|   

«النظرية السويدية في الحب»: الجحيم ليس الآخر دائماً

من الفيلم التسجيلي
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: استوكهولم – فجر يعقوب 

على وقع موسيقى يوهان سوديربرغ، يختار المخرج السويدي اريك غانديني أن يبدأ فيلمه التسجيلي الجديد «النظرية السويدية في الحب».

المخرج الذي اشتهر بأفلام مثل فيلمه عن معتقل غوانتانامو والثقافة التلفزيونية في ايطاليا – بيرلسكوني ينحني هنا على تيمة سويدية مؤرقة عن المجتمع المكون من الأفراد المستقلين ويحظى بعروض مهمة لفيلمه على التلفزيون السويدي (عرض في التاسع من الشهر الجاري وسيعاد عرضه في تشرين الأول -اكتوبر- المقبل): الاستقلالية التي أفضت بنصف المجتمع السويدي الى العيش في وحدة وعزلة قاتلتين. بعد أن يستعرض صوراً بالأبيض والأسود من السويد في الخمسينات من القرن العشرين، تحتفي بنوع العائلة السويدية: الأم التي تطهو الطعام لأطفالها. الأب الذي يقود أولاده للعب في الحدائق والتمتع بأشعة الشمس. المشاركات الحميمة بين فرق الشباب في كل شيء التي دفعت مجموعات شبابية كثيرة في العالم للانسياق وراءها، وكأن ما يحدث كان يشكل بداية طيبة لثورات شبابية مبشرة يعود الى البيان الذي ظهر فجأة بين سياسيي السويد في ربيع 1972 ليشكل انقلاباً على مفهوم العائلة التقليدي.

كان السياسي المخضرم والمحنك اولف بالمه زعيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي السويدي، ورئيس الوزراء آنذاك الذي اغتيل عام 1986 في ظروف غامضة على رأس هذا الانقلاب، والمحرك الفعلي لـ «المانفيستو» الذي رسم الخط البياني لشكل الأسرة السويدية في المستقبل. بدا كل شيء حينها مصدر إلهام للعديد من الدول التي تحيط بالسويد، لكن مرور أكثر من أربعة عقود على هذا الصعود الصاروخي الذي شكل أنواعاً مختلفة من حسد طريقة العيش والرفاه في المجتمع السويدي، كما يكشف الفيلم عبر 75 دقيقة لم تمر مرور الكرام فيه، فقد لامس رفض فكرة الزواج والعيش مع شريك الى النصف تقريباً، ومع محاكاة فكرة بنوك الحيوانات المنوية للتلقيح الصناعي التي انطلقت شرارتها أساساً من الدولة الجارة الدنمارك صار بوسع المرأة السويدية أن تحمل عبر شراء البويضات بالبطاقة المصرفية من دون أن تضطر لوصفة الزواج التقليدية وقد أرخى هذا بغمامة سوداء على متن هذا المجتمع بدأت تتكشف نتائجها في وقت لاحق، ولم يكن ممكناً التصدي لها بأي شكل من الأشكال. وازدادت حوادث الموت في «العزلة الكاملة»، حتى أن الدولة السويدية وهي نموذج الدولة القوية التي استطاعت الوصول الى أعلى مستوى من الرفاهية على صعيد العالم بأسره، ولم يكن ممكناً تجاوز مسألة بلوغها المرتبة صفر في إعادة تدوير النفايات، الأمر الذي جعلها تحتل المرتبة الأولى أيضاً بيئياً على الصعيد العالمي.

وظهر أن هذا لم يكن كافياً فقد أنشأت هذه الدولة أيضاً وكالات تعنى بالبحث عن اولئك الأشخاص الذين يموتون في بيوتهم من دون أن يعرف أحد عنهم شيئاً الا بعد تفسخ جثثهم وصدور الروائح الكريهة عنها، كما يبين الفيلم عبر «تحريين» يقومان بالبحث عن رجل توفي منذ عامين وترك إرثاً كبيراً وراءه لا تعرف الدولة الى أي جهة سيؤول، بخاصة أن ابنته وهي وريثته الوحيدة، لا أحد يعرف مكاناً لها، وقد كان كل شيء يسير على ما يرام على رغم موته المأسوي كل هذه المدة، فقد كانت البنوك المختلفة تقتطع مستحقاتها من البطاقة المصرفية الخاصة به من دون الرجوع اليه ومعرفة ما حل به.

