|   

أزمة كردستان العراق والخيارات المستحيلة

يحتفلون بالاستفتاء الكردي في كركوك (أ ف ب)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: نزار عبدالقادر 

في الوقت الذي تستمر أحداث الربيع العربي في عدد من الدول العربية، والتي تحوّلت إلى حرب طاحنة في سورية والعراق واليمن، وفي خضم مرحلة حرجة من الحرب على الإرهاب التي استدعت مشاركة روسيا وأميــركا والاتحاد الأوروبي والدول الإقليمية الرئيسية كتركيا وإيران وإسرائيل، تطل علينا الأزمة التي تسبب بها إجراء الاستفتاء على الاستقلال في إقليم كردستان العراق.

صحيح أن المظلومية التي لحقت بالأكراد منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى هي مستمرة، وأن مطالبتهم بتقرير المصير وبإقامة دولتهم ليست بالأمر الجديد، بل هي مستمرة ومتنقلة ما بين العراق وإيران وتركيا وسورية، لكن الاستفتاء الذي يشكّل خطوة متقدّمة لإعلان الانفصال يجيء في مرحلة مفصلية، تشعر فيها الدول الأربع بأنها مستهدفة في أمنها القومي، وبأن هناك مخططاً دولياً يهدّد بتغيير الحدود الإقليمية التي جرى رسمها انطلاقاً من اتفاقية سايكس- بيكو.

لم تثنِ تحذيرات بغداد وطهران وأنقرة أو مطالب عواصم القرار بما فيها واشنطن وباريس ولندن أو الأمم المتحدة رئيس الإقليم مسعود بارزاني عن السير قدماً في إجراء الاستفتاء في 25 أيلول (سبتمبر) الماضي. ويبدو أن الإصرار على الاستفتاء جاء انطلاقاً من قناعة بارزاني بوجوب عدم إضاعة الفرصة وأخذ المبادرة لوضع الجميع أمام واقع جديد، مستفيداً من كثافة التصويت لمصلحة الانفصال، ومن سيطرة قوات «البيشمركة» على المناطق المتنازع عليها في نينوى وديالى وصلاح الدين إضافة إلى مدينة كركوك، متخذاً بذلك «خطوة تاريخية» نحو الانفصال الكامل عن العراق. لكن، يبدو أن بارزاني لم يّدرك خطورة هذه المبادرة في الظروف الراهنة.

كان من الطبيعي أن يثير القرار الكردي بتنفيذ الاستفتاء ردوداً قوية من الحكومة العراقية وكل من تركيا وإيران. فالحكومة العراقية ترفض أن تخسر جزءاً مهماً من أراضيها من خلال إنشاء دولة كردية، كما أن عملية الانفصال ستهدّد وحدة ما تبقّى من الأرض العراقية، فالعراق مهدّد بالتفتيت والانقسام إلى ثلاثة كيانات على الأقل بعد ســقوط نظام صدام حسين. ولا يبدو أن دستور عام 2005، والذي كان للأكراد اليد الطولى في وضعه قادر على تأمين الضوابط اللازمة للحفاظ على الصيغة الاتحادية للنظام.

تشعر تركيا وإيران بأن الخطوة الكردية ستؤثر فعلياً في أمنهما القومي، من خلال إثارة مشاعر المواطنين الأكراد في الدولتين للالتحاق بالعملية الاستقلالية وطلب الانفصال أسوة بشمال العراق. فالمخاوف التركية تبرّرها ثلاثة عقود من الاضرابات شهدتها المناطق الجنوبية– الشرقية ذات الأكثرية الكردية نتيجة المواجهات القاسية مع الحركة الانفصالية التي قادها حزب العمال الكردستاني، في الوقت الذي تدرك إيران أخطار تجدّد الحركة الانفصالية التي شهدتها عام 1946، والتي أدت إلى إعلان جمهورية مها باد، ومن حقها بالتالي أن تخشى تكرار تلك التجربة.

وعلى رغم محاولات بارزاني التخفيف من مفاعيل الاستفتاء على مستقبل العراق وعلى الأمن القومي لدول الجوار، من خلال الإصرار على أن الاستفتاء لا يعني اتخاذ خطوات مباشرة لإعلان استقلال الإقليم ورسم حدوده النهائية، فإن ذلك لم يخفّف من ردود الفعل الغاضبة من بغداد وطهران وأنقرة. وتؤشر المواقف التي عبّرت عنها العواصم والإجراءات الفعلية التي بدأت باتخاذها للضغط على حكومة الإقليم إلى أنها مرشّحة للاستمرار، مع ارتقاب أن تشهد تصعيداً تدريجياً إلى حد إقفال كامل المعابر البرّية بعد إغلاق الأجواء. وسيؤدي ذلك إلى إضاعة وتخريب كل ما أنجزت سلطات الإقليم خلال ربع قرن من الحكم الذاتي.

عبّر رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي عن غضبه ورفضه نتائج الاستفتاء وكل الدعوات التي وجّهها الأكراد لفتح حوار غير مشروط، مؤكداً أن الاستفتاء غير دستوري، وأن حكومته جادة لاتخاذ الإجراءات الصارمة لمنع تقسيم البلاد. الحرب التي يخوضها ضد الدولة الإسلامية، لن تنتهي في القريب العاجل، وهي تستدعي إلغاء الاستفتاء واعتباره كأنه لم يكن. وتؤشر تصريحات جميع المسؤولين في بغداد إلى ارتفاع منسوب الغضب وممارسة الضغوط على رئيس الحكومة لمعاقبة الإقليم بعد ضمّ المناطق المتنازع عليها بما فيها مدينة كركوك.

