|   

«الدرب الضيّق إلى مجاهل الشمال» فازت بالبوكر العالمية

النسخة: الورقية - سعودي
آخر تحديث: كاتيا الطويل 

«ما هو الخطّ، تساءل، الخطّ؟ الخطّ هو شيء يمتدّ من نقطة إلى نقطة أخرى، من الحقيقة إلى الوهم، من الحياة إلى الجحيم.» لا يمكن أن يتحوّل خطٌّ بريء إلى خطّ موتٍ ورعبٍ إلاّ في رواية ريتشارد فلاناغان التي حازت جائزة البوكر العالميّة للرواية العام 2014(Richard Flanagan, THE NARROW ROAD TO THE DEEP NORTH). رائعة أدبيّة صدرت بالعربيّة بعنوان «الدرب الضيّق إلى مجاهل الشمال» (منشورات الجمل، 2016، ترجمة خالد الجبيلي). رواية هزيمة الإنسان أمام الحرب ومنطقها الفتّاك، هزيمة أسرى أستراليّين أمام إصرار إمبراطور يابانيّ دخل حربًا ولا يعلم كيف يخرج منها. والخطّ في هذا السياق ليس سوى سكّة حديد الموت، سكّة قطار جهنّميّة أصرّت الإمبراطوريّة اليابانيّة على بنائها العام 1943 أي في الحرب العالميّة الثانية بين تايلاندا وبورما (جنوب شرقي آسيا) وذلك لتسهيل أمور الجيوش. خطّ طوله 415 كلم (258 ميلاً) كلّف آلاف المساجين والأسرى والعمّال حياتهم. ظروف جهنّميّة قاتلة، عمل متواصل بلا نوم ولا راحة في ما يُعرف بأيّام «السبيدو»، جوع كافر مضنٍ، عري، أمراض، أوبئة، أوساخ تتسلّل وتفتك ببطء، بشراسة بلا رادع. أبطال لن يُتاح لهم أن يذكرهم التاريخ. وحده فلاناغان يتوقّف برهة ليستمع إلى آهاتهم.

وفلاناغان (مولود العام 1961) كاتب أستراليّ الأصل، تحوّل إلى كاتب عالميّ منذ روايته الأولى التي حقّقت نجاحًا باهرًا وتلقّتها الصحافة الأدبيّة العالميّة بالكثير من الحفاوة، وهو يُعتبر اليوم أحد أبرز روائيّي جيله. وروايته هذه، وهي سادسة أعماله الروائيّة، تسرد مشهدًا تاريخيًّا بلغة أدبيّة أنيقة جميلة. وقد يظنّ القارئ أنّ خيار موضوع الرواية جاء في شكل اعتباطيّ، لكنّ الحقيقة هي أنّ هذه الرواية كانت ضربًا من ضروب تحرير الذات. فوالد فلاناغان كان أحد الذين شهدوا جحيم سكّة حديد الموت مع الأسرى الأستراليّين الذين عملوا على بنائها، وفلاناغان إنّما يكتب ليفضح رعب الحرب، ليحفر في ذاكرة المجتمعات البشريّة وجوهًا بعيدة نُسيت ونُسيت معاناتها والقسوة التي تعرّضت لها. لقد تمكّن فلاناغان في روايته هذه من أن يحرّر نفسه من عبء التاريخ، وكأنّه وفّى الوجوه التي كانت تسكنه حقّها. والغريب في المسألة أنّ والد الكاتب توفّي في اليوم نفسه الذي أنهى فيه ابنه الكتابة، وكأنّه صبّ ذكرياته وأفكاره وتاريخه وروحه في هذا الكتاب وعندما تأكّد من أنّ الأسماء المنسيّة أصبحت بأمان ترك نفسه لتستريح في غياهب الموت.

