|   

«رسائل إلى شاب مسلم» كتبها عمر غباش إلى ابنه سيف

عمر غباش
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: سوزانا طربوش 

كتاب «رسائل إلى شاب مسلم»، لمؤلفه عمر سيف غباش، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في روسيا، حصل على كثير من التنويه في الأسابيع التالية لصدوره. ويأتي الكتاب في شكل 27 رسالة كتبها عمر إلى ابنه الأكبر سيف، الذي سيبلغ السابعة عشرة هذه السنة. لكنّ القرّاء المستهدَفين ينتشرون على نطاق أكبر بكثير: «أكتب هذه الرسائل إلى ابنيّ الاثنين، وإلى جميع الشبّان المسلمين، من رجال ونساء، بنيّة فتح أعينهم على بعض الأسئلة التي قد يواجهونها، ومنحهم مجموعة من الأجوبة المحتملة التي سيجدونها في متناولهم».

صدر الكتاب بالإنكليزية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة عن «بيكادور»، دار النشر المتفرّعة من «بان ماكميلان»، إلى جانب نسخة رقمية مسموعة بصوت المؤلف. والكتاب حاليّاً في طور الترجمة إلى الألمانيّة والإسبانيّة والتركيّة والصينيّة المركّبة لقرّاء هونغ كونغ وتايوان. كما يأمل عمر ترجمة كتابه إلى اللغة العربيّة.

درس عمر غباش الحقوق في جامعة أكسفورد، والرياضيات في جامعة لندن. وكتب رسائله الموجّهة إلى سيف بلغة فصيحة وصاغها بأسلوب جميل واعتمد سرداً شديد الوضوح. ويمكن اعتبارها ترياقاً مُبطلاً لمفعول الرسائل الدعائية الصادرة عن تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) وغيره من التنظيمات التي تلجأ إلى العنف والدمار باسم الدين.

يسعى عمر «لمعاودة التأكيد على ضرورة التفكير والتساؤل والتعاطي مع العالم بطريقة بنّاءة. أتمنّى لو يفهم ولداي وأبناء جيلهما من المسلمين أننا نعيش في عالم حافل بالفوارق والتنوّع». ويحضهم على «اكتشاف المزيد من طريق المراقبة والتفكير في أن لا داعي لظهور أيّ خلاف بين المسلمين وما تبقّى من العالَم. وأريدهم أن يفهموا أنه حتى في قضايا الدين، تكثر الخيارات التي يمكننا الانتقاء بينها».

أطلق غباش كتابه خلال جولة شملت أربعة مواقع في الولايات المتحدة، وكانت له مقابلات على قنوات تلفزيونية وبرامج إذاعية أميركية. وحظيت رسائله بعدد كبير من المراجعات الجيدة، وترك عمر وكتابه وقعاً كبيراً في الإمارات العربية المتحدة. فمساء 8 آذار (مارس) الجاري، ظهر عمر خلال مهرجان شركة «الإمارات للطيران» في دبي، حيث ناقش كتابه مع مثقّف وناشط إماراتي آخر هو سلطان سعود القاسمي، وشكّل النقاش الحدث الأبرز في المهرجان، ونُشرت تعليقات إيجابية عنه عبر «تويتر»، حتّى أنّ مديرة المهرجان إيزابيل أبو الهول، التي أسسته في العام 2008، أرسلت تغريدة إلى غباش والقاسمي، قالت فيها: «لقد جعلتماني أشعر بالفخر الليلة. بقيت أنتظر أمراً كهذا طوال تسع سنوات. إنّها جلسة النقاش الأفضل!». أما الصحافية ومعدّة المقابلات الفنية البريطانية الرائدة روزي غولدسميث، فغرّدت قائلةً، «استمعوا إلى هذا الرجل: إنه أكثر المتحدّثين انفتاحاً وصدقاً وأهمية عن الإسلام في الإمارات العربية المتحدة». كما صدرت عن الحاضرين تغريدات حماسيّة مماثلة – وتناول بعضها «الكلام المثير (والمضحك) الذي صدر عن عمر سيف غباش»، و «الإلهام والحيوية»، و «الكلام الرائع». وكانت لحضوره في معهد «جامعة نيويورك أبو ظبي» ردود فعل مماثلة. كما أن مجلة «دبي 100» على الإنترنت أدرجت اسم عمر سيف غباش ضمن سلسلة «الأبطال المحليين» التي تُصدرها.

