|   

كيف رسم العبّاسيّون حدود هويّتهم وأين مَوْضعوا النساء؟

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: حازم صاغيّة 

يُعنى كتاب «النساء والإسلام والهويّة العبّاسيّة» (منشورات هارفارد) باختراع الحاضر للماضي مُطبَّقاً على حقبة من التاريخ الإسلاميّ. لكنّ كاتبته ناديا ماريّا الشيخ، أستاذة التاريخ في الجامعة الأميركيّة في بيروت، ركّزت معالجتها هذه المسألة ووظيفتها السياسيّة والإيديولوجيّة على برهنة مسألتين: الأولى أنّ الإيديولوجيا والنظام الجديدين بحاجة دائمة إلى ترسيم الحدود مع آخرٍ قد يكون حقبةً أو فكرة أو جماعة أو جواراً مختلفاً، فالترسيم الذي يعزّزه تعريف ذاك الآخر على يد الطرف الصاعد، إنّما هو شرط لبناء الهويّة الذاتيّة للطرف المذكور.

أمّا النقطة الثانية، فإنّ آخريّة الآخر قد تتجمّع في صورة المرأة وقيمها، وفي العلاقات الجنسيّة والجندريّة عموماً، ذاك أنّ المرأة لا تلبث أن تغدو بمثابة مبدأ تنظيميّ في صوغ الهويّة. من هنا، فإنّ تحوّلاتها والتحوّلات المتّصلة بها تمسي دليلاً ينمّ عن تحوّلات أعرض.

فلئن قال الشطر الشعريّ الشهير «والضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ»، فإنّ الضدّيّة، إظهاراً لحسن المتكلِّم أو قبح المتكلَّم عنه، لا تغادر أيّاً من صفحات الكتاب. وفي متن تلك الضدّيّة المركّبة التي تولاّها العباسيّون، كان تبرير سلطتهم وبلورتها في سجال مع الأمويّين، ثمّ لاحقاً في توافق معهم.

 

التعليق، لا الخبر

لقد ربطت كتابةُ التاريخ الإسلاميّ المبكرة الماضي بالحاضر، وألحقته به، كما لو أنّ الماضي إنّما استُثير كي يخدم الحاضر. فالسرديّات التاريخيّة، وكلّها سُجّلت في الحقبة العباسيّة، لم يكن هدفها، وفقاً لطيّب الهبري، «أن تخبر الحقائق، بل أن تقدّم التعليق» على الأسباب السياسيّة والاجتماعيّة- الثقافيّة والدينيّة- الأخلاقيّة النابعة من أحداث مُختلَف على تأويلها.

وعبر إقامة القطع، لا التحوّل، في العلاقة بالجاهليّة، مثّل مفهوم الجاهليّة حالة من الكينونة والاعتقاد أكثر ممّا مثّل تاريخاً، لا بل كان الاعتقاد اعتقاداً باستثنائيّة تلك اللحظة وفرادتها على النحو الذي يعطّل التاريخ.

في هذا، اعتمدت الرواية العباسيّة على مفهوم الجاهليّة الذي زوّدها صورة عن ماضٍ مشترك، وصورة للوجود والعيش يستطيع العباسيّون أن يعرّفوا وجودهم وعيشهم بالضدّ منها. فالجاهليّة أضفيت عليها الماهيّة الجوهريّة وأحيلت على عدد من السمات السالبة. أمّا بالنسبة إلى النقّاد الثقافيّين، فبدا هذا التأريخ عمليّة مألوفة تحاول بموجبها جماعة اجتماعيّة «أن تكثّف فهمها لنفسها عبر إسباغ الدراميّة على المسافة والفارق» اللذين يفصلان عن تلك الحقبة الأخرى. إنّ المسألة، في أحد وجوهها، هي تبعيد القريب.

لقد رأى غولدزيهر أنّ معنى مصطلح «الجاهليّة» هو «زمن البربريّة»، مقترحاً أنّ أوّل ما يعنيه «الجهل» هو بالضبط البربريّة، خصوصاً أنّها تطرّف غير مضبوط في السلوك. فالجاهل نقيض الحليم قبل أن يكون نقيض العارف، والحليم هو القويّ والمتماسك والهادئ الذي لا يسير وراء انفعالاته أو يفقد أعصابه.

والمعنى هذا هو ما سبق أن ذهب إليه الجاحظ، حتّى عُدّ بمثابة التعريف العبّاسيّ للمصطلح، فالجاهليّة بالتالي ليست حقبة انصرمت، بل حالة ذهنيّة قد تقيم في العقول والذاكرات، وقد تعاود الانقضاض على الدين الجديد مهدّدةً بالارتداد عنه إليها.

