|   

فنزويلا بعد انسداد الديموقراطية ... الاقتصاد نحو الهاوية

دونالد ترامب (أ ف ب)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: كرم سعيد 

تعيش فنزويلا واقعاً صعباً منذ نيسان (أبريل) الماضي، بفعل تصاعد الأزمة السياسية بين النظام والمعارضة وانسداد طريق الديموقراطية، وزاد الأمر سوءاً مع قرار الاتحاد الأوروبي في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري حظر تصدير السلاح إلى هذا البلد، وجاءت الخطوة الأكثر إيلاماً مع إعلان وكالة التصنيف الائتماني «ستاندارد أند بورز» في اليوم التالي أن فنزويلا في حالة «تخلف انتقائي» عن تسديد دينها، إضافة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، والنقص المزمن في المواد الأساسية والغذائية، على خلفية الهبوط الحاد في أسعار النفط الذي يعد محرك النشاط الاقتصادي في البلاد، إذ يوفر نحو 96 في المئة من العملات الصعبة.

وتفتح الأزمة الباب واسعاً أمام تنامي انزلاق فنزويلا إلى خانة العجز بعد الفشل في سداد ديونها المستحقة، كما تسلط الضوء على أوضاع الديموقراطية الهشة في البلاد. فالرئيس الراحل هوغو شافيز كان أسس شعبيته على الكاريزما الاستثنائية التي يتمتع بها، والكثير من الأموال التي يوزعها، وعلى رسالة سياسية ترتكز على تهميش الديموقراطية، واعتماد عقيدة الاقتصاد المخطط مركزياً. اليوم ترمز الاحتجاجات الواسعة النطاق في البلاد، وفشل حكومة نيكولاس مادورو في القفز عليها، واستخدام العصا الغليظة في مواجهة المحتجين، فضلاً عن تأميم مؤسسات الدولة، إلى أفول الأفكار الاشتراكية التي كثيراً ما نجح من خلالها شافيز، ومن خلفه مادورو، في الإمساك بمفاصل الدولة من دون شريك.

فبالإضافة إلى استيلاء الجمعية التأسيسية على سلطات البرلمان للقضاء على آخر أشكال المعارضة المؤسساتية المنظمة المناهضة لحكم مادورو، يتم التضييق على زعماء المعارضة، فضلاً عن فشل مفاوضات الحوار التي جمعت النظام ومعارضيه في الدومينيكان.

وتكشف معطيات الأزمة الراهنة، خصوصاً ارتفاع قتلى ومصابي الاحتجاجات الشعبية، فضلاً عن كثرة الاعتقالات في صفوف المدنيين، نية مادورو التمسك بالسلطة بأي ثمن. وكان بارزاً اتجاه المجلس التأسيسي، بديل البرلمان، إلى صياغة دستور جديد، عوضاً عن دستور 1999 الذي صاغه شافيز. ولم يكن الانقلاب الدستوري وحده هو الكاشف عن التراجع في استخدام الأدوات والوسائل الديموقراطية، إذ يسيطر الحزب الاشتراكي بزعامة مادورو على هياكل الدولة، ومنها المحكمة العليا، والهيئة الانتخابية، ووسائل الإعلام الرسمية، والحرس الوطني والشرطة، كما يمتلك ميليشيات مسلحة تضم نحو خمسين ألف عنصر.

ومن جانبه، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الوضع الفنزويلي بالكارثي، وألمح إلى إمكان استخدام القوة لتسوية الأزمة، خصوصاً بعد تمرير «الجمعية التأسيسية» التي تخضع لها السلطات كافة. في سياق متصل، أقر الاتحاد الأوروبي بعدم شرعية تلك الجمعية، واتخذت مجموعة «ميركسور» موقفاً أكثر تشدداً، فعلقت عضوية فنزويلا، ورفضت الاعتراف بـ «الجمعية التأسيسية».

ويلاحظ أن هيمنة «الجمعية التأسيسية» على مؤسسات الدولة، واستنفاد المعارضة الوسائل الدستورية المتاحة بعد فشل لقاءات الدومينيكان مع النظام، يرشح البلاد للدخول في مرحلة فوضى. وهكذا، تبدو فرص تسوية الأزمة بعيدة المنال، فثمة مؤشرات إلى تفاقمها، أولها تراجع الطلب على النفط، وثانيها تعهد المعارضة تصعيد تظاهرات شبه يومية، فيما لا يظهر الرئيس مادورو أي نية في الاستجابة لمطالبها. وثالثها دخول الكنيسة الكاثوليكية للمرة الأولى على خط الأزمة، بعد أن وصفت حكومة مادورو بالـ «ديكتاتورية». وبدورها فإن دول «بيترو كاريبي»، التي كانت تتلقى النفط من فنزويلا بأسعار مخفضة أو كمساعدات مقابل تطويع سياستها في اجتماعات منظمة الدول الأميركية، رفضت خيارات حكومة فنزويلا التي تعتمد العصا الغليظة في مواجهة المحتجين. الأهم أن الأطراف الدولية التي لعبت دور الوساطة في بعض الأوقات بهدف حل الأزمة، وفي مقدمها الفاتيكان، تتوافق اليوم مع المعارضة على رحيل مادورو، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة. على صعيد متصل، اعتبرت قوى إقليمية ودولية، منها إسبانيا والمكسيك والولايات المتحدة، دعوة مادورو لكتابة دستور جديد محاولة لتعقيد جهود الحل، وأكدت أن عملية من هذا النوع تتطلب استفتاء عاماً.

