|   

المراسلون الحربيون في العراق: البحث عن وظيفة انتحاري

مراسلون حربيون عراقيون
... وزميل لهم على طريق أربيل - الموصل
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: مصطفى سعدون 

حين انحنى الجنود ليحموا أنفسهم من الرصاص، ظل المصور الحربي لقناة السومرية العراقية علي ريسان، واقفاً يبحث عن زاوية مناسبة لتصوير المعارك المحتدمة جنوب مدينة الموصل، بلا درع، ولا خوذة، ومباشرة أمام قناص «داعش» الذي أرداه قتيلاً في اللحظة التالية.

ربما كان الأمر سينتهي في شكل مختلف، لو أرتدى ريسان درعاً واقية من الرصاص في تلك اللحظة. فالرصاصة اخترقت صدره، كما يقول زميله المراسل الحربي علي الموسوي، من المساحة التي يغطيها الدرع الواقية، وتحديداً منطقة القلب والحجاب الحاجز.

بخلاف زميله الموسوي، يعتقد المراسل الحربي علي جبار بأن الأمر سيان، فسواء ارتدى الصحافي الحربي الدرع أم لم يرتده، سيكون عرضة للموت في أي لحظة، فمعظم الدروع التي يحصل عليها الصحافيون الحربيون من قنواتهم، هي دروع رخيصة الثمن ورديئة الصنع وقابلة للاختراق بسهولة بالمقارنة بتلك التي يرتديها من يعملون في مؤسسات إعلامية أجنبية.

يستشهد جبار على ذلك، بدرعه «المثقوبة» التي تسلمها من قناته، ويقول إنه لا يعرف مصير الشخص الذي كان يرتدي الدرع قبله. لكنه يعرف تماماً أنها لن توفر له أي نوع من أنواع الحماية، وأنها ستكون ثقلاً مضافاً ليس إلاّ.

في الليلة التي سبقت سفره لتغطية معارك الموصل في نهاية تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، اتصل جبار بكاتب التحقيق، وأبلغه بأنه سيترك درعه في المنزل، وأنه سيعتمد على «رحمة الله ولطفه»، ذلك أن المحطة التي يعمل فيها لم تدربه على أهمية الدرع الواقية ولم تزوده بالدرع التي يثق بها وفق أحد زملائه.

يبدو أن العناية الإلهية وحدها التي تحرس المراسلين الحربيين في العراق، وهم في معظمهم مبتدئون. إذ تزج بهم مؤسسات إعلامية في ساحات معارك الجيش العراقي مع تنظيم «داعش»، من دون أدنى تدريب مسبق على التعامل مع الأخطار، بخلاف نظرائهم العاملين في وسائل الإعلام الأجنبية، ومن دون تزويدهم بدروع واقية للرصاص من الأنواع الجيدة الصنع، وحين يتعرضون للموت أو الإصابة البالغة، لا تحرك مؤسساتهم، أو نقابة الصحافيين العراقيين وبقية المنظمات المعنية بالصحافيين، ساكنًا، مع أن ذلك يقع في صميم مهماتها.

قتل 13 صحافياً حربياً وأصيب 44 آخرون منذ احتلال تنظيم «داعش» مدينة الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، ولغاية تاريخ اعداد هذا التحقيق، وفق أرقام نقابة الصحافيين العراقيين ومرصد الحريات الصحافية. بالمقارنة، لم يتعرض أي من الـ 500 صحافي أجنبي وعربي ممن دخلوا العراق منذ صيف 2014، وعملوا في الفترة ذاتها، لإصابة واحدة، بسبب التزامهم الخطط الموضوعة لهم، والتدريب العالي الذي حصلوا عليه، والخبرات التي يمتلكونها في مجال السلامة في مناطق النزاع.

يعترف مدير قناة السومرية عمار طلال، أن الدرع التي كان يرتديها علي ريسان كانت درعاً ثقيلة، وأنه تخلى عنها قبل دقائق من إصابته برصاصة القناص، لأنه كان يشعر بالاختناق. ويصر طلال على أن فريق قناة السومرية الحربي «مجهز بأحدث الدروع والخوذ»، وأن قناته حريصة على حياة مراسليها الحربيين وتقوم بمتابعتهم أولاً بأول.

لكن بخلاف ما يقوله طلال، تظهر تغطية القناة لمعارك الموصل أن مراسلها الحربي مصطفى لطيف ظهر في كل التقارير المباشرة والمسجلة وهو عاري الصدر من الدرع الواقية. ويستعيض عن خوذة الرأس بقبعة كاكية اللون. وهو ما يكشف أن القناة لم تكن تتبع الأساليب التي تجبره على ارتداء الدرع والخوذة حفاظاً على حياته.

