|   

خسارة أخرى للديموقراطيين السوريين

ايمانويل ماكرون (ا ف ب)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: رستم محمود 

أوائل خريف عام 2008 زار نيكولا ساركوزي دمشق، باعتباره رئيساً لفرنسا وللاتحاد الأوروبي معاً. وقتذاك، اعتبرت الزيارة بمثابة نهاية أزمة النظام السوري التي بدأت منذ اتهامه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005، وتعكيره المشروع الأميركي في العراق عبر دعم التنظيمات المتطرفة العابرة حدود البلدين. كما أن الزيارة كانت بمثابة ضربة قاضية لآمال المعارضة السورية الداخلية التي وصلت إلى ذروة إجماعها ونشاطها السياسي أواخر عام 2005، حين أصدرت إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي.

ثمة ما يشي بأن الديموقراطيين السوريين، نخبة وقواعد اجتماعية وسياسية، يعيشون زمناً سياسياً شبيهاً بذلك الذي حدث قبل قرابة عقد. وعبر الديناميكيات المحلية والإقليمية والدولية ذاتها التي كانت، ومساراتها التي تجري عكس حسابات الديموقراطيين السوريين.

دولياً، كانت حسابات السوريين وقتذاك قائمة على معادلة بسيطة، تذهب إلى أن الشقاق في العلاقات الدولية بين أوروبا والولايات المتحدة، أثناء حرب العراق وبعدها، أوقف زخم مشروع الاهتمام الدولي بالمنطقة ومحاولة تغيير الأنظمة الشمولية فيها، وأن هذا التوافق قد يعود إليه الزخم عبر البوابة اللبنانية. فتوافق الرئيس الفرنسي جاك شيراك مع نظيره الأميركي جورج بوش على إخراج الجيش السوري من لبنان، شكل حماية للقوى اللبنانية المناهضة للنظام السوري. ومع هذه الحماية الدولية وكنتيجة لزخم الثورة الأوكرانية، افترض المعارضون السوريون أن مظلة واضحة تشكلت، وأن النظام سينهار من داخله إذا مورست عليه ضغوط دولية وداخلية. وضمن تلك الأجواء تكثفت التحركات والآمال والتوافقات السياسية بين شخصيات وقوى المعارضة السورية.

أثبتت المجريات مثالية حسابات السوريين. فالنظام السوري مارس أفظع أشكال التنكيل بالنخبة السياسية المعارضة له، عبر القتل في لبنان والاعتقال في سورية، ولم يتعرض لمحاسبة دولية حقيقة. حتى المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الحريري، نجا منها النظام السوري من دون أي أثر.

لكن التراجيدي كان أن فرنسا التي اعتبرها السوريون حصانهم الذي سيقودهم إلى التغيير هي التي قادت قطار إعادة تعويم النظام السوري، وواجهت حتى الدول الأوروبية التي كانت تعترض على ذلك، بالذات ألمانيا وبريطانيا. كما أن تحليلات كثيرة ذهبت إلى أن الاستخبارات الفرنسية هي التي كشفت التواصل بين نائب الرئيس السوري السابق المنشق عبد الحليم خدام ووزير الداخلية غازي كنعان وقتذاك، الشيء الذي أودى بكنعان ومشروعه الانقلابي.

قدّم النظام السوري بعض الخطوات الصورية للمجتمع الدولي، كالانسحاب من لبنان وتسليم سلطته الحقيقية لـ «حزب الله»، كذلك الاعتراف بالتمثيل الديبلوماسي الشكلي، والإقرار بالسعي لرسم الحدود بين سورية ولبنان. سعت القوى الدولية، وبالذات فرنسا، الى أن تصور تلك السلوكيات وكأنها التزام تام من النظام السوري بالقرارات الدولية، ولم تبال حتى بشأن حقوق الإنسان التي قال عنها ساركوزي أنها «ثقافة» في المؤتمر الصحافي الذي عقده أثناء زيارته دمشق.

يعيش السوريون راهناً شيئاً مطابقاً لما حصل وقتذاك. فالقوى الدولية التي كانت في رأي السوريين حليفاً موضوعياً لثورتهم، بدأت تتراجع في مواقفها، بالذات فرنسا، وتوافقها بقية الدول الأوروبية، وإن على استحياء. وليس مستبعداً أن تقبل فرنسا بإعادة تعويم الأسد، إذا اتخذ بعض الخطوات الشكلية التي يستطيع أن يتنازل عنها لاحقاً.