ولد غباش في إمارة رأس الخيمة عام 1971، «في السنة التي تأسست فيها دولة الإمارات العربية المتحدة، ليشكّل الأمر، إلى حد ما، مصدر فخر بالنسبة إليّ، ورمزاً هاماً لجهة الطريقة التي أنظر فيها إلى نفسي». ومن الأمور التي تجعل كتابه لافتاً هو أنه في قسم منه سيرة ذاتيّة. وقد اعتمد المؤلف أسلوباً صريحاً للغاية عن تجاربه ومعاناته عندما كان في سن النمو.

في العام 1977، وعندما كان عمر في سن السادسة، دخل العنف السياسي حياته بأبشع الطرق، مع اغتيال والده سيف غباش، وكان الأخير يبلغ من العمر 43 سنة آنذاك، ويتبوّأ منصب وزير دولة للشؤون الخارجية في الإمارات العربية المتحدة. وقد كان يودّع وفداً سورياً في المطار، عندما أردي برصاص فلسطيني عمره 19 سنة، بعد أن أخطأ هذا الأخير بينه وبين أحد الوزراء السوريين.

يكتب عمر لابنه: «لا يزال العنف الذي دمّر جدّك عام 1977 يشوّه العلاقات والعواطف في عائلتنا حتّى اليوم. ولا تزال تأثيرات ذلك العنف تحفّزني وتترك وصمة على الطريقة التي أنظر فيها إلى العالم».

التقى والد عمر بوالدته الروسية عندما كانا يدرسان الهندسة في موسكو. وفي الآونة الأخيرة، عرف عمر من أحد أبناء أخواله الروسيين أن «عدداً كبيراً من أقاربنا الرجال كانوا كهنة أرثوذكسيين قتلهم البلاشفة في العام 1918». ويولي عمر أهمية كبرى لنصفه الروسي. فعلى سبيل المثال، عرّفته أمه إلى عظماء المؤلفين الروسيين. وفي كتابه، يذكر الاضطرابات الداخلية التي اختلجت في نفس تولستوي ودوستويفسكي. بيد أنّ نصفه الروسي هذا تسبّب له بالكثير من الصعوبات عندما كان صبيّاً صغيراً.

يدرك عمر إلى حدّ كبير الضغوط التي يتعرّض إليها الشبان المسلمون في أيامنا، لا سيما بالنظر إلى سرعة وتيرة التغيير الذي يختبرونه، بما يشمل التغيير في وسائل الاتصالات. وأخبر ابنه قائلاً، «في عالمنا اليوم، بإمكانك النفاذ إلى جميع المعلومات التي قد تطلبها حول أكثر المواضيع غموضاً والأحداث والتحركات». وأضاف، «أنا وأنت غارقان بالتغطية الإعلامية عن الإسلام والمسلمين، وفي سياقها، يُربَط الإسلام والمسلمون دوماً بالإرهاب والعنف المستوحى من الدين. وبالتالي، ستجد من الصعب عليك أن تكون مسلماً وتعيش في مجتمعات مؤلفة على ما يبدو من أفراد يشعرون بالوحدة، ومتجهّمين ومعزولين عن العالَم».

وحض ابنه على الابتعاد عن «التفكير الأسود والأبيض»، قائلاً: «إنّ الرمادي الذي يتخلّل الأبيض والأسود يظهر بكميات أكبر بكثير ممّا يقدّمه لنا علماء الدين وغيرهم من الفقهاء. والرمادي هو المنطقة التي ستخوّلك التطوّر فكرياً ومعنوياً».

وأضاف: «إنّ بعض تشعبات الإسلام السائدة تفرض أن يصبح الإسلام محور الحياة السياسيّة، وترغمك أن تكون خادماً للدين. لماذا؟ لوجود مجموعة من الأصوات القادرة على الإقناع بيننا، والتي حصلت على أموال كبيرة، وتخبرنا يومياً بأن الإسلام يتعرّض للهجوم، وأنّه لا بدّ لنا أن نتأهّب. هل الوضع فعلاً كذلك؟ لا أظن ذلك. إنها أصوات مجلجلة شوّهت وجهة نظر العالم ونجحت في الحصول على تمويل وصدقية».