فمع القرن الثامن، بات اكتشاف صور الحقبة ما قبل الإسلاميّة وتصنيعها جهداً ملحوظاً، فلم يتم فحسب اكتشاف واستخلاص كمٍّ من الشعر والنثر الجاهليّين، ولكنْ أيضاً استُحضر الكثير ممّا يتعلّق بالتاريخ والمنظومة الأخلاقيّة للجاهليّين.

والحال أنّ المواجهة مع الجاهليّة وبناء فهم إسلاميّ لها كانا أساسيّين في إنشاء تصوّر ثقافيّ عن الذات بصفتها مركزاً دينيّاً وإمبراطوريّاً. لقد كانت صياغة النصوص الإسلاميّة عنها جزءاً من إعادة توجيه، بل ترشيد، ثقافيّ حصلت على مدى قرنين، لبلوغ تعريف أشدّ تحديداً لما هو مسلم وعربيّ. فكلّ تركيز على «الأمّة» إنّما هو بالضرورة تشديد على المسافة الإيديولوجيّة بينها وبين نظام الحياة الجاهليّة. والأخيرة لم تتمثّل كما تمثّلت في سيرة هند بنت عُتبة، زوجة أبي سفيان، أحد كبار تجّار الجاهليّة وأحد قادة الجاهليّين قبل اعتناقه الإسلام، ووالدة معاوية، مؤسّس السلالة الأمويّة.

 

لماذا هند؟

فتمثيل هند في النصوص المبكرة يقدّم حالة للدراسة ينبغي تفحّصها من داخل السياق الجاهليّ: إنّها المرأة الجاهليّة «بامتياز»، فيما المادّة المتوافرة عنها نموذج عن الاختلافات التي تساهم في رسم الفوارق بين القيم الإسلاميّة والقيم التي سبقتها. فما هو منسوب إليها إنّما يعبّر عن مستويين للخطاب، الوثنيّ منهما والإسلامي. وهذا بناء مقصود يسمح تعقّبه بأن نفهم توسّع مفهوم الجاهليّة وأهميّة ذلك في رسم ما هو نقيض الإسلام.

وهند لم ترمز إلى الجاهليّة فحسب، بل كانت لها وظيفتها في النبرة المناهضة للأمويّين ممّن كان لا بدّ من تقديمهم على أسوأ صورة ممكنة لتبرير الانقلاب العبّاسيّ عليهم، حتّى أنّ هنري لامنس اقترح احتمال أن يكون الأمر كلّه اختراعاً عبّاسيّاً. هكذا وُضعت هند، كشخصنة لكلّ ما هو مدان ومرفوض، في مقابل زينب ابنة الرسول من زوجته خديجة.

والقصّة السائدة معروفة: فعائلة هند عارضت محمّد الذي حُمل، ومعه معتنقو الدعوة، على مغادرة مكّة، طلباً لأمان واحة يثرب/ المدينة في 622 (1هـ). لكنّ غضب هند على المسلمين غدا ناريّاً بعد معركة بدر في 624، إذ فيها فقدت أباها وعمّها وأخاها وابنها. وقد أشار الواقدي إلى أنّ أبا سفيان، لدى عودته إلى مكّة، طالب أقاربه القرشيّين بعدم النواح على قتلاهم كي لا يتبدّد طلبهم للثأر. لكنّ هند تحدّت طلبه، كما تحدّت الإقرار الواسع بأنّ الشاعرة الخنساء أكثر العرب حزناً وتفجّعاً لمقتل أخيها صخر.

في كل الأحوال شهدت معركة أُحد الثأر الجاهليّ الذي تخلّله مقتل حمزة، عمّ الرسول وأحد فرسان الإسلام، وعبث هند بجثّته ومضغ كبده، ما أدّى إلى تلقيبها بـ «آكلة الأكباد».

 

كيف نحزن؟

بعد دخول محمّد مكّة، عارضت هند زوجها أبا سفيان وميله إلى التصالح، إلى أن تيقّنت من أنّ هزيمة الجاهليّين لا رجعة عنها، فأسلمت وحطّمت بعض الأوثان.

قبل ذلك كان حزنها على قتلاها الأربعة، والذي دفعها إلى ما اندفعت إليه، دعوة إلى الثأر تكتنفها المبالغة التعبيريّة. وهذا ما يواجه ويعارض الموقف السليم حيال الموت كما أكّده الإسلام، الذي دان ردود الفعل العاطفيّة المتطرّفة، وصولاً إلى اللطم والتعنيف الذاتيّ، طالما أنّها انطوت على تشكيك بالحياة الأخرى وتعلّق بهذه الحياة وقيمها. فموقف المسلم حيال الموت إنّما يقوم على الصبر والقناعة بحكم الله. أكثر من هذا، فإنّ سلوك هند بمضغها كبد حمزة يقرّبها، ويقرّب تالياً المرأة والثقافة الجاهليّتين، من أكل لحوم البشر، أي أنّه يخرجها من خانة الإنسيّة ليدخلها في الحيوانيّ.

