|   

الشتات العقائدي والثقافة العالمية

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: محمد حسين أبو العلا 

هكذا ظلت الأديان؛ مكمن الأسرار العلوية وبؤرة اليقين الأبدي والحقيقة الهاربة من عقول البشر والمستأثرة بأغوار الحكمة والمتصدرة مسيرة الإبهار المعرفي. من ثم، فالأديان وعلى اختلافها مثّلت لدى الإنسان منذ وجد على الأرض إشكالية ذهنية وروحية كبرى لم يستطع وحتى الآن وما بعد الآن الانفلات من أسرها، ذلك أنها أتحفته بعواصف الحيرة والدهشة والتفكر، تلك التي ظلت لصيقة به بل باتت تعمل في كيانه وتتحسس روحه ووجدانه وتزجر عقله وتحتويه أيضاً.

ولعل أكبر طاقة خلافية على الأرض كان مصدرها الأديان ليس لقصور فيها بل لطبيعة فاعلية العقل معها خلال آلياته القائمة على الإدراك والتحليل والتعليل والسببية والاستقصاء والتناقض، فعقول قد فتنتها الأديان وأخرى لفظتها واعتمدتها كأساطير وخزعبلات، لكن هل تساوى جمهور هذا وأشياع ذاك، أم أن الفارق كان هائلاً حاسماً دالاً؟ وأي الفريقين تحوّل إلى خندق الآخر في المدى الزمني لعلاقة الإنسان بالعقيدة؟ وكيف أقاموا بناء المعادلة القائلة إن الإيمان يمكن أن يكون موضوعاً مباشراً للعقل، بينما الأديان قد أتت بخوارق وإعجازات تقوقع العقل من دون استيعابها حتى في أشواطه التطورية؟ ولا يعد ذلك على أي نحو تقليلاً من وضعية تلك الطاقة الجبارة الكامنة في الكيان الإنساني وإنما نرمي إلى تأكيد أن العقل لازال أمام استحالات كثيرة متعددة أبسطها وأهونها بقاءً واستمرارية تلك الأسئلة الوجودية الخالدة. ما يعني أن حركة العقل وانطلاقاته تجاه ذلك لا تزال متجمدة لأنها لم تبلغ مصاف الجواب التاريخي الذي يسجل لها شهادة الردع الفكري.

ولعل التحذيرات المتوالية للعقل ليكف عن التفكير في القضية الإيمانية ليصبح عقلاً حراً كاملاً متسقاً، إنما تنطوي على إدانة ضمنية للعقل ذاته، إذ إنه يطرح علينا إثر طوافه وتجوله وانهماكاته مع القضايا والإشكاليات والأفكار والمذاهب والرؤى والنظريات فكرة أن الأجسام المتغيرة لا تخلق نفسها كما أنه لا يخلق حقائقها بل غايته أن يفهمها، من ثم كيف له أن يجانب الإيمان وينشد الكمال إلا لو كان ذلك محاولة بريئة لقمع الذات. وإذا كانت الأديان إنما جاءت لتحجم غرور الإنسان وتقلص سطوته لتدفعه نحو التفكير في قوة عليا تحرك الوجود وتستأثر بالخوافي والمجهولات، فأين يكون موقع الاستعلاء والترفع والخيلاء داخل هذا العقل وقد غاب بعض من مفردات القضية؟ وإذا كان للعقل أن يؤمن بذاته إيماناً مطلقاً في ظل ممارساته العاتية في اقتحام الأشياء والظواهر، فلماذا ظلت الطلسمات الكثيرة تمثل تحدياً كبيراً لم يقو على كسره؟

إن الأديان جاءت لتمثل ترجمة اعتدالية فى إقامة الصلات القوية بين الكون والإنسان. من ثم فهي لم تقدس شيئاً بأكثر من العقل وطاقاته ولم تعل عليه شيئاً لكنه لن يجاوز منتهياته. ولعل حركة التقدم الإنساني تعد شاهدة على قصوره بأكثر من شهادتها على انطلاقاته لسبب جوهري هو أنه لم يستطع أن يبلغ أقصاها في طرفة عين منذ أن بدأ جدلياته وحواراته التاريخية مع الزمان والمكان بل لحظته التأسيسية للوعي.

