صدر عن «مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية» في الرياض، أخيراً، تحقيق لمخطوط «تذكرة الملوك إلى أحسن السلوك»، وهو لمؤلف مجهول، ويعود إلى نهايات العصر المملوكي في مصر. التحقيق أنجزه الدكتور تركي بن فهد آل سعود، ويُعد المخطوط الذي لم يسبق نشره، من كتب السياسة الشرعية، ويندرج تحت فرع النصائح، وأهميته تعود إلى كونه يؤكد تسلسل علم السياسة عند المسلمين وتطوره.
أهدي المخطوط إلى السلطان المملوكي الأشرف قنصوة الغوري (1500 – 1516)، وتم حفظ نسخة عنه في مكتبة السلطان نفسه، ولم يذكر تاريخ النسخ. ولا توجد للكتاب نسخة أخرى– كما يذكر المحقق– وهذا متوقع لأنه كُتب للسلطان، ولم يُكتب لغيره من القراء، وهذا النوع من الكتب تكون فيه رسالة خاصة يريد المؤلف أو الجامع إيصالها إلى المُهدى إليه، وهو صاحب القرار السياسي.
يركز الكتاب على القضاء، وتضمن مقارنات بين قضاة اختارهم المؤلف بعناية، في وقت استشرت ظاهرة رشوة القضاة أو شرائهم مناصبهم بالمال. وركز كذلك على الكيفية التي يراها مثالية في التعامل مع الجند. الكتاب يحمل معلومات وتوجيهات تُرجّح أن القضاء كان مركز اهتمامات مؤلفه وفيه رسالة مضمّنة للمُهدى إليه، وبناءً على ما سبق يرجح المحقق أن المؤلف كان قاضياً للجيش، وعلى رغم أنه لا يوجد دليل قاطع على هذا الرأي، فإنه مبني على استقراء النص، وسوابق كثيرة لتأليف موظفي الدولة كتباً ورسائل موجهة إلى السلطان.
كما احتوى الكتاب على رسائل أخلاقية لا علاقة مباشرة لها بموضوعه، إلا أنها تُشير إلى نظرة المؤلف إلى مجتمعه، وآفاته الأخلاقية، هذا المجتمع الذي وجه له ابن الحاج في كتابه «المدخل» نقداً لاذعاً لتفشي الفساد فيه، والذي كان أحد أسباب سقوط دولة المماليك. أما المخطوط فهو كما ذُكر؛ نسخة خزائنية، نُسخت عن التي قدّمها المؤلف لتحفظ في خزانة كتب السلطان، وهي محفوظة في مكتبة أيا صوفيا برقم (3144). النسخة مذهّبة؛ زخرفت فيها صفحتا العنوان والخاتمة، وأُطّرت صفحاتها بإطار أحمر، كُتب متنها بالمداد الأسود، ومُيّزت بداية الفقرات الجديدة بكتابتها بمداد ذهبي أو أزرق أو أحمر، أما العناوين فمذهبة، وكامل متنها مضبوط بالشكل، وقد حافظ المحقق على هذا في نشره له.
أما نوع الخط فهو نسخي في كامل المخطوط إلا صفحة العنوان كُتبت بخط الثلث، علماً أنه يتكون من 51 ورقة، وكُتب نص وقفها على الورقة المقابلة لورقة الغلاف: «قد وقف هذه النسخة سلطاننا الأعظم والخاقان المعظّم مالك البرين والبحرين خادم الحرمين الشريفين السلطان ابن السلطان، السلطان الغازي محمود خان، وقفاً صحيحاً شرعياً. حرّره الفقير أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين. غُفر لهما» وتحته ختم المفتش.
والمخطوط إرشادات للسلطان، منها: «يحتاج السلطان إلى ستة أشياء لكي تتم بها السلطنة، منها الوزير الصالح ليُظهر إليه سره، ويدبّر معه رأيه، ويسوس أمره، ومنها الجواد السابق يعتضد به يوم بأسه، ومنها السيف القاطع، ومنها السلاح السابغ، ومنها المال الكثير لتقوية جنده، ومنها الطباخ الأمين الحاذق بأغذية الملوك وما يوافق أمزجتهم، ومن أقوى أسباب الدولة النظر في مبادئ الأمور وعواقبها، كما روي أن بعض وزراء العجم قال لسُلطانه: أيها السلطان، إني أرى من الحزم أن نبني أمرنا مع العدو على أربعة أوجه: على اللين والبذل والكيد والمكاشفة، ومثل ذلك مثل الجُرح، فأوّل علاجه التسكين والتليين، فإن لم ينفع فالبطّ، فإن لم ينفع فالكيّ وهو آخر العلاج».
This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.