هكذا وُصم الجاهليّون، عبر أبلستهم، بصفات بربريّة، منها أكل لحوم البشر الذي اعتُبر العلامة الحاسمة على التوحّش.

وبدورهما، فالبعيد والمتوحّش لا ينتميان بالضرورة إلى أمكنة جغرافيّة نائية، على ما تُظهر الآداب والخرائط الأوروبيّة القروسطيّة، بل إلى حالة كاملة الاختلاف هي، هنا، ما قبل الإسلام، فالمسلمون مَوضعوا الوحشيّ، وهو مقولة تلازم كلّ خطاب يرسم حدوداً للإنسانيّة، خارج المقبول والمألوف. وفي هذا دُمج الوحشيّ والمرأة، بحيث غدت الأخيرة من أهمّ محرّكات الثقافة المتوحّشة للجاهليّة ومحدّداتها.

ثمّ إنّ الدوائر التي عارضت السلالة الأمويّة، لا سيّما في العراق، هي التي لعبت الدور الأبرز في جمع هذه المادّة عن الجاهليّة وتعميمها، وكان تمثيل هند في عداد ذلك.

لكنْ في القرن التاسع بدأت الأمور تتغيّر، فالخصومة للأمويّين لم تعد السمة الطاغية على صورتهم العباسيّة. ذاك أنّ الحنابلة شرعوا يدافعون عن معاوية في مواجهة الشيعة، فحُرّم لعنه لأنّه صحابيّ وثق به الرسول وقرّبه. وأواخر القرن التاسع، اقترن هذا التمثيل الإيجابيّ للأمويّين بإقدام العباسيّين على نوع من مراجعة التاريخ والموقف من رموزه، بما يستجيب للتحدّيات التي طرحتها التيّارات الشيعيّة. في هذا الإطار صُوّر أبو سفيان، في زمن معارضته الإسلام، بوصفه شخصاً مُحيَّراً ذا قناعات متعادلة، يقف على مسافة واحدة من الجاهليّة والرسول. كذلك شُدّد على تحطيم هند الأوثان بعد إسلامها، ومشاركتها المتحمّسة في معركة اليرموك. كما أعيد تأهيلها في الأدب، فقُدّمت من بطلات الحبّ العذريّ، أُغرم بها الشاعر مُسافر ومات من عشقه لها إثر زواجها بأبي سفيان. هكذا أعيدت إليها صفتها الإنسانيّة، كما أعيد تأهيلها عبر نجلها معاوية، الذي باتت صورته ترسمه أحد أكثر حكّام المسلمين رأفةً، وبات يُصوّر جسراً بين «مروءة» الجاهليّة و»عصبيّتها» وبين النظام الجديد للإسلام، كما أضحى «الحلم» صفة ترادفه.

فهند في الحقبتين أكثر من وجه ضئيل على هامش الدراما التاريخيّة، إذ أقامت في دوائر عريضة للمعنى. وبهذا أعاد العبّاسيّون تمثيلها، بالضبط لأنّ إعادة استعمار الماضي عمل لا بدّ منه للمشاريع الإمبراطوريّة. ومن خلال صورتها، في طوريها، بثّ الخطاب العباسيّ النظام في فوضى الجاهليّة «البدائيّة» التي تهدّد بالعودة، كما في خدمة المصالح السلطويّة حيال أعداء جدد هم الشيعة.

 

كيف نموت؟

في توكيد القطع بين الإسلام والجاهليّة، غدت الأدوار الجندريّة بالغة النفع كقاطرة لإيصال المعاني. وكان ممّا طرده الإسلام من ممارسات الجاهليّة طقوس الموت التي صارت تشكّل قياساً لمدى التقوى، لاسيّما أنّ الموت يجمع بين الكلّ، وهو لحظتهم المشتركة والفرصة الجاهزة لتشكيل سلوك مجتمعٍ ما ولضبطه. لهذا فإنّ طقوس الموت مساحات مشحونة ثقافيّاً واجتماعيّاً تُطرح فيها وتُناقش مسائل الهويّة وتشعّباتها. ومع صعود النظام الجديد، دخلت تلك الطقوس أزمتها، فالمسلمون رفضوها لانبثاقها من تصوّر للموت لا يتلاءم مع الإيمان بالخلاص في حياة أخرى. كذلك حمل النظام الجديد ضوابطه معه، تلك التي ترعى مصالح الدولة الناشئة كما تتلاءم وقيام وحدة اجتماعيّة وسياسيّة تتجاوز القبيلة.