وانتقدَ التعليم الذي يحصل عليه عدد من المسلمين الشبّان، والذي قد يولّد بيئة من الكراهية حيال طوائف وأديان مختلفة. وأعطى ابنه نصيحة حول كيفية التصدّي للكراهية وعيش حياة مفيدة. «يجب أن تعلم أنه مقابل كلّ فعل، سترى رد فعل. واعرف أن مثابرتك، ولطفك، وروحك الفكاهية تنتقل كالعدوى في ثقافتنا، بقدر ما تفعل اللامبالاة، أو أعمال العنف، أو السلبية».

وشدّد عمر في كتابه باستمرار على ضرورة أن يتولّى الأفراد المسؤولية. وكتب قائلاً، «سيف! أعتقد أنك لاحظت إلى الآن أنني أتطلع إلى العالم من منظار المسؤولية». عندما تحصل جرائم «اقترفها معتوهون يزعمون أنهم يتصرفون باسم الإسلام»، ستسمع كثيراً أنّ «هؤلاء الناس لا يمتّون للإسلام بصلة». لكنّ هناك وجهة نظر مختلفة عن الموضوع. فمع أنه لا يحبّذ ما يفعله الإرهابيون، يقول، «أدرك تماماً أنّهم مسلمون، إذا نظرنا إلى أدنى المتطلّبات ليعتنق أحدهم الديانة الإسلاميّة. ويمكننا أن نتولى المسؤولية على هذا الصعيد، عبر المطالبة باعتماد طريقة فهم أخرى للإسلام، وتولّي المسؤولية أيضاً لنوضّح للمسلمين وغير المسلمين أنه من الممكن والضروري قراءة الإسلام بطريقة أخرى». ولا بد للشبان المسلمين «أن يستعيدوا تعريف مفهوم المسؤولية، الذي سلبه منهم أشخاص يزعمون أن المسؤولية تُثبَت عبر إعلان الجهاد العنيف، أو من خلال تفجيرات انتحارية».

وبقي عمر يشدّد على ضرورة احترام حقوق المرأة. وفي رسالة بعنوان «الرجال والنساء»، يذكّر ابنه بأنه تربّى في أسرة نساؤها «قويات ومثقفات ومركّزات على العمل الدؤوب». وكلّما نظر سيف من حوله، سيرى نساء يتولين القيادة، ويمضين قدماً، ويسعين لتحسين أنفسهن، ويساهمن في المجتمع بطرق متعددة. «لا يمكننا أن نزعم أن النساء في الإسلام غير قادرات على مواجهة العالم الكبير الشاسع، إن كنّا نحن مسؤولين عن حرمانهنّ من أدنى حقوقهنّ ومن المهارات للقيام بذلك. نساؤنا بحاجة إلى الثقة والاحترام».

لا يُعرف عمر غباش فقط بديبلوماسيّته، بل أيضاً بحبّه وترويجه للفنون العربية، لا سيما الأدب والفنون البصرية. وفي مقدّمة كتابه، يشرح إلى أيّ مدى انعكست الصدمة التالية لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 على تفكيره. فقبل أسابيع قليلة من الهجمات، كان يتجوّل مع سيف في مانهاتن، حاملاً إياه في جيب للأطفال. وبعد الهجمات، «انتابني حس كبير بالمسؤولية حيال هذا الطفل، فقرّرت أن الوقت حان لأتصرف بالطرق المحدودة في متناولي».

انهمك، بالتالي، بالفنون والأدب والتعليم. «كانت لدي رغبة جامحة بالانفتاح على مجالات الفكر واللغة والخيال، لأثبت لنفسي ولرفاقي المسلمين أن العالم قادر على تقديم ما يزيد بكثير عن الخيال المحدود الذي يفرضه أشخاص تعساء إلى أقصى الحدود».