يلمح المؤشر الخامس إلى تصاعد الصدامات بين الحكومة والمحتجين بفعل التصريحات الرسمية الخشنة التي يطلقها الجانبان طوال الوقت، ومنها توصيف مادورو الاحتجاجات بأنها مؤامرة تستهدف الأمة. بينما ترى المعارضة التي حطمت قبل نحو ثلاثة أشهر تمثالاً للرئيس السابق تشافيز في ولاية زوليا المنتجة للنفط، الرئيس مادورو فاقداً للشرعية، ويسعى من دون سند قانوني إلى الهيمنة المطلقة على مفاصل الدولة.

ويرتبط المؤشر الأخير بفشل الإجراءات الحكومية في القفز على الأزمة، فمثلاً رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور بنسبة 60 في المئة في أيار (مايو) الماضي، وهي المرة الثالثة في العام الجاري 2017، والزيادة الخامسة عشرة منذ تولي مادورو السلطة في العام 2013، إلا أنها لم تفلح في تسكين الأزمة. ومثّل سوء توزيع الدخل عنصراً مهماً في تغذية الاحتقانات الاجتماعية، والتي تصاعدت إلى درجة لم تعد تفلح معها فكرة الاحتشاد الداخلي أو نظرية المؤامرة التي روّج لها مادورو، في إيقاف الأزمة التي تفاقمت مع تهاوي سعر العملة المحلية (البوليفار)، وتصاعد معدل البطالة ونقص السلع الأساسية.

تبدو الأزمة في فنزويلا مفتوحة على مختلف السيناريوات، فبداية قد يظل مادورو في السلطة، فهو يتمتع بدعم مطلق من الجيش. ويعد الجيش النواة الصلبة لنظام حكم مادورو، ويعتمد عليه في السيطرة على الوضع الأمني في البلاد في ظل تصاعد التظاهرات المناوئة. ويضم الجيش الفنزويلي 165 ألف جندي، ونحو 25 ألف جندي احتياطي. ومن أصل 32 وزارة يتولى عسكريون 11 حقيبة وزارية. ويشرف الجيش على تصنيع وتوزيع المواد الغذائية. ولذلك فإن القوات المسلحة الفنزويلية تعد من العناصر الأساسية لأي تغيير محتمل في إدارة البلاد.

والواقع أن تأييد الجيش أسعف مادورو، جراء المخاوف التي بدأت تظهر على السطح في معسكر السلطة وصفوف مؤيديه. وكان بارزاً هنا، رفض النائبة العامة في فنزويلا قرار المحكمة العليا الشهر الماضي بسلب صلاحيات البرلمان.

أما السيناريو الثاني، فهو أن تحل إحدى الشخصيات المنتمية إلى مدرسة شافيز محل الرئيس مادورو، وربما نائبه طارق العيسمي (من أصل سوري)، خصوصاً أن الدستور يمنح نائب الرئيس صلاحيات، لأن وظيفته نظرياً، هي تولي مهام الرئيس في حال غيابه. ويعد العيسمي الرجل الثاني في فنزويلا، بالنظر إلى دوره في السيطرة على الميليشيات المؤيدة للحكومة التي تمارس العنف ضد المعارضة. ويحظى العيسمي بشهرة كبيرة بين الفنزويليين، وهو تقدّم بخطى سريعة في مسيرته السياسية، وترقى في صفوف أنصار حركة شافيز.

خلف ما سبق، قد تتلاشى الديموقراطية في البلاد، مقابل تصاعد الفوضى، بفعل تكريس أدوات العنف في قمع التظاهرات، والمحاكمات العسكرية للمدنيين، والاتجاه نحو مزيد من تسليح الميليشيات البوليفارية التي أسسها تشافيز في العام 2010. كما تتعزز حال الفوضى مع إصرار مادورو على إثارة مشكلات مع الخارج، واتهام الآخر الإمبريالي بزعزعة استقرار البلاد، في محاولة لصرف الانتباه عن أزمة الداخل. ويشار إلى اتهام مادورو حكومات كولومبيا وإسبانيا والولايات المتحدة بإدارة مؤامرة على السلطة الشرعية عبر دعم المعارضة.

يتمثل السيناريو الرابع والأخير في نجاح الضغوط الدولية وتظاهرات المعارضة في إجبار الحزب الاشتراكي الحاكم أو شخصيات نافذة داخله على إقناع مادورو بالاستقالة، والذهاب إلى انتخابات مبكرة، بعد عجز البلاد عن تسديد ديونها المستحقة.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

جولة محادثات جديدة حول سورية في آستانة نهاية الأسبوع المقبل  |  بتوقيت غرينتشمورافيتسكي يؤدي اليمين رئيساً لوزراء بولندا  |  بتوقيت غرينتشفشل جهود جونسون لإطلاق سراح سجينة بريطانية - إيرانية  |  بتوقيت غرينتشمقتل صحافي في انفجار سيارة مفخخة في مقديشو  |  بتوقيت غرينتشثلاث نساء اتهمن ترامب بالتحرش يطالبن الكونغرس بالتحقيق  |  بتوقيت غرينتش«حماس» و«فتح» لم تلتزما موعد تسلم الحكومة مهماتها في غزة  |  بتوقيت غرينتشماكرون يزور تونس مطلع شباط المقبل  |  بتوقيت غرينتشبوتين يدعو إلى مفاوضات إسرائيلية - فلسطينية حول القضايا كافة  |  بتوقيت غرينتشمقتدى الصدر يدعو مقاتليه الى تسليم السلاح إلى الدولة  |  بتوقيت غرينتشتعزيز الأمن حول المعابد اليهودية في استوكهولم  |  بتوقيت غرينتش