وهذا عموماً إنّما استدعى إعادة تشكيل أدوار النساء. ذاك أنّ الندب والنواح عدوان على الإرادة والحكمة الإلهيّتين، ما أطلق الصراع بين نمطين مميّزين في التديّن: واحد جاهليّ تشوبه الحدّة العاطفيّة والمبالغة التعبيريّة العفويّة، وآخر إسلاميّ منضبط بمعايير تنظيميّة تكراريّة تجافي المبادرة العفويّة.

وهذا ممّا سبق أن عرفته الكنيسة، التي أكّدت أنّ انفصال الميت عن الحيّ موقّت، وأنّ المؤمنين سوف يعاودون الاتّحاد في السماء. لكنّ عين الضبط الاجتماعيّ ستتركّز، في الحالات جميعاً، على النساء. ذاك أنهنّ الفاعل الأساسيّ في طقوس الموت، وبالتالي في إعطائه معنى إيديولوجيّاً. وقد جادل البعض بأنّ تقسيم العمل المُجنْدر إنّما يمتدّ إلى حيّز العواطف، إذ تقليديّاً تُقرن «الأنوثة الحقيقيّة» بالحساسيّة والتعبيريّة العاطفيّة قياساً بـ «الذكورة الحقيقيّة» التي تُقرن بالتعقّل والسيطرة على العواطف.

إلى ذلك، هناك السياسة، فمناسبات الحزن كانت مناسبات اعتداد بالنسب القبليّ الذي «جبَّهُ» الإسلام في دعوته إلى «أمّة المؤمنين». وإن لم يُحتوَ الموت وطقوسه فإنّ ذاك السلوك يتيح للفوضى أن تستولي على المجتمع واجتماعه وعلى استقرارهما. فهند استخدمت النواح كي تُبقي قضيّة عائلتها حيّة وكي تستنهض الرغبة في الثأر. لهذا اعتُبرت النساء ذوات التعبيريّة العالية عن حزنهنّ «خطيرات» يُنعشن الموضوعات الغريزيّة التي تتعارض مع الإيديولوجيا الجديدة للجماعة والأمّة. ولمّا كانت النساء تحديداً من يمارس الممارسة هذه، فقد مُثّلن كائنات غير عقلانيّة، لا بدّ من سيطرة الرجال عليهنّ. وقد اعتبر أنثروبولوجيّون أنّ ثمّة احتياطاً تملكه طقوس الموت، مفاده توفير قناة فعّالة للاحتجاج والغضب، وبالتالي للمعارضة السياسيّة، وربّما لممارسة العنف باسم الشخص الراحل. ذاك أنّه، على الأقلّ بالإنكليزيّة، يرتبط الـgrief (الحزن) والـgrievance (الاحتجاج) بوشيجة لغويّة مثلما يندرجان في «الاقتصاد النفسيّ للخسارة والفَقد». وربّما كان «الغضب» في العربيّة محطّة تقاطع بين المعاني هذه.

ولئن أعطت طقوس الموت لنساء كهند والخنساء منبراً لإعلان الألم والرغبة في الثأر، فذلك لا يفعل سوى تعقيد أمر الوصول إلى تسويات مطلوبة. وهذا بدوره يضاعف مصاعب الاندماج في معادلات وترتيبات قد يتطلّبها النظام الجديد. فالامتناع إذاً، عن تنظيم الحزن في زمنه ومساحته، كماليّات لا تحتملها السياسة.

لذلك قدّم الإسلام، مقابل حزن هند والخنساء الجاهليّ، نموذجاً آخر للحزن النسائيّ مرموزا إليه بصفيّة، أخت حمزة التي رضخت لإرادة الله. بهذا تمّ الانسحاب من العالم النسائيّ المألوف للحزن كيما يُمنح موت شهداء الإسلام معناه الكامل. فالحزن على الميّت لا يعود محصوراً، والحال هذه، بأهله وقبيلته، ولا يكون موضوعاً للانقسام حوله، بل يغدو حزن الأمّة كلّها.

وقد سبق، في اليونان القديمة، للسياسيّ والمشرّع سولون (صولون)، في القرن السادس ق.م.، أن حمّل المبالغة العاطفيّة لنواح النساء في مناسبات الموت مسؤوليّة التسبّب بنزاعات دمويّة بربريّة. وكان لمنع سولون ذاك النواح أن فتح الطريق في أثينا لنمطين جديدين في الحزن هما المأساة (التراجيديا) وخطب التأبين الرسميّ في الجنازات.

