل والعكس مكشوفة للعيان، والحاجة إلى تأويل الفعل غير ضرورية. عكس النص الكلاسيكي الذي يحتاج الى عملية طويلة لفهم المعنى المتعدد المستويات، فكيف بالنص المقدس. ولحُسن الحظ، فإن الدراسات الأكاديمية للقرآن الكريم ناشطة بين العلماء الألمان ومنهم الأساتذة العرب المقيمون في ألمانيا، وتخصص لها مراكز بحثية وموازنات لا بأس بها. والعلماء الألمان، فيلولوجيون كبار، ولهم باع طويل في دراسة الكتاب المقدس، وقد أقبلوا على دراسة القرآن الكريم منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع كتاب «تاريخ القرآن» لتيودور نولديكه، وقد نقله إلى العربية جورج تامر (بيروت: مؤسسة كونراد- أديناور 2004). وأقبل بعض هؤلاء العلماء على الدراسات القرآنية للاستعانة بالقرآن على دراسة الكتاب المقدس بعهديه.

سأعرض بعض المداخلات على سبيل إلقاء نظرة سريعة على الدراسات الأكاديمية للقرآن الكريم في الفضاء الأوروبي، والحاجة التي تعبر عن ذاتها، بخاصة في الأكاديمية الألمانية (حيث نجد أكثر من ثلاثين معهداً للدراسات الإسلامية)، بموضعة القرآن في سياقه التاريخي للحضارات الكبرى، حتى يصبح عهد الله مع الإنسان، بتعبير أ. جورج تامر، ثلاثة عهود: العهد القديم والعهد الجديد والقرآن الكريم.

البروفسور جورج تامر يشغل كرسي الدراسات الفيلولوجية الشرقية والإسلامية، دائرة لغات وحضارات الشرق، في جامعة فريدريش- ألكسندر، عرض بحثاً بعنوان: «من عامل للتدمير إلى آية من رحمة الله: المفاهيم الهلينستية للزمن في القرآن». تساءل تامر كيف أن المفاهيم الهلينستية للزمن التي كانت سائدة عند العرب قبل الإسلام، تحوّلت في القرآن الكريم من قوة سلبية الأثر في حياة الناس، أفرادًا وجماعات، إلى آيات لقدرة الله ورحمته. يقدّم الباحث مثلاً واضحاً على هذا التحولِ في مفهوم «الليل والنهار»، فقد سمى شعراء العرب قبل الإسلام هذين الزمنين «الجديدان»، إذ لا يفسدان «ولكن يفسد الناس»، كما أنشدت الخنساء، ويصيبان كل امرئ بالبلى، ويوديان بحياة الأقوياء والضعفاء، على حد سواء. أما في القرآن الكريم، فلا ينفرد الليل والنهار بوصفهما آيتين على قدرة الله الذي يقلّبهما الواحد على الآخر، ويكوّرهما الواحد على الآخر كما يكوّر العربيّ عمامته على رأسه فحسب، حيث يذهب القرآن الكريم إلى أبعد من هذا، فيجعل تبدُّل «الليل والنهار» رحمة من الله الذي يسخّرهما للناس ليبتغوا العمل والراحة، في إيقاع حياتي يتوازى وإيقاع الأزمنة.

ناقش د. محمد مرقطن، الأستاذ في دائرة «لغات وحضارات الشرق الأدنى - الدراسات السامية» في جامعة هايدلبرغ، وحالياً أستاذ زائر في كلية الآداب في جامعة قطر ومنسق البحث العلمي للعلوم الإنسانية فيها، موضوع لغة القرآن الكريم في ضوء نقوش الجزيرة العربية قبل الإسلام.

أكد الباحث أن الاكتشافات الأثرية في الجزيرة العربية، وبخاصة النقوش العربية الشمالية، ومنها الثمودية والصفوية، وكذلك النقوش العربية الجنوبية، ومنها السبئية والمعينية والقتبانية والتي عثر عليها بالآلاف في الجزيرة العربية، من شمالها إلى جنوبها، هي المصدر الأساسي ليس فقط لفهم تاريخ العرب قبل الإسلام، بل أيضاً لدراسة اللغة العربية. ويعتقد الباحث أنه لا يمكن فهم عربية القرآن من دون استخدام لغة النقوش. وقدّم الباحث أمثلة عدة لتوضيح بعض المفاهيم الواردة في القرآن الكريم، مثل «زبور» بمعنى «كتاب»، كما ترد في السبئية، وأشار إلى أنه لا تمكن دراسة مفاهيم مثل «الطهارة»، «الصلاة»، «الزكاة»، و»الوأد» من دون دراسة التراث الديني للعرب قبل الإسلام بناء على الشواهد الواردة في النقوش. واعتمد الباحث على نقوش سبئية وعربية شمالية مكتشفة حديثاً.

وعرض أولبريخت مانوليز، وهو طالب دكتوراه في جامعة برلين الحرّة، دراسته حول أقدم ترجمة وصلتنا للقرآن الكريم في اللغة اليونانية، في سياق سجال نيكيتاس البيزنطي (القرن التاسع ميلادي) مع الإسلام باسم «تفنيد القرآن».

لقد استُخدمت هذه الترجمة في الحِجاج البيزنطي ضدّ الإسلام، في أدبيات تُسمى «تفنيد القرآن» (Anatropy) واستخدمت من جانب نيكيتاس البيزنطي في القرن التاسع ميلادي. وأهم من المقارنة بين النصين الأصلي والمترجم، ، يُحلّل الباحث استخدام الترجمة اليونانية لتفنيد نيكيتاس البيزنطي للقرآن، فهي مرجعه الأول والأخير لأول ترجمة للقرآن الكريم إلى اليونانية (محفوظة بمخطوطة واحدة في الفاتيكان رقمها Vat. gr.681). أهمية هذه الدراسة أن الدارس أولبريخت مانوليز وضع التفنيد في سياق صورة نيكيتاس للإسلام، والغرض من ذلك هو البحث عن آثار تفنيد نيكيتاس، في ما بعد، على الكتّاب الغربيين والبيزنطيين الذين تناولوا الإسلام كموضوع للسجال.

