|   

مواجهة الإرهاب بتكامل الأمني والفكري

من عمليات للجيش المصري ضد الارهاب في واحات مصر الغربية (رويترز)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: عزمي عاشور 

الإرهابيون يَقتلُون ويُقتَلون من دون أن نعرف كيف تكونت فكرة الإجرام بهذا الشكل البشع في عقولهم، وما هو هذا المارد في داخلهم الذي يُحوّلهم إلى هذه الصورة الوحشية؟ لهذا تأتي أهمية المقابلات المباشرة لمن يفلت من الموت منهم سواء كانت صحافية أو تلفزيونية أو مع دارسين. ومثال ذلك الحوار المتلفز الذي أجراه عماد الدين أديب مع ناشط ليبي في خلية الواحات.

الدخول في مواجهة فكرية هنا لا يقل في أهميته عن المواجهة الأمنية مع هذه الأفكار، لمعرفة منبعها الحقيقي وكيف تنتشر، وعلى رغم الجدل الذي أثير عن مدى أخلاقية تلك المقابلة، إلا أن لغز المارد الذي يقتل الأبرياء غفلة، يبرر مليون حوارٍ مِن نوعية المقابلة ذاتها.

ويمثل المجتمع المصري هنا حالة نموذجية لكونه في مواجهة مباشرة مع الإرهاب منذ عقود، ولكن، للأسف فإن المواجهة كانت تتم في الحلقة الأخيرة فقط والمتمثلة في لحظة ارتكاب الجرم الإرهابي؛ باستثناء مبادرة الصحافي مكرم محمد أحمد في التسعينات للتحاور مع عدد مِن رموز الجهاديين في السجون التي قادت إلى مراجعات انتهت إلى نبذ العنف.

ظهر في الحديث مع «الإرهابي» الليبي أنه ضحية دوائر عدة تساعد في تفشي الإرهاب بين الشباب.

الدائرة الأولى تتمثل في ما هو متداول في خطابات هذه التنظيمات، فالفرد ما هو إلا نتيجة لأفكار ليس هو مسؤولاً عنها وإنما أسباب وجودها قد تتعدى إطار الإرهابيين أنفسهم إلى ظاهرة الخطاب الديني بتنويعاته، وهذا الظلم الذي يتعرض له الدين الإسلامي من منتسبين إليه يوظفونه وفقاً لإدراكاتهم الضحلة في سبيل تحقيق وهم الخلافة الإسلامية. فالأفكار المتطرفة، مثلاً، بالنسبة إلى خلية الواحات، سببها ليس هذا الشاب الضحية ومَن كانوا معه، وإنما المسؤولية تمتد إلى كل التنظيمات الإسلامية التي ظهرت في القرن العشرين وطوّعت الإسلام على قدر مفهومية وإدراك زعمائها ودعاتها، سواء كان ذلك مع جماعة «الإخوان المسلمين»، أو السلفيين أو «القاعدة» و «داعش»، فالمضمون هو نفسه الذي يُحوّل الشباب إلى آلة متحركة تقتل تحت مسمى الجهاد.

ويساهم في تفشي هذه الأفكار أيضاً بطريق غير مباشر المؤسسات الدينية الرسمية التي تتقاعس عن تطوير خطابها الديني وتتمسك بخطاب جامد لا يتوافق مع العصر بكل التطورات التي تحدث فيه. فمثلاً لو سمعت أي خطبة جمعة في أي مسجد قريب من بيتك تجد أن الكلام متقارب مع ما يقوله هذا الإرهابي سواء بتوصيفهم لأهل الديانات الأخرى بالكفار والحاكم الكافر والعنصرية الواضحة في خطابهم وتحيزهم لكل ما هو إسلامي، على عكس الخطاب القرآني الذي يستهل في آياته؛ يا أيها الإنسان، ويا أيها الناس؛ إلى غير ذلك.

فبداية المواجهة هي في بيئة وتنظيمات مَن يتبنون هذا الخطاب وإن لم يرتكبوا جرائم القتل بطريق مباشر؛ لأن وجودهم بهذا المضمون وهم يخطبون في المساجد يُفرّخ الكثير من أمثال هذا الشاب الضحية وغيره.