 

«طبيعة» النساء

ويمكن إدراج طقوس الموت الجاهليّة، حزناً ولطماً ونواحاً، في توازٍ مع التمثيلات الأنثروبولوجيّة التي عيّنتها على نطاق كونيّ بوصفها «بدائيّة» قياساً بالتمدّن. بهذا تلازم التخلّص من «البدائيّ» مع إسكات النساء، كما بدا تنظيم الحزن تنظيماً لهنّ. لكنّ تراخي قبضة العقيدة، مع مرور الزمن، شرع يعيد الاعتبار للممارسات الجاهليّة في الموت. أمّا مع الشيعة فكان الأمر أقدم عهداً، حتى اعتبر البعض أنّ المذهب الشيعيّ إنّما تأسّس على البكاء على الحسين واستمدّ هويّته منه. واللافت أنّ زينب، أخت الحسين، هي أوّل من أقام «مجلس» العزاء». لكنْ فيما ابتدأ الندب الشيعيّ «نخبويّاً»، يقتصر على أقارب الحسين، فإنّه خضع لاحقاً لتحوّلات عدّة. فبعدما كانت المجالس تنعقد، في القرنين السابع والثامن، في الأماكن الخاصّة وحول أضرحة الأئمة، ظهر في القرن التاسع محترفون من الرجال والنساء في إدارة ممارسة الحزن ذاك. وفي العاشر، وقد انحسر الخوف من السنّة المتشدّدين، صارت تظهر مواكب من الرجال والنساء في شوارع بغداد.

على أنّ تراخي التقيّد الصارم بالتعاليم عزّز في أوساط المتديّنين الأفكار التي تأخذ على النساء افتقار «طبيعتهنّ» إلى العقل والمنطق. وهذا إنّما عكس، بمقدار ما صلّب، التصوّرات الجندريّة التي تعتبرهنّ ضعيفات الإيمان، وترى في ضبطهنّ أداة لمنع الارتداد إلى الجاهليّة. ذاك أنّ الطقوس المُجندَرة تقليديّاً استقرّت على أنّ النساء ينتحبن في الأحزان، فيما الرجال يناجون الله. وهذا بدوره سيغدو تعبيراً عن دونيّة المرأة وعن ربطها بالطبيعيّ والغريزيّ مقابل الثقافيّ والمتمدّن.

 

الحدود في الداخل

لكنّ حدود الهويّة لا تُرسم فحسب حيال خارجٍ كالجاهليّة. إنّها تُرسم أيضاً حيال داخلٍ مسلم كالقرامطة، حيث تُعطى للهرطقة صورة الخطر القاتل الذي يتعدّى كثيراً «خطرها» الفعليّ كما يتقاطع غالباً مع ممارسات متعويّة متطرّفة.

والحال أنّ مصادر علم الهرطقة (الزندقة، الغلوّ، الإلحاد...) إنّما كتبها رجال ذكوريّون منضبطون بالإيديولوجيا السائدة، بحيث تأتي السرديّات لتدلّ إلى الكتّاب الذكور أكثر ممّا إلى الهراطقة أو النساء المرويّ عنهنّ.

فنصوص السلطة اعتبرت أنّ القرامطة طوّروا أخلاقيّة جنسيّة تختلف جذريّاً عن الأخلاقيّة المسلمة «الصائبة»، وقد استُعمل هذا التوكيد وسيلةً سجاليّة لاستبعادهم سياسيّاً.

وتاريخ الإسماعيليّة المبكرة، التي تفرّع منها القرامطة، والممتدّ من أواسط القرن الثامن حتى قيام الخلافة الفاطميّة في مطالع التاسع، تاريخ غامض. وحتّى عهد قريب ظلّ الإسماعيليّون، كسائر الجماعات التي كتب خصومها عنها، يُحاكَمون على ضوء المادّة التي يقدّمها الخصوم.

ووفقاً للرواية الرسميّة، فعند منتصف القرن التاسع، قفزت الحركة الاسماعيليّة إلى المسرح التاريخيّ، بعد بدايات في العمل السريّ. وقد حضرت كمنظّمة ثوريّة وديناميّة ذات نشاط تبشيريّ محموم. وتعبير القرامطة استُخدم أصلاً في وصف محازبي حمدان القرمطيّ، القائد الإسماعيليّ الذي عاش في أطراف الكوفة في القرن التاسع، ثمّ بات المصطلح يصف مجموعات رفضت الإقرار بمزاعم الفاطميّين في حقّهم بالإمامة. وفضلاً عن فلاّحي جنوب العراق، جذب القرامطة تدريجاً بدو الجزء الشمالي الشرقيّ من شبه الجزيرة العربيّة والصحراء السوريّة، خصوصاً مع تراجع فرص الخدمة في الجيش والحصول على إعانات حكوميّة أو السيطرة على طرق تجاريّة. وهم نجحوا، في 866 بتأسيس دولة قويّة في البحرين بقيادة أبي سعيد الجنابي.