يبرر لطيف استغنائه عن الدرع والخوذة بأنهما، «ثقيلتان ومزعجتان»، وتقيدان حركة المراسلين والمصورين أثناء احتدام المعارك.

نهاية تشرين الأول الماضي، نجا لطيف بأعجوبة من الموت المحقق حين حوصر في حي الكرامة في مدينة الموصل. وبترت ثلاثة من أصابع يد المصور الذي يرافقه أثناء تغطيتهما المعارك بين القوات العراقية و «داعش».

بعد هذه الحادثة مباشرة، عاود لطيف الظهور على شاشة القناة، بلا درع ولا خوذة.

يتذكر مراسل قناة «العراقية» الرسمية علي جواد، تلك «اللحظة القدرية» التي أنقذته من الموت في معارك صلاح الدين أواخر عام 2014. فلو رفع قناص «داعش» فوهة بندقيته بضعة سنتيمترات فقط، لكانت الرصاصة اخترقت سترته الواقية وقتلته على الفور.

كان جواد يعرف مسبقاً أن درعه خالية من الصفائح المعدنية التي يمكنها صد الرصاص والشظايا، وأن الألياف وحدها لا يمكن أن تحميه، بالمقارنة بسترات مماثلة توفرها وسائل اعلام أجنبية لمراسليها الحربيين يصل معدل ثمنها الى ما بين 700 و1200 دولار.

لم تكن الدرع الواقية التي يرتديها جواد مختلفة عن دروع أربعة من زملائه، قرروا بالتعاون مع معد التحقيق ومرصد الحريات الصحافية، إخضاعها لتجربة إطلاق رصاص حي عن بعد 50 متراً، ومن مسدس نوع كلوك. اخترق الرصاص الدروع الأربعة كلها، بينما لم يخترق الدرع التي يحملها وكان يملكها صحافي عراقي يعمل لمصلحة وكالة أنباء عالمية.

المشكلة تبدأ بسياسات التوظيف. حيث تستقطب غالبية المؤسسات الإعلامية العراقية العامة والخاصة صحافيين متحمسين يبحثون عن عمل، وتزجهم كمراسلين حربيين من دون تزويدهم بالخبرات اللازمة أو إخضاعهم لتدريب حول السلامة في مناطق النزاع. فضلاً عن عدم تزويدهم بخوذ ودروع واقية (أصلية) أو حتى خرائط تتيح لهم معرفة طبيعة المناطق التي يعملون فيها. وتعجز نقابة الصحافيين العراقيين والمؤسسات المعنية بالصحافيين عن حمايتهم في ظل استمرار الحرب في العراق.

فعندما كان الصحافي العراقي يرافق القوات الأميركية قبل أن تغادر العراق عام 2011، كان يتسلم تعليمات وتوجيهات من ضباط في الجيش الأميركي قبل مرافقتهم. هذه التعليمات كانت تنص على ضرورة عدم المجازفة والمخاطرة بأرواحهم إذا ما حدث أي قتال، وأن يلجأوا إلى المكان الذي حدّده لهم الضابط. لكن في الحرب ضد «داعش» لا يوجد أي اتفاق أو عقد بين القوات الأمنية العراقية والمراسلين الذين يرافقونها إلى جبهات القتال، ولم يحصلوا حتى على أي تعليمات منها، هذا وفق مصدر عسكري مرافق للمراسلين الحربيين العراقيين.

وتقول المدير المساعد في معهد السلامة الدولي للصحافيين INSI ومقره لندن، آنا كلير بيفان، في ردها على أجوبة خاصة بهذا التحقيق، إن «تدريب الأمن والسلامة هو ضرورة لمؤسسات الإعلام وشركات التأمين. وأحياناً تطلب الشركات الإعلامية أن يكون الشخص قد أخذ هذه التدريبات كشرط لتوظيفه، أما بالنسبة إلى تكاليف التأمين على الصحافيين في الحروب، فهو يختلف من بلد إلى آخر؛ مثلاً الجيش الأميركي قام بتأمين كل الصحافيين المرافقين له في العراق، أما الجيش البريطاني فقد كان يؤمن الصحافيين بناءً على طلب شخصي منهم لتغطية الحروب. وهذا يعني أن هناك مخالفة للمعايير الدولية من جانب المؤسسات الصحافية العراقية التي ترسل صحافييها الى جبهات القتال من دون تدريب أو تجهيز بأدوات السلامة، ولا حتى ضمان حياتهم».

