|   

الارهابيون يقوّضون اليوتوبيا مرّتين و11 أيلول حدث مؤسس للكارثة

تفجيرات نيويورك 11/9 (أ ف ب)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: فيكين شيتيريان 

أطلقت بداية تسعينات القرن العشرين حقبة تفاؤل جديدة، مع حلول نهاية الحرب الباردة، وانتهاء الكابوس النووي ومفهوم العالم المنقسم إلى فريقين. وترافق ذلك مع نهاية الجنون العسكري الذي هدّد بتدمير الحضارة البشريّة في خضمّ حرب إيديولوجيّة. وكان الاتحاد السوفياتي الذي استثمر قسماً كبيراً من موارده في المنظومة العسكرية الصناعية انهار على رغم قوّته العسكريّة، وبات من الممكن تصوّر يوتوبيا جديدة. وللمرّة الأولى في خلال نصف قرن، بات ممكناً التفكير في حلول للمشكلات الاجتماعية والبيئية والأخلاقية الأساسية التي تواجهها البشريّة والكرة الأرضيّة.

وعلى رغم اندلاع حروب في أماكن متعددة من العالم، حملت عواقب وخيمة – في البلقان، والقوقاز، ومنطقة البحيرات العظمى الأفريقية – سنحت فرصة عالميّة بتطوير علاقات دولية تستند إلى أسس جديدة. كانت المؤسسة العسكرية خسرت هيمنتها، وقدرتها على بث النفوذ، فنشأ أمل تاريخي بإرساء مبادئ جديدة مسالمة تستند إليها العلاقات الدوليّة.

ومثّلت نهاية الحرب الباردة أيضاً هزيمة للفريق الاشتراكي، وفرصة عظيمة للولايات المتّحدة. وللمرّة الأولى في التاريخ، ولفترة وجيزة، عاشت البشرية في عالم أحادي القطب. وتسنّت للقادة الأميركيين فرصة فريدة لتصميم العالم الجديد المتبلور أمام أعينهم. وما إن نشأت هذه الفرصة عام 1994، اختار الرئيس الأميركي بيل كلينتون التطلّع نحو المستقبل من منظار حلف شمالي الأطلسي، وصولاً إلى أبواب الكرملين. وتصوّرت الطبقة الأميركية الحاكمة، أن في إمكانها فرض «نظام عالمي جديد» تكون فيه السيدة الوحيدة لكوكب الأرض، فتفرض عليه اقتصادها المفضّل، ومعاييرها السياسيّة والقانونيّة الخاصّة، وتهيمن على ما تبقّى من العالم.

حتّى أنّ زبيغنيو بريجينسكي (وهو مستشار رئاسي أميركي سابق) امتلك ما يكفي من الوقاحة ليشبّه نفوذ الولايات المتحدة بجبروت الإمبراطورية الرومانية، حيث قال إنّ الولايات المتحدة، تماماً كالإمبراطوريّة الرومانيّة، لديها 300.000 جندي متمركز في القواعد العسكريّة خارج البلاد.

على رغم سياسات الولايات المتّحدة الهادفة إلى إرساء عالم أحادي القطب، وفرض هيمنتها على المشاركين الدوليين الآخرين، اختبر عقد التسعينات نمو تحرك اجتماعي مناهض للسياسة العسكرية وللرأسمالية الليبرالية الجديدة، وطالب بالعدالة الاجتماعية وبحماية بيئتنا. وعُرف هذا التحرّك بمناهضته للعولمة، ونجح في فرض حصار مجازي وفعلي على الطبقات الحاكمة للبلاد التي تمثّل قوى عظمى. فبادئ ذي بدء، اعترض على وعد الليبراليين الجدد بزيادة الأرباح والاستهلاك المادي، وفضّل الترويج لمواضيع اجتماعية مثل حقوق المهاجرين والنساء، أو حقوق الشعوب الأصلية، ونشأ وعي وتفكير متطرّف بأنّ نموذجنا الاقتصادي يدمّر بيئتنا الطبيعيّة وبالتالي، لا بد من وضع حدّ له. وضمّ هذا التحرّك في صفوفه شبّاناً متحضّرين ومتعلّمين، اعترضوا على خيارات قادتهم، فنظّموا سلسلة من التظاهرات الكبيرة ضد الطبقة السياسية الحاكمة، منها تظاهرة سياتل عام 1999 ضد اجتماع منظمة التجارة العالمية، وتظاهرة جنوى عام 2001 ضد قمّة مجموعة الثماني. ومثّل هذا التحرّك المناهض للعولمة اعتراضاً كبيراً وأساسياً على نظام حقبة ما بعد الحرب الباردة، المستند إلى الطابع المادي للّيبرالية الجديدة، وحمل وعداً بتغيير يستند إلى قيم كونية إنسانيّة.