وفي مطالع القرن العاشر بدأ أبو طالب، ابن أبي سعيد، سلسلة حملات على العراق هدّدت الخلافة في بغداد، رافقتها أعمال نهب واغتيالات نزلت بالكوفة والبصرة وقوافل الحجّاج. وكان بعضهم يؤمنون بأن المهديّ سيأتي في 912 (300 للهجرة) فينهي حقبة الإسلام ويباشر الحقبة الدينيّة السابعة والأخيرة. ومع اقتراب هذا التاريخ كانت تزداد ضراوة حملاتهم على خصومهم، كما انتقلوا إلى «دار الهجرة» متحوّلين عن الفلاحة إلى الجنديّة كي يقاتلوا في جيش المهدي، فارضين على الفلاّحين ضرائب باهظة. ثمّ ظهر موعد آخر لقدوم المهديّ هو 928 حين شنّ القرامطة هجومهم الأخير على العراق، وبلغ نشاط أبي طاهر ذروته مع غزوه مكّة إبّان موسم الحج في 930، حيث ارتُكبت مذبحة رهيبة بالحجّاج والمقيمين، كما نقلوا الحجر الأسود إلى عاصمتهم هجر، فلم تتمّ إعادته إلاّ بعد 22 سنة وبعد دفع فدية معتبرة. وهذا فيما كانت أعمالهم العسكريّة المتطرّفة تتصاحب مع تعديلات جذريّة دينيّاً وأخلاقيّاً.

لكن يبدو، أقلّه وفقاً لهيو كينيدي، أنّ الهجمات العسكريّة لم يكن سببها دينيّاً أو رفضاً للحجّ، بقدر ما كان اقتصاديّاً، كالوصول الى البصرة وموانئ الخليج أو حماية قوافل الحجّ مقابل الحصول على معونات من العباسيّين، خصوصاً أنّ الحج كان القطاع الاقتصاديّ الأوسع والأدرّ للربح في شبه الجزيرة.

على أنّ أبا طاهر سلّم الحكم في 931 لأسير فارسيّ معلناً أنّه المهديّ. لكنّ الأخير وقف مواقف واعتمد إجراءات بالغة التطرّف، كلعن الأنبياء وعبادة النار والعمل بأفكار زرادشتيّة، فضلاً عن قتله عدداً من قادة القرامطة. وبعد ثمانين يوماً فقط، أمر أبو طاهر بقتله، إلاّ أنّ سمعة الحركة كانت قد ساءت كثيراً، خصوصاً وقد ارتبطت بسلوكات اعتُبرت متحرّرة وغير مألوفة.

لكنْ لئن فشلت محاولة الأسير الفارسيّ، فوفقاً للرحّالة الإسماعيليّ ناصر خسرو، عرفت البحرين تنظيماً سياسيّاً جديداً ألغى العبادات والفرائض في أواسط القرن الحادي عشر. وفي تناوله تلك الأوضاع وصف خسرو، وهو من المتعاطفين النادرين بين المصادر، ما يشبه جمهوريّة أوليغارشيّة يحكمها، بالمساواة والعدل، مجلس من ستّة.

بيد أنّ أحد الأصوات المعادية للقرامطة، أبا بكر النابلسيّ، كبير قضاة دمشق، اعتبر أنّ الجهاد ضدّ القرامطة يتقدّم على الحرب مع البيزنطيّين، ناسباً إليهم الإيمان بتعدّد الآلهة. وعلى العموم باتوا يُعتبرون أسوأ الهراطقة، لا سيّما بسبب اعتقادهم بـ «الباطن» وبـ «الإباحة».

وفي القرن العاشر، مع صعود الفاطميّين الإسماعيليّين في مصر، شنّ الخلفاء العباسيّون وكبار المرجعيّات الدينيّة حملة على الإسماعيليّة، وخصوصاً القرامطة. وفي هذه الصورة المعمّمة، أُكّد على المبالغة في الفحش و «شيوعيّة النساء» وسفاح القربى، مع إلغاء الملكيّة الخاصّة. لكنْ إذا كان الجاهليّون لم يعرفوا الإسلام، فإنّ ما يجعل القرامطة أخطر هو أنّهم آتون من داخله.