لا تقف الحكومة العراقية منفردة في معارضتها الاستفتاء ونتائجه، ولا تقتصر المعارضة على تركيا وإيران، بل تتوسّع لتشمل الولايات المتحدة التي نصحت بتأجيل العملية إلى حين الانتهاء من الحرب ضد الدولة الإسلامية. لقد عبّرت واشنطن عن خيبة أملها من إصرار الحكومة الكردية على إجراء الاستفتاء في موعده، محذّرة من تأثير مفاعيله السلبية في سير الحرب ضد الإرهاب وأمن العراق واستقراره. ولم تقتصر الدعوة إلى تأجيل الاستفتاء على واشنطن وباريس ولندن، بل شملت أيضاً دعوة شاملة وجّهها مجلس الأمن الدولي بعد التصويت بالإجماع على ضرورة إلغاء الاستفتاء.

ومع استمرار تصعيد العقوبات ضد الإقليم عراقياً وإقليمياً، لا بد من التساؤل عن الخيارات الممكنة أمام مختلف اللاعبين في الأزمة الراهنة؟

الخيار الأول: نسارع إلى القول إن الخيار العسكري غير مطروح في الوقت الراهن، خصوصاً من بغداد، حيث يعتقد رئيس الحكومة ومعه البرلمان بأن لديهم من الوسائل ما يكفي لإجبار حكومة الإقليم على التراجع عن الاستفتاء، خصوصاً في ظل الوعود والتفاهم مع السلطات التركية والإيرانية. ولكن، لا يمكن استبعاد الخيار العسكري في المستقبل، خصوصاً إذا اضطرب حبل الأمن في مدينة كركوك أو في المناطق الأخرى المتنازع عليها، والذي قد يهدّد بوقوع حرب أهلية بين المكونات الأثنية. من الممكن أن يستدعي اندلاعها إلى تدخُّل ميليشيا الحشد الشعبي أو تركيا من أجل حماية التركمان وقد يتوسّع النزاع ويتحول إلى حرب واسعة.

الخيار الثاني: أن ينجح جميع اللاعبين في ضبط الأوضاع الأمنية على الأرض، مع تركيز كل من بغداد وطهران وأنقرة على اعتماد إستراتيجية الضغوط والحصار على أمل إجبار بارزاني وحكومته على التعقُّل والعودة عن الاستفتاء، تمهيداً لمباشرة حوار جدّي ومثمر من أجل إيجاد الحلول الناجعة لكل المشاكل التي يعاني منها الإقليم.

الخيار الثالث: أن يبادر بارزاني، وفي عملية هروب نحو الأمام، إلى إعلان الانفصال من طرف أحادي نزولاً عند ضغط الشارع الكردي، ومن أجل تسجيل مكانة له في تاريخ النضال الكردي من أجل الاستقلال.

الخيار الرابع: أن تدرك الولايات المتحدة مستوى الأخطار التي يمكن أن تنتج من تفاقم الأزمة على مصالحها وعلى مسار الحرب على الإرهاب، فتتدخّل بقوّة وتهيئ أرضية صالحة لحوار مثمر بين بغداد وأربيل من أجل إيجاد حلول معقولة تبقي الإقليم ضمن الدولة العراقية من خلال صيغة فيديرالية مرنة.

في النهاية لا بد من طرح السؤال حول إمكانية إيجاد مخارج عملية لتنفيس الأزمة ومنع الانفجار الإقليمي. في الواقع لا تبدو في الأفق إمكانية لإيجاد مثل هذه المخارج في ظل الخيارات المستحيلة الراهنة، وفي وقت يحاول كل طرف تحقيق أهدافه في شكل كامل على حساب الطرف الآخر.

 

 

* باحث لبناني في الشؤون الإستراتيجية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

موسكو: إدراج بيونغيانغ على لائحة الإرهاب كارثة عالمية  |  بتوقيت غرينتشعملية صوفيا الأوروبية أنقذت 42 ألف مهاجر في البحر المتوسط  |  بتوقيت غرينتشقتلى وجرحى في تفجير انتحاري شرق أفغانستان  |  بتوقيت غرينتش«داعش» يتوقف ليوم كامل عن نشر أخباره على الانترنت  |  بتوقيت غرينتشبيغديمونت يفضل الحوار مع مدريد لتحقيق الاستقلال  |  بتوقيت غرينتشالمعارضة السورية تتمسك برحيل الأسد لبدء التسوية السياسية  |  بتوقيت غرينتشمقتل 27 شخصاً باشتباكات في جنوب السودان  |  بتوقيت غرينتشاستراليا تدعو أميركا إلى تعزيز وجودها الاقتصادي في آسيا  |  بتوقيت غرينتشبوتفليقة يأمر بسداد ديون الشركات الأجنبية والمحلية  |  بتوقيت غرينتشمقتل ثلاثة مسلحين من «الإخوان» باشتباك مع الشرطة المصرية  |  بتوقيت غرينتش