ثمّ وصل تنظيم «القاعدة» ودمّر التحرّك الآنف الذكر. ومع بروز «القاعدة»، زال الاحتمال بتحقيق حلم مناهضة العولمة على المدى البعيد. وها أنّنا نعيش، منذ ذلك الحين، على وقع هجمات عشوائية تطاول المدنيين من جهة، ومجموعة كبيرة من الجيوش التي تقصف مناطق كاملة يقطنها مدنيون، باسم الحروب على الإرهاب، من جهة أخرى. والحال أنّ تنظيم «القاعدة»، بحد ذاته، كان عبارة عن مجموعة متطرّفين لم تعنِ الكثيرـ وكانت مؤلّفة من إسلاميّين متطرّفين قادمين من مصر، وسورية، والجزائر، سبق أن حاولوا الإطاحة بالأنظمة العسكرية في بلادهم، وباءت مساعيهم هذه بالفشل. وبعد جمع شمل أفراد هذه المجموعة المشتّتة في أفغانستان برعاية نظام طالبان، أعلنت «الجهاد ضد اليهود والصليبيّين». وتُرجِم إعلانها هذا على أرض الواقع بأولى الهجمات التي شُنَّت على السفارة الأميركية في كينيا وتنزانيا، ولقي عشرات المدنيين الأبرياء حتفهم في عدد من التفجيرات، إلى أن حصلت في أيلول (سبتمبر) 2001 الهجمات المريعة التي استهدفت برجي المركز التجاري العالمي في نيويورك، ومبنى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن.

لقد شكّل الهجوم الأخير كارثة للعالم أجمع، حيث نجحت مجموعة صغيرة من الأفراد الذين لم يمثّلوا الكثير في احتجاز السياسة العالمية رهينة لديهم. وفي أعقابه، منحت الدول البوليسية طابعاً مشروعاً لـ «الحرب على الإرهاب»، وبات لعمليات الاجتياح العسكري سبب جديد. وهكذا، ولّى عقد ما بعد الحرب الباردة، واختفت معه المخاوف الاجتماعية والبيئية. وراحت موازنات الدولة تُصرف على عناصر الشرطة والجيش، لضمان «الأمن» بدلاً من التعليم والثقافة والتنمية. وعكس الإنفاق العسكري هذا الواقع جيّداً، إذ كانت الموازنة العسكرية الأميركيّة بلغت ذروة عند 427 بليون دولار عام 1987، ثمّ بدأت تتراجع ببطء حتّى بلغت 307 بلايين دولار في 2001، ثمّ عادت لتحلّق، بعد ذلك، إلى 527 بليون دولار في 2007 – مع إضافة النفقات العسكرية الناتجة من حروب أفغانستان والعراق إلى الرقم الأخير!

فتحت هجمات أيلول (سبتمبر) صفحة جديدة في مجال السياسة الدولية، عنوانها الإرهاب ومكافحة الإرهاب. واليوم، باتت لكل دولة بوليسية نسختها الخاصة عن «محاربة الإرهاب»، وهو أمر مفيد للغاية لمنح طابع مشروع للأنظمة المستبدة والفاسدة، ولتبرير الوضع الراهن.

جلبت هجمات «القاعدة» الكارثة إلى أفغانستان. ومع أن بن لادن لم يعتقد يوماً أن الأميركيين سيأتون بجيوش برّية إلى أفغانستان، فعلوا ذلك فعليّاً وأطاحوا نظام «طالبان». وبعد أن هُدرت آلاف الأرواح وتم إنفاق تريليون دولار، بقيت هذه الحرب متواصلة. فهُزم تنظيم «القاعدة» في كل مكان شهد محاولة تأجيج ثورة، لكنّه نجح في تطوير نموذج تمرّدي جديد، يقوم على تكفير الآخرين، واللجوء إلى أقصى أنواع العنف، بما يشمل التفجيرات الانتحارية الواسعة النطاق، ويعمل على لفت انتباه الإعلام وعلى مواصلة تجنيد العناصر في صفوفه.