هنا تستعاد الحملات التي تشنّها في العادة أكثريّات حاكمة على أقليّات مختلفة تمثّل «البدائيّ» مقابل «الأخلاقيّ»، ذاك أنّ الباطنيّين يهدّدون دفعة واحدة الدولة والدين والعائلة والأخلاق، فكيف وأنّ غموض هذه الحركات وسرّيّتها وقلّة المعرفة بها لا يفعل غير تعزيز الرواية الرسميّة التي تستعمل بعض معطيات فعليّة (عدم تحجّب القرمطيّات، عدم الفصل بين الرجال والنساء...) لدفعها في وجهة مضخّمة وخرافيّة.

وكما تولّى مضغ الكبد برْبَرَة هند تولّى السلوك الجنسيّ برْبَرَة القرامطة ممّن بات الدين والسلوك الصحيحان يُعرّفان بالضدّ منهم. ولم يكن بلا دليل استدعاء امرأة اسمها زينب بنت سعيد قتلت قاتل زوجها وابنها بالوحشيّة نفسها التي مارستها هند حيال جثّة حمزة. وبمقاتلة أمثال هؤلاء، كان العباسيّون يؤكّدون أنّهم هم المدافعون عن الإسلام.

 

الجوار البيزنطيّ

منذ بدايات الوعي التاريخيّ لدى المسلمين العرب اعتُمدت بيزنطة بوصفها الآخر البارز والملتبس. وكانت الصورة السائدة عن نسائها سبباً للاستخفاف بثقافتها، إذ هنا تحديداً يبدو الاختلاف على أشدّه مع جار يقول بالتوحيد ولا يسهل الاستخفاف به في أوجه الحياة الأخرى.

فبيزنطة أخلاقيّاً وجنسيّاً متهتّكة ومتفسّخة. والحال أنّ الإمبراطورات البيزنطيّات يلعبن أدواراً غير مألوفة إسلاميّاً، كأنْ يشاركن في الاحتفالات المَلكيّة أو كأن تُسكّ صورهنّ على النقود. لا بل هنّ قُدن حروباً، كما فعلت مثلاً الإمبراطورة أيرين أواخر القرن الثامن. وكان لعلامات الأبّهة والزينة التي أحاطت بالحياة المَلكيّة وبجمال بعض الإمبراطورات وتصفيف شعورهنّ وتزيين أنفسهنّ بالجواهر والملابس الفاخرة... أن أظهرت الإمبراطورة بوصفها الأنثى– المثال كموضوع للرغبة الذكريّة، لاسيّما أنّها تختلط بكبار الرسميّين الرجال، فيما كان الفصل الجنسيّ، في السياق العباسيّ، مفروضاً، خصوصاً في المراتب العليا للمجتمع. وربّما كانت الجواري العبدات أكثر النساء تفلّتاً من ذاك القيد. لكنّ الجارية شكّلت مصدراً آخر للصورة السالبة إيّاها. فلأنّ استعباد المسلمات ممنوع، كانت الجواري من خارج بلاد المسلمين حكماً، إمّا غنائم حرب أو سلعاً تمّ شراؤها من تجّار العبيد.

غير أنّ الجواري كنّ أيضاً وسائل لإعادة إنتاج الملوك، وكان أغلب الأمّهات الجواري يؤتى بهنّ من الامبراطوريّة البيزنطيّة، ومن اليونان خصوصاً. هكذا أنجبن الخلفاء المنتصر والمهتدي والمعتضد والمقتدر. وكمثل الإمبراطورات، ارتبط «الجمال» بالصورة الشائعة عن الجواري. إلاّ أنّ هذا الجمال، وإن بدا انتقاصاً من جمال المسلمة العربيّة، فإنّه مثّل عنصراً مُهدِّداً لانسجام عالم المسلمين الأُسريّ، ومن ثمّ الاجتماعيّ. فالرجال الآباء معرّضون للوقوع في إغراء ذاك الجمال وفي جنسويّته التي يزيدها استفحالاً أنّ البيزنطيّات غير مختونات، وبالتالي جامحات في طلب المتعة. ومن هنا بالضبط يأتي خطر «الفتنة»، بوصفها الحسن الخارق وبوصفها أيضاً الاضطراب السياسيّ والاجتماعيّ الذي يُسقط الرجال والأمم. فالنساء كمصدر فتنة، لا سيّما منهنّ البيزنطيّات، موضوعة ثابتة في التقليد الأدبيّ للعرب المسلمين. وليس بغير ضبطهنّ، بيزنطيّاتٍ كنّ أو غير بيزنطيّات، تُجتنب الفتنة.