 

الموت والحبّ

«تبدأ القصّة التي يرويها هذا الكتاب في 15 شباط(فبراير) 1942، [...] وفي عام 1943، أصبحت اليابان التي توسّعت كثيرًا، والتي كانت قليلة المواد، تخسر، وازدادت حاجتها إلى خطّ سكّة حديديّة. [...] كانت الإمبراطوريّة محظوظة بوجود رجال عبيد. مئات آلاف العبيد، من الآسيويّين والأوروبّيّين، كان بينهم اثنان وعشرون ألف أسير حرب أسترالي، [...] سيُرسل تسعة آلاف منهم للعمل في مدّ السكّة الحديديّة هذه. [...] سكّة حديد الموت».

تكمن قوّة هذه الرواية في كونها تجعل قارئها يشعر مع الشخصيّات ويرافقهم. ليست رواية حرب، ولا رواية رعب. ليست رواية أبطال أو أحداث أو تطوّرات أو بدايات ونهايات. هي رواية بشر، رواية وجوه تعبت وتعذّبت وحزنت ويئست ونسيت طعم الحياة. هي قصّة آلاف العبيد الذين خسروا حرّيتهم وحياتهم وحقّهم الأوّل في الطبابة والمبيت والكرامة. فيكتشف القارئ قصصهم قبل وصولهم إلى سكّة حديد الموت، يراقب عذابهم في سنوات الحرب، ثمّ يُكمل معهم مشوارهم نحو الموت. ظروف عيش قاتلة، لا نظافة، لا بيوت، لا طعام، لا أدوية، لا شيء. وحده الموت يسيطر. لا قدرة على العودة إلى الوراء. لا قدرة على الإمساك بالحياة.

رواية فلاناغان مشوّقة، مؤلمة، إنسانيّة. تروي البشر بأبشع لحظات حياتهم وأقرب حالاتهم إلى البدائيّة والهمجيّة. رواية متينة متماسكة، ترافق شخصيّاتها وتجعل القارئ متعلّقًا بها، يخشى عليها من الموت إنّما في الوقت نفسه يريدها أن تموت لتنجو من الجحيم القاتل الذي تعيش فيه.

إنّ للحرب منطقها الخاصّ. للقادة قسوتهم ووحشيّتهم التي تفوق قسوة الحياة ووحشيّتها في معظم الأحيان. «الدرب الضيّق إلى مجاهل الشمال» رواية الحزن والعذاب والألم، رواية الوفاء للوجوه التي تقاتل في الخفاء وتبني بصمت وتشيّد العالم بينما هي تشعر بالرعب. رواية الجنود والعبيد والأسرى الذين تضمحلّ أسماؤهم وينساهم التاريخ ولا أحد يتوقّف ليتكلّم عنهم. رواية فلاناغان رواية الحياة القاسية التي لا تتوقّف ولا تساير: «هكذا تجري الأمور ولن تتوقّف عن كونها كذلك. يمكنك أن تدخل في حرب مع العالم، لكنّ العالم سيربح دائمًا».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

سياحة نجران تنفذ جولات تفتيشية على الفنادق والشقق المفروشة  |  بتوقيت غرينتشنشاط الرياح السطحية المثيرة للأتربة على بعض مناطق المملكة  |  بتوقيت غرينتشولد الشيخ أحمد يترك منصبه الشهر المقبل  |  بتوقيت غرينتش1.5 بليون دولار من السعودية والإمارات مساعدات إنسانية لليمن  |  بتوقيت غرينتشصندوق النقد الدولي يزيد توقعاته بشأن النمو في السعودية  |  بتوقيت غرينتش«البيئة» تنفذ أول عمليات الفسح الإلكتروني مع «الجمارك»  |  بتوقيت غرينتش«التحالف» يطلق عملية إنسانية شاملة في اليمن  |  بتوقيت غرينتش«العمل»: لم نتسلم ملف توظيف المعلمين  |  بتوقيت غرينتشالدمام: مصادرة 3 أطنان من الشحوم والأحشاء مجهولة المصدر  |  بتوقيت غرينتشإغلاق مطبخ في سكن عمال بمكة المكرمة  |  بتوقيت غرينتش