 

مبتدئون على خط النار

تعمل في العراق 54 قناة فضائية عراقية بعضها تابع للأحزاب، وأخرى لرجال أعمال ومنها لفصائل مسلحة ورجال دين، وواحدة تابعة للدولة العراقية. بعض هذه القنوات مركزها الرئيسي داخل العراق و 15 في المئة منها تبث من خارج العراق.

وفي استبيان قام به معد التحقيق بالتعاون مع مرصد الحريات الصحافية، تم توثيق أسماء 20 مراسلاً حربياً لم يتلقوا أي تدريب حول التغطية الحربية، ومع ذلك زجت بهم محطاتهم في أتون الحرب. وكل هؤلاء الصحافيين ليس لديهم عقود عمل، فكل ما يصدر هو أمر إداري بالتعيين، على رغم أن المادة 13 من قانون حقوق الصحافيين العراقيين لسنة 2011، ينص على أن «تلتزم الجهات الإعلامية المحلية والأجنبية العاملة في جمهورية العراق إبرام عقود عمل مع الصحافيين العاملين في تلك الجهات وفق نموذج تعده نقابة الصحافيين في المركز أو الأقاليم. ويتم إيداع نسخة من العقد لديها».

يقول نقيب الصحافيين العراقيين مؤيد اللامي، وهو رئيس اتحاد الصحافيين العرب، أن النقابة بدأت للتو «بالعمل على إيجاد صيغة موحدة للعقود توزع على المؤسسات الإعلامية». حديث اللامي يأتي بعد أكثر من خمس سنوات على نفاذ قانون حماية الصحافيين الذي يلزم المؤسسات الإعلامية بتوقيع العقود مع الصحافيين وإيداع نسخة لدى النقابة.

يحمّل اللامي وسائل الإعلام العراقية مسؤولية عدم وجود عقود. ويؤكد أنها «لم تلتزم» توقيع العقود. وعلى رغم أن النقيب يؤكد وجود عشرات العقود مودعة في النقابة، لكن معد التحقيق لم يتمكن من الاطلاع على أي عقد على رغم طلبه المتكرر، بسبب «عدم توافر الوقت» أو بسبب سفر النقيب لاحقاً خارج العراق. مسؤول في النقابة، رفض الكشف عن اسمه، أبلغ معد التحقيق أن العقود المودعة في النقابة هي عقدان فقط، معتذراً عن الكشف عنها لئلا يتعارض هذا مع تصريح النقيب.

 

الجهل بقواعد التغطية الحربية

رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة، مصطفى ناصر، يتهم وسائل الإعلام العراقية بأنها لم تدرب أياً من صحافييها على تغطية النزاعات، ويعتمد ناصر في ذلك على رصد أنجزته الجمعية.

ناصر يقول إن وسائل الإعلام المحلية لا تضمن أي شيء للصحافي، كما أن هناك قنوات تشحن الصحافي عقائدياً وطائفياً وترسله للحرب من دون أي ضمانات ولا مكافآت ولا وسائل دفاعية مثل الدروع الواقية والخوذ.

يعترف المراسل الحربي حبيب محمد (32 سنة)، بأنه لم يكن يعرف شروط التوظيف «المجحفة» التي أرادت أن تفرضها عليه قناة فضائية عراقية كان يعمل فيها، قبل أن يقرر الذهاب لتغطية المعارك، لكنه رفض ذلك لعدم وجود ضمانات على حياته.

الشرط الأساس في التعهد الذي أريد لمحمد توقيعه مع القناة التي طلب عدم ذكر اسمها، هو التوجه لتغطية المعارك في جبهات القتال فور حصوله على الوظيفة من دون الحصول على تدريب يكفي لتأهيله كمراسل حربي. في الوقت ذاته، طلب منه أن يوقع تعهداً خطياً ملزماً يتضمن من الناحية العملية، تخليه عن كل حقوقه القانونية والضمانات المالية لعمله كمراسل حربي وفق نص التعهد الذي يمتلك معد التحقيق نسخه.

ينص هذا التعهد الذي طُلب من محمد توقيعه على أن القناة «لن تكون مسؤولة في حال تعرضه للخطر أثناء تغطية المعارك، وبأنها غير ملزمة قانونياً وعشائرياً وقضائياً من جانبه، أو من جانب أحد أفراد عائلته أو أقاربه، وأن الإدارة غير ملزمة دفع مبالغ مادية تعويضية عن أي شيء يحصل له».