أمّا الرجال البيزنطيّون فيفتقرون إلى الغيرة. وحيال سلوك كالذي تسلكه نساؤهم، يتبدّون مفتقرين إلى الشرف، بل إلى الرجولة ذاتها. ولئن استخدم أبو تمّام في قصيدته الشهيرة «فتح عموريّة» مفاهيم جندريّة، لا سيّما ثنائيّة السيطرة الذكوريّة والخضوع النسائيّ، فإنّ شيئاً من التدقيق في المتوافر عن تلك الحقبة ينمّ عن مدى المحافظة التي عُرفت بها النساء البيزنطيّات. فالتقوى والاهتمام بالمنزل والعائلة كانا في قلب نظام القيم، ضدّاً على الرواية العباسيّة التي لم تتردّد بعض أصواتها في وصف الراهبات بالزنى، والأديرة بالأماكن الإباحيّة وشبه البورنوغرافيّة لذاك الزنى أو لمثليّة الرهبان. أمّا الغرض السلطويّ، الموعى أو غير الموعى، فهو فضلاً عن ضبط النساء، تحذير العرب المسلمين من حجم الانحطاط والتفسّخ اللذين سينحدران إليه إذا ما حذوا حذو البيزنطيّين. هكذا مارس العرب المسلمون «استغرابهم» قبل قرون على ولادة «الاستشراق «الذي عرّضه إدوارد سعيد ومقلّدوه لهجاء منقطع النظير.

 

مراجع تقليد نسائيّة

كان لا بدّ إذاً في تشكيل الهوية، كما في ضبط المرأة، من خلق مراجع صالحة للتقليد من الرجال والنساء. وأبرز النساء اللواتي تمّ اختيارهنّ إمّا صادرات عن التقليد التوراتيّ أو عن بواكير الإسلام، تتصدّرهنّ مريم، المرأة الوحيدة المذكورة بالاسم في القرآن، وزوجتا الرسول خديجة وعائشة، وابنته فاطمة. وهذا علماً بأنّ نساء أخريات كزوجتي نوح ولوط ذُكرتا في معرض الإدانة والتنديد. لكنْ هناك أيضاً نساء من الصحابيّات قُدّمن بوصفهنّ التعبير الأمثل عن «القدوة الحسنة والأسوة الصالحة»، كأمّ الفضل لُبابة وأمّ كلثوم بنت عُقبة وأمّ عمارة التي قاتلت دفاعاً عن الرسول بما يعاكس التقليد الجاهليّ في الحروب الذي قصر دور النساء على تشجيع المقاتلين وحضّهم.

وعلى العموم، فهؤلاء النسوة إنّما يساهمن في رسم هويّة الجماعة، بقدر مساهمتهنّ في إرساء الحدود المطلوبة للسلوك النسائيّ الصالح.

ومثلما جرى تقديم هند بنت عُتبة في تحوّلها إلى الإسلام، فإنّ الشاعرة الخنساء وفّرت أيضاً ما يكاد يرقى إلى «الضدّ الكامل» والمباشر لسيرتها الجاهليّة. فهي، وفقاً للمصادر، رافقت أبناءها الأربعة في حروب الإسلام الأولى، مذكّرة إيّاهم بما ينتظرهم من مجد الحياة الأخرى متى استشهدوا. وبالفعل فقد قضوا واحداً بعد الآخر. لكنّ الخنساء، التي اشتُهرت في الجاهليّة ببكاء أخيها، شكرت الله في الزمن الجديد على نهاياتهم المشرّفة، طالبةً أن تُضمّ إليهم في رحمته. وبتحوّل كتحوّل هند والخنساء، يُكتب النصر النهائيّ على الجاهليّة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

«الجيش الحر» يتبنى المسؤولية عن اغتيال نجل نائب سوري  |  بتوقيت غرينتشبرلمان ألبيرو يوافق على إجراء تصويت لإقالة الرئيس  |  بتوقيت غرينتشخمسة قتلى في اعتداء انتحاري ضد كنيسة في باكستان  |  بتوقيت غرينتشمنافسة حادة بين اليمين واليسار في انتخابات تشيلي  |  بتوقيت غرينتشاقتراح مصري في مجلس الأمن لإبطال إعلان واشنطن حول القدس  |  بتوقيت غرينتش«العمال» البرازيلي يدعم لولا دا سيلفا في انتخابات الرئاسة  |  بتوقيت غرينتشأستراليا تعتقل «عميلاً» باع أجزاء صاروخية لكوريا الشمالية  |  بتوقيت غرينتشنصف البريطانيين يريدون الآن البقاء في الاتحاد الأوروبي  |  بتوقيت غرينتشمقتل شقيقة رئيس هندوراس في تحطم مروحية  |  بتوقيت غرينتشبعثة عسكرية إيطالية في النيجر تصدياً للهجرة  |  بتوقيت غرينتش