في العام 2011، حمل الربيع العربي -وهو سلسلة من الثورات ضد الأنظمة الديكتاتورية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط– وعداً ببداية جديدة. ونجحت الاعتصامات الشعبية المسالمة بإطاحة نظامي بن علي ومبارك، حيث باء عقد من الإرهاب السلفي الجهادي بالفشل الذريع. والحال أنّ الناس بدأوا يطالبون بالحرية، وحتى بالديموقراطية على الطريقة الغربية – ودانها الجهاديون باعتبارها بدعة. وأراد معظم الشبان وظائف. لكنّ الربيع العربي عجز عن تطوير أنظمة سياسية مستقرة، فانهارت المنطقة. وفي ليبيا، واليمن، وسورية، لم تستسلم الأنظمة القديمة، واستخدمت قواتها المسلّحة لقمع التحركات الشعبية. ووسط فوضى الحروب الأهلية الجديدة، وُلد وحش جديد، عرّف عن نفسه بأنّه تنظيم «الدولة الإسلامية»، فاستولى على مناطق شاسعة من العراق وسورية، وطوّر امتيازات حتّى في أماكن نائية ما بين الفيليبين ونيجيريا. وبكل وقاحة، أعلن الحرب على كل دولة وقوّة سياسية متواجدة في الشرق الأوسط، وأعلن حتّى عن نيّته فتح روما! للمرّة الثانية، أحبط تشكيل جهادي المساعي المبذولة لإحداث تغيير سلمي وديموقراطي، عبر فرضه سياسات عنيفة وجازمة. ومن جديد، حملت خياراته تداعيات تخدم جداول أعمال مشرّبة بالروح الحربيّة حول العالم. واليوم، يخسر «داعش» عاصمته الرقّة، بعد أن حارب وخسر المدينة التي كان يعلن منها أخبار دولة الخلافة الجديدة: الموصل. أمّا الثمن المدفوع في مقابل هذه المغامرة المجنونة فباهظ لجميع الأطراف المعنيّين. فتنظيم «الدولة الإسلامية» لم يتسبّب فقط بآلاف الضحايا في صفوف منافسيه بل عمد أيضاً إلى تدمير المجتمع الذي كان يدعي أنه يمثّله، وهو يعمل على تدمير كلّ مدينة احتلّها بالكامل، وعلى تحويل الشبّان الذين صدّقوا حملته الدعائيّة إلى جثث منتشرة في الشوارع.

للمرّة الثانية، يبدو أن المغامرة السلفية الجهاديّة تشرف على نهايتها، لكنّ الأمل ضئيل بأن يذهب العالم في اتّجاه جديد يملأه الأمل. واليوم أكثر من أي وقت كان، نبدو رهائن عالقين بين قوّتين عقيمتين، هما العدميّة الجهاديّة، والدولة المحاربة للإرهاب.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

إرسال بعثة خبراء أوروبية إلى بغداد للمساعدة في مواجهة الإرهاب  |  بتوقيت غرينتشطائرة أميركية «مسيرة» تستهدف معسكرات تدريب لـ«داعش» في اليمن  |  بتوقيت غرينتشالولايات المتحدة مستعدة لتعزيز دعمها العسكري للصومال  |  بتوقيت غرينتشترامب: إلغاء الاتفاق النووي مع إيران «احتمال فعلي»  |  بتوقيت غرينتشماي تزور بروكسيل لتحريك المفاوضات حول «بريكزت»  |  بتوقيت غرينتشالاتحاد الأوروبي يفرض عقوبات جديدة على كوريا الشمالية  |  بتوقيت غرينتشكولر يبدأ من الرباط جولته الإقليمية الأولى للصحراء الغربية  |  بتوقيت غرينتشمركل تنفي إضعاف موقعها بعد هزيمة حزبها في انتخابات إقليمية  |  بتوقيت غرينتشالسجن لثمانية أردنيين دينوا بـ «الترويج لداعش»  |  بتوقيت غرينتشإسرائيل توافق على بناء 31 وحدة استيطانية في الخليل  |  بتوقيت غرينتش