سيكشف غانديني في رؤية أحادية الجانب عن بشر مختلفين في تطلعاتهم وثقافاتهم التي وفدوا منها الى السويد، بعضهم يعيش في كنف دولة الرعاية المستقرة على بحبوحة في الاقتصاد والعيش والإنفاق الحكومي على التعليم والطب والبيئة غير المحدود من دون أن يشغل باله بفكرة «الاندماج» المتعبة في الواقع، فها نحن نقف أمام معلمة اللغة السويدية التي تتحدر من أصول عراقية وتعطي دروساً في اللغة لمهاجرين سوريين يعيشون في سكن الهجرة الموقت. وباستثناء التعريف السريع بها، وقولها إنها لا تستطيع العيش من دون شركاء في الحياة، وبذا تظهر بشكل استعراضي على الجبهة الأخرى التي يبرزها المخرج في الفيلم، لا نعرف هنا آراءها بنوع الدعم الذي تقدمه هذه الدولة لضمان دمج هؤلاء «المختلفين»، وباستثناء إطلاق تحذير غير دقيق بضرورة الإجابة المختزلة في كل شيء، فـ «السويديون لا يحبون الكلام الكثير»، ولا نعرف شيئاً عن تقويمهم للدور الذي تلعبه هذه الدولة في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية التي يرثي لها الفيلم بنوع من العناد والمثابرة اللافتة، اذ تبدو حياة السويديين تمضي في منحى مختلف كلياً، وهم غير منشغلين أساساً بالتمعن فيها، وليس التبرع بالحيوانات المنوية أمام كاميرا غانديني من شباب صبورين، بعضهم يتبرع بها بحثاً عن المال، وبعضهم حباً بالمساعدة الا نوعاً من تجميل خافت لما سيؤول اليه مصير هذا المجتمع.

بعضهم يرى أن البحث عن الموتى في بيوتهم هو بشكل أو بآخر بحث مضن عن معنى الحياة المفقود. ليست حياة السويديين بعد كل هذه الاختبارات التي أفضت بهم الى هنا تبدو على شاكلة تلك المرأة الشابة التي تحقن نفسها أمام الكاميرا بالحيوانات المنوية لتنتظر من بعدها قدوم المولود الذي سيكبر ويترعرع من دون معرفة الأب، أو ربما من دون الرجوع اليه في كل شاردة وواردة، فهذا قد كان خيارها من الأساس. أما تلك الشوارع الموحشة والكئيبة والمعتمة التي يعبرها بشر قليلون، فليست بمنأى عن سهام النقد والفكر كما يشير عالم الاجتماع البولندي في نهاية الفيلم سيغموند باومان.

لا تكمن السعادة في بلوغ الناس كل شيء من دون وجود متاعب في حياتهم. حل هذه المتاعب يولد السعادة والفرح في أحايين كثيرة. هذا قد يبدو صحيحاً الى حد ما، لكن نموذج البروفيسور اريك اريكسون، الجراح السويدي الماهر الذي يعيش في أدغال افريقيا مع زوجته الاثيوبية ويقوم بإجراء أنواع من العمليات الجراحية المبهرة للسكان المحليين بأدوات بسيطة قد لا تتعدى الأدوات التي تستخدم في إجراء بعض الإصلاحات المنزلية لا يمكن سوقه هنا بوصفه نموذجاً في العثور على سعادته الفردية ويمكنه هجاء المجتمع السويدي حين يعود اليه في بعض الإجازات المتقطعة.

حتى تلك المجموعات السويدية الشبابية التي تتجمع في الغابات بحثاً عن الدفء الإنساني في الملامسات المفقودة لا تشكل صوغاً لافتراق عن الصورة المظلمة التي يرسمها الفيلم من خلال أبطاله: الشابة التي تركض في الغابة في مستهل الفيلم وتحاكي نفسها من خلف الكادر، بأنها تعلمت أن تتكلم الى الأشجار في ركضها اليومي، وبأنها يمكن أن تعيش سعيدة من دون شريك في حياتها. ستنجب عبر التلقيح الصناعي. البنوك من حولها غنية: 170 ليتراً من الحيوانات المنوية كفيلة بإحداث انقلاب أكبر في طريقة فهم المجتمع السويدي، لكن «النظرية السويدية في الحب» لم تكشف عن كل شيء مع الأسف.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

حاكم كندا يخالف البروتوكول بلمس ذراع ملكة بريطانيا  |  بتوقيت غرينتشالفنان الفرنسي بوجناح يقدم عرضه في قرطاج على رغم احتجاجات  |  بتوقيت غرينتشالأمم المتحدة: تراجع معدل الوفيات المرتبطة بـ «الإيدز»  |  بتوقيت غرينتشوريثة «سامسونغ» تدفع 7.6 مليون دولار لتسوية قضية طلاق  |  بتوقيت غرينتشتناول مضادات الاكتئاب أثناء الحمل يرفع خطر الاصابة بالتوحد  |  بتوقيت غرينتش31 فيلماً في الدورة العاشرة لمهرجان «وهران» الدولي  |  بتوقيت غرينتشالمحكمة العليا الأميركية ترفض تطبيق جزء من قرار ترامب لحظر السفر  |  بتوقيت غرينتش«با با لاند» أكثر فيلم ممل في تاريخ السينما  |  بتوقيت غرينتش«أمازون» تطلق خدمة تواصل اجتماعي لأجهزة «آبل»  |  بتوقيت غرينتش«ديسباسيتو» أكثر أغنية بثت على الإنترنت في التاريخ  |  بتوقيت غرينتش