بدأ عمله في القطاع الديبلوماسي لاحقاً، «وقابلته بالقدر نفسه من الانفتاح على الأفكار والإمكانات. ومن خلال السفر والتفاعل مع الناس على أنواعهم، من المتشددين دينياً إلى العارفين الكبار، ومن الجاهلين تماماً إلى كثيري الاتصال بالإنترنت، أرى أن ما يجمعنا كلّنا هو الطابع الإنساني المشترك». وبدأ مسيرته المهنية في وزارة الخارجية كديبلوماسي للبعثة الإماراتية إلى الأمم المتحدة، ومن ثم تم تعيينه سفيراً في روسيا عام 2008. وقبل أن يصبح سفيراً، أسس غباش «الخط الثالث»، وهو أول معرض فن معاصر دولي في دبي، يستضيف فنّانين من الشرق الأوسط.

في المجال الأدبي، رعى غباش وأسرته جائزة سيف غباش - بانيبال للترجمة الأدبية إلى العربية، وقد سماها كذلك على شرف ذكرى والد عمر المتوفى. إشارة إلى أن الجائزة الممنوحة سنوياً منذ العام 2006 أطلقتها مجلة «بانيبال» للأدب العربي المعاصر، وهي أول جائزة في العالم تُكرَّس لمكافأة ترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية. وقد تم توسيع نطاق رعاية أسرة غباش لجائزة سيف غباش-بانيبال السنة الماضية لتشمل محاضرة سنوية.

كان عمر مديراً عاماً مؤسساً للجائزة العالمية للرواية العربية – المعروفة في أحيان كثيرة باسم جائزة البوكر العربية - عند إطلاقها في أبو ظبي عام 2007 بدعم من مؤسسة «بوكر برايز فاونديشن» في لندن. وكان هناك أمل بأن تشجع الجائزة المذكورة على الإقرار بالرواية العربية النوعية، وأن تكافئ الكتّاب العرب وتؤدي إلى ازدياد عدد القراءة العالمية من خلال الترجمات. وفي مجال التعليم، كان دور غباش رئيسياً في استقدام «جامعة نيويورك» إلى أبو ظبي. وقد استقبلت أوائل طلابها في الإمارة في العام 2010.

تشير حفاوة ردود الفعل على «رسائل إلى شاب مسلم» إلى تعطّش الشبان العرب والمسلمين والجماهير الغربية إلى الأفكار الإيجابية والمفعمة بالأمل، وإن كانت مليئة بالتحدّيات، كتلك التي يشملها كتاب غباش. وفي نهاية رسالته الأخيرة إلى سيف، وموضوعها «الفرد المسلم»، يكتب عمر: «في نهاية هذه الرسائل الموجهة إليك يا سيف، أريدك أن تعد نفسك بالمحافظة دائماً على عزّة نفسك، وخصوصيتك الفردية واستقلالك الفكري... أمّا الآن، فاذهب واكتب رسائلك الخاصة».

 

 

* صحافية بريطانية

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

جيش ميانمار يعثر على 28 جثة لهندوس ويتهم «الإرهابيين» الروهينغا  |  بتوقيت غرينتشمقتل شخص وإصابة ستة بإطلاق نار بكنيسة في تينيسي الأميركية  |  بتوقيت غرينتشنيجيريا تبدأ محاكمة 1600 مشتبه بهم من «بوكو حرام» الشهر المقبل  |  بتوقيت غرينتشرئيس إقليم باسك يدعو إلى السماح بإجراء استفتاء كاتالونيا  |  بتوقيت غرينتشمركل لولاية رابعة والقوميون يدخلون البرلمان بقوة  |  بتوقيت غرينتشضربات أميركية تقتل 17 من مسلحي «داعش» في ليبيا  |  بتوقيت غرينتشالشرطة البريطانية أحبطت 7 هجمات منذ آذار  |  بتوقيت غرينتشالجيش اليمني يصد هجوماً للمتمردين على ميدي  |  بتوقيت غرينتش«قوات سورية الديموقراطية» تشكل مجلساً مدنياً لإدارة دير الزور  |  بتوقيت غرينتشمقتل 45 عنصراً من «فيلق الشام» نتيجة قصف روسي في إدلب  |  بتوقيت غرينتش