الدائرة الثانية تتمثل في الإطار التنظيمي العنقودي الذي يجمع هذه الجماعات، فالشاب، كما ظهر مِن حديثه، عضو في خلية عنقودية يبايع أفرادها قائدها على السمع والطاعة، وتنتمي إلى خلايا عنقودية أخرى بحيث لا يعرف أفرادها بعضهم بعضاً، وإن العضو فيها ينفذ ما يطلب منه فقط ولا يسأل عن أشياء لا تتعلق به. أي أننا هنا أمام أفراد مسلوبي الإرادة يتحركون في خلية يعلم أسرارها فقط قائدها الذي يتحرك هنا بتمويل ودعم يأتي من خلايا أكبر، والجميع يسير آلياً على مستوى هذا الشكل التنظيمي.

الدائرة الثالثة أن مثل هذه التنظيمات العنقودية مِن السهل استخدامها لتحقيق أهداف استراتيجية للغير؛ لعل أكبر مثال لذلك استخدام الاستخبارات المركزية الأميركية المجاهدين الأفغان في الحرب ضد الاتحاد السوفياتي السابق في ثمانينات القرن الماضي. فعالم العلاقات الدولية يحتمل كل ما هو قذر من التوظيف والأفعال، وتحتفظ الدول الكبرى بأوراق لا تعلن عنها تستخدمها وقت اللزوم. ألم يكن في الإمكان مثلاً رصد مكالمات قائد خلية الواحات وهو يستخدم هاتف «الثريا» عبر الأقمار الاصطناعية؟ وكيف بخلية إرهابية تتحرك في صحراء مدة ثلاثة أشهر وهي تتواصل عبر الأقمار الاصطناعية من دون أن يكون لها دعم مادي ولوجستي؟ وتشير المعلومات الرسمية إلى تدمير ما يقرب من 1200 سيارة محمّلة بالأسلحة الحديثة على طريق خلية الواحات على مدار العامين الماضيين، وهو رقم يكاد يقترب من جيوش دول صغيرة. فلو أن عربة الدفع الرباعي ثمنها نصف مليون جنيه مصري أي مجمل الثمن يصل إلى ستة بلايين جنيه؛ هذا بخلاف الأسلحة والمعدات والإمداد الغذائي الذي يفوق هذا الرقم، فمن أين لهم هذه البلايين؟ كل ذلك يدل على الاستخدام والتوظيف لهذه التنظيمات في شكلها العنقودي بجهل أفرادها من الشباب تحت الهدف المقدس الذي يرسمونه بعقليتهم.

بقدر ما أظهر حادث الواحات أهمية المعالجة الأمنية إلا أنه أثار التساؤلات حول القصور في المواجهة الفكرية والتعامل مع الحلقات السابقة للحلقة الأخيرة من ظاهرة الإرهاب. فالبيئة والمناخ اللذان يتسيَّدهما شيوخ السلفية والجماعات الإسلامية والخطاب الديني التقليدي ما زالت تغذى بالأفكار الجهادية.

 

 

* كاتب مصري.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

بعثة عسكرية إيطالية في النيجر تصدياً للهجرة  |  بتوقيت غرينتشسلامة يسعى إلى استئناف مهمته في ليبيا  |  بتوقيت غرينتشحزب «آفاق تونس» يستعد لترك الحكومة  |  بتوقيت غرينتشزوما يودع الحزب الحاكم ويأسف لان الفساد نخره  |  بتوقيت غرينتشاليمين الأوروبي المتطرف يحتفي بإنجازاته في النمسا  |  بتوقيت غرينتشالحزب الحاكم في جنوب أفريقيا ينتخب خلفاً لزوما  |  بتوقيت غرينتشمسؤولان من «لافارج» يتبادلان التهم بالمسؤولية عن دعم «داعش»  |  بتوقيت غرينتشالسلطة الفلسطينية تجدد رفضها الوساطة الأميركية في عملية السلام  |  بتوقيت غرينتشتسوية في مجلس العموم البريطاني لتعديل قانون «بريكزيت»  |  بتوقيت غرينتشرومانيا تشيع جثمان ملكها الأخير  |  بتوقيت غرينتش