ويقول أحمد شهاب، مدير أخبار قناة «هنا بغداد» وهي القناة ذاتها التي عمل فيها حبيب محمد، إن في القناة مراسلاً حربياً واحداً، شارك في دورة تدريبية واحدة في بغداد حول السلامة المهنية، ولم يكن لديه أي مهارات سابقة، لكنه تعلم من الدورة ولو شيئاً بسيطاً.

محمد غطى المعارك في مناطق غرب العراق طوال النصف الثاني من عام 2014. ومع مطلع العام 2015، ترك العمل وغادر العراق باتجاه أوروبا.

 

ابتزاز

سياسة التوظيف المتبعة، كما يراها مدير مرصد الحريات الصحافية زياد العجيلي، هي «ابتزاز مقنع» لأنه ليس هناك عقود موحدة للصحافيين ومعتمدة من النقابة، ولا آليات قانونية لتعيينهم، وهي في الوقت ذاته تجاوز فاضح للأعراف الصحافية التي تقضي بتأهيل المراسلين الحربيين قبل إرسالهم إلى مناطق النزاع تعيين الصحافيين في العراق، لا يتم عبر عقود أو شروط موضوعة مسبقاً. فبعض الصحافيين يخضعون للاختبارت لقياس مستوى مهاراتهم، وبعضهم لا يخضع. وتعتبر قناة «الحرة العراق»، واحدة من أكثر القنوات العراقية اهتماماً بالصحافيين، وعلى رغم هذا لم يملأ مدير مكتبها في بغداد فلاح الذهبي الاستبيان المقدم من جانب معد التحقيق على رغم الاتصالات المتكررة.

قدم كاتب التحقيق استبياناً لـ 14 قناة عراقية متابعة: العراقية والفرات والغدير والمسار والمدى والسومرية والشرقية وروداو وهنا بغداد وNRT والعهد وآسيا والحرة عراق وآفاق.

عشر قنوات استجابت للاستبيان، فيما لم يستجب مسؤولو أربع قنوات تحججوا بالسفر أو رفضوا الرد على الاتصالات.

ويظهر الاستبيان أن ستاً من القنوات العشر التي وافقت على ملء الاستبيان، لم تودع عقود موظفيها في النقابة. فيما أعلنت فضائيتان أنهما أودعتا العقود لدى النقابة من دون أن تطلعا معد التحقيق على أي من تلك العقود لأسباب «خاصة». فيما لم يكن ممكناً الاطلاع على عقود إحدى القنوات بسبب تسجيلها في نقابة صحافيي كردستان العراق. ولم تودع القناة العراقية الرسمية عقود موظفيها لدى النقابة.

وأظهر الاستبيان الذي وزع على 15 صحافياً في قنوات عدة، أن هناك تسعة منهم لا يمتلكون عقوداً مع قنواتهم، وستة آخرين قالوا إن لديهم عقوداً لكنهم لم يحصلوا على أي نسخة منها. أي إنها تبقى لدى الإدارة فقط. كما أن من بين الـ 15 صحافياً، هناك 12 صحافياً لم يتلقوا أي نوع من التدريب على تغطية الحروب، على رغم أنهم جزء من الكوادر الإعلامية التي تُغطي المعارك التي يخوضها الجيش العراقي ضد تنظيم «داعش»، فيما حصل ثلاثة منهم فقط على تدريبات على التغطية في مناطق النزاع.

 

 

* تم إنجاز هذا التحقيق بدعم وأشــراف من شــبكة «أعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج) - www.arij.net

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

ترامب يعتزم توقيع أمر يهدف لإرسال الأميركيين إلى القمر  |  بتوقيت غرينتشاضطراب حركة الطيران وإغلاق مدارس بعد عاصفة ثلجية في أوروبا  |  بتوقيت غرينتشزلزال شدته 6 درجات يضرب غرب إيران  |  بتوقيت غرينتشالصين تطلق أول قمر اصطناعي جزائري للاتصالات  |  بتوقيت غرينتش«الثقافة والإعلام» توافق على إصدار تراخيص دور للسينما في المملكة  |  بتوقيت غرينتشقصر بكنغهام ينشر لوحة جديدة للأمير فيليب  |  بتوقيت غرينتشأمراض اللثة تزيد خطر الإصابة بسرطان المعدة  |  بتوقيت غرينتشمدن صينية تفشل في تحقيق أهداف جودة الهواء في الشهرين الماضيين  |  بتوقيت غرينتشقطارات صغيرة وسيارات تقليدية للمغني نيل ينغ تباع في مزاد  |  بتوقيت غرينتشالثلوج الكثيفة تعرقل حركة النقل شمال أوروبا  |  بتوقيت غرينتش