إقليمياً، يحدث أمر مماثل. فالقوى والأحداث الإقليمية التي توقع السوريون وقتذاك أن تؤدي إلى انتصار حراكهم، انقلبت كلها إلى عكس ما توقع السوريون. فالقوى اللبنانية التي بقيت لسنوات طويلة تعادي النظام السوري، بالذات التيار الوطني الحر، أعادت ترتيب أوراقها الداخلية لتكون أقرب حلفاء النظام السوري في لبنان، ولم تستطع قوى 14 آذار تحقيق منجزات سياسية حقيقية بعد الانسحاب السوري، وخضعت لمنطق قوة سلاح «حزب الله».

في العراق انهار المشروع الأميركي تماماً، ودخلت نخبة الحكم العراقية في صراع أهلي طائفي وقومي في ولايتي نوري المالكي، الذي كان يظهر بالتقادم وكأنه مدير للأعمال الإيرانية في البلاد، لا رئيس الوزراء المنتخب والتوافقي. كان الانسحاب الأميركي في بداية عهد باراك أوباما تتويجاً لترك الولايات المتحدة اهتمامها بالمنطقة. فمشروع تغيير النظام السوري الذي كان مفترضاً أن يبدأ عبر العراق، انعكس ليغير العراق وفق استراتيجية النظام السوري. كما أن إسرائيل وحكومة العدالة والتنمية أمنتا للنظام السوري طوق الحماية الإقليمية، عبر الإيحاء بأن النظام السوري راغب في الدخول في عملية سلامٍ حقيقية، وأنه يميل إلى الاعتدال وقبول الاستقرار في المنطقة.

حالياً تستعيد الأحداث نفسها. فالدول الإقليمية، تظهر وكأنها صارت تخضع لفروض النظام السوري، وإن بشكلٍ موارب. فتركيا وقطر صار واضحاً أنهما تملكان أجندات في سورية، ليس من بينها مصالح السوريين ورؤيتهم لمستقبل بلادهم. كما أن التيارات والأنظمة التي صعدت مع الربيع العربي صارت إما خاضعة لصراعاتها الداخلية كليبيا واليمن، أو باتت القوى المهيمنة عليها تعود لتطابق الأنظمة التي انتفضت عليها، كما في تونس. وطبعاً تبقى إسرائيل أكثر الأطراف حساسية تجاه أي تغيير حقيقي وجذري في بنية النظام السوري.

بناء على ذلك، تدخل نخب المعارضة السورية، شخصيات وقوى وتنظيمات، في أزقة خلافاتها الشخصية والذاتية والمحدودة، بعدما أصابتها عدوى القنوط وفقدان الثقة بالذات والمحيط والعالم.

قبل عشر سنوات تفاقمت الخلافات بين حسن عبد العظيم ورياض الترك، خرج بسببها حزب الاتحاد الاشتراكي المعارض من إعلان دمشق. كما استطاع النظام السوري التفريق بين أكراد المعارضة وعربها، حين اعتقل قادة المجلس الوطني لإعلان دمشق، مع استثناء نائب رئيس المجلس القيادي الكردي عبد الحميد دويش.

بالآليات والمسارات ذاتها تحصل الحساسيات بين النخب السورية راهناً، بين المنصات والشخصيات والمجموعات، وهي حساسيات ليس سببها مشكلة ذاتية في هذه النخب، بل هي نتيجة لفظاعة الخسران الذي يُفرض عليها من كل الاتجاهات.

قبل عشر سنوات انهزم السوريون الديموقراطيون، لكن الخيار الديموقراطي لم يُهزم، لأنه غير مرتبط بجماعة أو تشكيل أو نخبة، لذا اندلعت الثورة بعد حينٍ، ومن المتوقع أن يجرى شيء مشابه، ولو بعد حين في المستقبل القريب.

 

 

* كاتب سوري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

رياض حجاب يستقيل من رئاسة «الهيئة العليا للمفاوضات»  |  بتوقيت غرينتشبوتين يأمر بتزويد الجيش الأسلحة «الأكثر تطوراً»  |  بتوقيت غرينتشأميركا تصنف كوريا الشمالية دولة راعية للإرهاب  |  بتوقيت غرينتشغوتيريش يندد بـ«العبودية» في ليبيا  |  بتوقيت غرينتشمديرة صحيفة «الفجر» الجزائرية تنهي إضراباً عن الطعام  |  بتوقيت غرينتشمركل تفضل انتخابات جديدة على حكومة أقلية  |  بتوقيت غرينتشالعاهل الأردني يلتقي نائب الرئيس الأميركي الأسبوع المقبل  |  بتوقيت غرينتشالأمم المتحدة تحض اليابان على توطين المزيد من اللاجئين  |  بتوقيت غرينتشتركيا تعتبر محاكمة رجل الأعمال ضراب «مؤامرة سياسية»  |  بتوقيت غرينتشأبو الغيط: لا أحد يرغب في إلحاق الضرر بلبنان  |  بتوقيت غرينتش