وانطلاقاً تتخذ قضية العلم والدين نمطية صراعية بلغت أوجها في هذا المنعطف التاريخي الذي اتسم العلم فيه بجموح وجبروت وسطوة حين طوّق جنبات الكون ومثّل انشطاراً معرفياً صارت خلاله أحلام البشر واقعاً ملموساً واعتبار أن المعارف العلمية الكلاسيكية كافة، هي أبجديات وبداهات بل تراث بائد ذو طابع أفقي منبت الصلة بطابعه التصاعدي المضطرد الذي تحوّل على أثره إلى عقيدة فتنت أنصار المادة وأشبعت دعاة النفعية. لكن الحقيقة الموضوعية إنما تشير دائماً إلى أبعاد عدة؛ منها أن العلم ليس إلا حصاد مسعى إنساني دؤوب، وأنه سيظل يغير أدواته وإيقاعاته المنهجية لأنه ذو صلة وثيقة بوتيرة الزمان والمكان ونسبية الحقائق ومعطيات اللحظة.

من هنا، فهو لا يبلغ مرامي القداسة التي يمكن أن تحله محل العقيدة نظراً إلى وجود علاقة عكسية بين حركة التقدم وشيوع الكثير من المعضلات الكبرى المثيرة لاضطراب كوني متفرد، لكن سيظل للعلم سلطته وكبرياؤه لأنه الصيحة المدوية التي أطلقها البشر ورسالة الأرض إلى السماء. وكذلك تظل العقيدة ظاهرة اجتماعية تزخر بالحقائق العليا المتسامية وتدعو إلى الفضيلة واستحضار القيم ومخاطبة البصيرة إلى جانب كونها واحة تحتضن الأسس المعرفية للجدل كافة.

ولعل ذلك إنما يتطلب تفسيراً حداثياً يقرر الوضعية الانفصالية الاتصالية في إطار تساؤلات كاشفة يتقدمها: لماذا تلاشت الحاسة الدينية ولم يعد للأديان مركز محوري فى بؤرة العقل المعاصر؟ وهل كرّست العلاقة بين العلم والأديان مفهوم الاغتراب الديني والاستلاب الروحي؟ ولماذا تم إقصاء الأديان عن معترك الحياة بإيقاف فاعليتها كإستراتيجية نهضوية إحيائية؟ وهل استئثار الأديان بالغيبيات أصبح يتنافى مع الطبائع الإنسانية التي توسمت في العلم أن يكون هو المرجعية الأصيلة في تفسير الأشياء وتحليلها؟ وهل تستطيع الطاقة الذهنية اكتناز تفصيلات الخضم المعلوماتي كافة؟ وهل يشير ذلك إلى ضرورة تأليه العلم وقد عهدت مسيرته إخفاقات عدة أم إلى ضرورة تأليه الإنسان وهو المتوعك في أزمات حواسه القاصرة؟ ولماذا اتخذ تقييم العلم للأديان منحى سلبياً بينما اتخذ تقييم الأديان للعلم منحى إيجابياً؟

إن الحلم الإنساني المترنح سيظل رهناً بإحداث صحوة دينية ترتكز على طموح الوعي الكوني ويقظة الضمير العلمي المؤسس على القيمة الأخلاقية، فهما العاصم الأوحد للإنسانية الغارقة في طوفان النزعات العدمية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

حجب جائزة «العمل المسرحي المتكامل» في أيام قرطاج المسرحية  |  بتوقيت غرينتشمقتل جزائري في أحداث شغب بين مشجعين لكرة القدم  |  بتوقيت غرينتشانتخاب ماييفا كوك ملكة لجمال فرنسا  |  بتوقيت غرينتشامينيم يعود بألبوم تاسع سياسي الطابع  |  بتوقيت غرينتشغلق المدارس في مدن إيرانية بسبب التلوث  |  بتوقيت غرينتشمحامي «إل تشابو» ينفي نقل رسائل تهديد من موكله  |  بتوقيت غرينتشرياح كاليفورنيا تؤجج ثالث أكبر حرائق الغابات في تاريخ الولاية  |  بتوقيت غرينتش26 قتيلاً في حوادث انزلاق للتربة في الفيليبين  |  بتوقيت غرينتشمشكلات النوم مرتبطة بمستويات الخصوبة عند النساء  |  بتوقيت غرينتشالصين تكشف عن خطة خمسية للتدفئة النظيفة  |  بتوقيت غرينتش