وقدمت د. دينا العمري، طالبة في مرحلة ما بعد الدكتوراه في مركز الدراسات الإسلامية في جامعة مونستر- ألمانيا، دراسة بعنوان: «الزوجية في القرآن: آية من آيات الخلق الإلهية».

ناقشت العمري في أن آيات خلق «الزوجين»، الذكر والأنثى، في القرآن الكريم هي من قدرات الله الكلية على الخلق.

وأكدت الباحثة تركيز القرآن الكريم في الفترة الزمنية المبكّرة للوحي على مفهوم النوع- الزوجية دليلاً على القدرة الكلية للخالق، لذلك تستحق الاهتمام الخاص بها، لأن تكرار ذكر الإناث مقابل الذكور يمثل أحد أبعاد قضية الوجود في مقابلاتها الثنائية، أي مفهوم «التنوع الجنسي» مقابل مفهوم «الكمال الوجودي». بدأت العمري عرضها بتقديم دلالة «آيات الخلق» في القرآن، وقدمت فكرة عامة عن قضية الوجود في مقابلاتها الثنائية بذكر الآيات الكريمة -من الفترة المكية المبكرة- الدالة على هذا الوجود على المستوى الأنطولوجي.

وقدم أستاذ علوم التربية الإسلامية في جامعة مونستر مهند خورشيد، موضوع «القرآن في سياق الرحمة». وخورشيد مدير مركز الفقه الإسلامي في جامعة مونستر، وصاحب كتاب «الإسلام رحمة: نحو فهم إنساني للقرآن» الذي أثار سجالاً وانتقاداً من الجمعيات الإسلامية في ألمانيا. يناقش خورشيد في أن مدخل «الرحمة» في القرآن الكريم ليس دخيلاً عليه، فهو مدخل يمثل الاعتراف الذاتي به: «وما أرسلناك الا رحمة للعالمين» (سورة الأنبياء: 107). إذاً، يرفع القرآن مبدأ الرحمة الإلهية إلى نقطة مركزية، تتصل بالقراءة الشمولية للقرآن الكريم.

وأكد خورشيد أن مفهوم «الرحمة» في القرآن الكريم هو أكثر من عمل تسامح، حيث تظهر «الرحمة» واسعة في إحدى صفات الله، كـ «الرحيم». إن مفهوم «الرحمة» القرآني هو خلاص الله غير المشروط للبشر بإطلاق اسم «الرحمان»، كما نجد في سورة الرحمن: «الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان» (الرحمن: 1-4)... الى آخر الآيات، فمجيء البشر هو من الرحمن. وهذا الدفع الكلي للقرآن يعطي دليلاً على عناية الله بالبشر، والله الذي يعرف آلامنا ويفعل فعله بأفعاله وأقواله، ويسمع لصلواتنا، حتى أنه يتيح للبشر معرفته. هذا هو الله الرحمن. الله تحاوري، تواصلي ويعمل في الزمن.

وقدم د. سامر رشواني، باحث ومحاضر في معهد الدراسات الإسلامية في جامعة توبنغن، متخصص في التفسير وعلوم القرآن، بحثاً بعنوان: «حِجاج القرآن حول مصدره الإلهي: بين الشفاهية والكتابية».

يتميز القرآن الكريم بين الكتب السماوية كونه النصّ الديني الأكثر وعياً بذاته ومشروعِه منذ اللحظات الأولى للوحي. لذلك هذا البحث معني بتحليل الإحالات القرآنية إلى «مؤلّف النصّ»، ومصدرها السور المكية المبكرة، في سعي للكشف عن المفاهيم التي صكّها القرآن تعبيراً عن فكرة «المؤلّف» أو المصدر، وطبيعة النصّ الديني والشكل الذي سيأخذه بعد ذلك. وقد انتهت هذه الدراسة إلى أن القرآن معنيّ بقوّة بقضية الموثوقيّة المتعلقة بمصدره الإلهي المطلق، وكذلك بالإحالة إلى الطبيعة الشفاهية- الكتابية لنصّه منذ السورة الأولى حين لم يكن إلا مشروع نص ديني.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 

حريق في منشأة صناعية في لندن  |  بتوقيت غرينتشإعصار يتسبب في إصابة 35 شخصاً في إندونيسيا  |  بتوقيت غرينتش«فايسبوك» تعلن فتح مركز تدريبي في نيجيريا  |  بتوقيت غرينتشثلاثة أكواب قهوة يومياً لخفض مخاطر الوفاة المبكرة  |  بتوقيت غرينتشزلزال بشدة خمس درجات يهز جنوب غربي تركيا  |  بتوقيت غرينتشوفاة الممثل والمغني الأميركي ديفيد كاسيدي  |  بتوقيت غرينتشبركان محدود في إندونيسيا وسنغافورة تحذر مواطنيها  |  بتوقيت غرينتش«مهرجان القاهرة السينمائي» يكرم الممثلة البريطانية إليزابيث هيرلي  |  بتوقيت غرينتشقراصنة يسرقون بيانات 57 مليون راكب وسائق من تطبيق «أوبر»  |  بتوقيت غرينتشالعثور على حطام 3 سفن من العصر الروماني في الإسكندرية  |  بتوقيت غرينتش