|   

جهود لمواجهة الراديكالية وجمود في مخاطبة الراديكاليين ... نقاش مصري على هامش تفجير الروضة

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: القاهرة – أمينة خيري 

بينما كان شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب يتأهب لزيارة مسلمي الروهينغا ثم اضطر لإلغاء الزيارة عقب تفجير «مسجد الروضة» شمال سيناء، وبينما كان وكيل الأزهر الدكتور عباس شومان يجادل على الهواء مباشرة بأن «منع المصلين من الصلاة في مسجد جعل الله فاعله من أظلم الناس، قتل هؤلاء المسلحون الإرهابيون الناس في مسجد أثناء إقامة صلاة الجمعة، وينبغي عليهم لو كانوا مسلمين أن يكونوا بينهم يصلون، لأن الصلاة لا تسقط عن المسلم حتى لو كان في حال القتال». وبينما كان مفتي الديار المصرية الدكتور شوقي علام يؤكد أن «دماء الركع السجود في مسجد الروضة ستظل لعنة تطارد المتطرفين التكفيريين إلى يوم القيامة»، وأن «الاعتداء على المساجد إفساد في الأرض والدين وتخريب الأخلاق»، مطمئناً الملايين إلى أن هؤلاء (المسلحين الإرهابيين) «أظلم الناس وأضلهم، ووعدهم الله بالخوف والخزي والعذاب»، وبينما كانت إدارة مدرسة إعدادية في مدينة ميت غمر في محافظة الدقهلية (شمال مصر) تشرف على عملية محاكاة جريمة «مسجد الروضة» حيث مثل طلاب دور القتلة، ومثل آخرون دور المقتولين، وقام فريق ثالث بنثر اللون الأحمر على أرض المدرسة للدلالة على الدماء التي سالت، ووقفت الطالبات لمشاهدة المشهد الدموي، بينما كل ذلك يجري في الأيام القليلة الماضية، كانت الأمور تمضي قدماً كعادتها دون أن تظهر بوادر برامج وقاية للشباب من الراديكالية أو تبدو ملامح جهود فكرية تجابه وتحاجج أيديولوجيا التطرف المنتشرة في كل ركن وإن بدرجات متفاوتة.

تفاوت آراء الشباب المتجادل حول سبل مكافحة الإرهاب ومجابهة الأفكار المتطرفة، عكَس قدراً غير قليل من تأثر واضح بالكثير من هذه الأفكار من دون أن يدري أصحابها. بدأ الحديث بترحّم على فنانة مصر والعالم العربي القديرة شادية، لكن بعد الرحمة جاء اللوم، تارة على «من يصرون على بث أفلامها على رغم أنها التزمت وربنا تاب عليها» وأخرى بتمني أن «يغفر الله لها السنوات التي أمضتها في السينما والغناء». وعلى رغم أن أصحاب اللوم كانوا قلة، لكن اعتقادهم بأن شادية «اقترفت ذنوباً» لأنها عملت بالتمثيل، وارتدت فساتين وصفوها بـ «غير لائقة»، وأدت أدواراً جمعتها ورجال «غرباء» (ليسوا أزواجها)، عكس توجهاً فكرياً ربما يكون قابلاً للتطور وتفسيراً دينياً يراه البعض مائلاً إلى التشدد. وشدد آخرون على دور «المساجد» في توعية الشباب بالفرق بين التدين والتطرف، وضرورة «تكفير» الإرهابيين سواء كانوا «داعش» أم غيرها ممن يقتلون الأبرياء، وهو ما عارضه فريق من الحاضرين. عبدالله عاطف (20 عاماً) رأى أن كثيرين من الشباب لا يذهبون إلى المساجد أصلاً، وأن قصر توعية الشباب على المنابر الإسلامية خطأ كبير. يقول: «المسألة لا تقتصر على مسجد ورجال دين، لا سيما أن كثيرين منهم يميلون في قرارة أنفسهم إلى التطرف، ولدي أمثلة كثيرة مما يقال في خطب الجمعة من تكفير للمسيحيين مثلاً ونظرة فوقية إلى المرأة ودعاء للمسلمين فقط وغيرها كثير. اقتصار مواجهة الأفكار التي تدفع إلى التطرف ومنها إلى الإرهاب على المساجد لا يجدي بل يضر».

وجهة نظر عاطف تتفق تماماً ودراسة ألمانية صدرت قبل عام عن «معهد العقيدة الإسلامية» التابع لجامعة أوسنابروك الألمانية التي أشارت إلى أن جهود منع التطرف لا يمكن أن تبدأ من المساجد، إذ إن غالبية الشباب المتطرفين غير مرتبطين بالمساجد، لكن لهم تصورهم الخاص عن الدين ويصنعون مكونات إسلامهم في شكل مختلف. الدراسة حللت 5757 رسالة على مجموعة على «واتس آب» تداولها أعضاء المجموعة المتراوحة أعمارهم بين 15 و35 عاماً. الرسائل كانت عبارة عن تخطيط لهجوم إرهابي شهدته ألمانيا في ربيع 2016. محتوى الرسائل لم يعكس ارتباطاً بجماعة بعينها، أو انتماء ولو فكري بـ «داعش»، بل عكس تصورات ساذجة للشباب ونظرات «رومانسية» إلى الأمور. أغلب الرسائل عكس أحلاماً بالوقوف في ساحات معارك الجهاد، حيث يصبح الصغير والضعيف والمهتز والذي يعاني مشكلات اجتماعية «رجالاً» يقودون معارك. وخلصت الدراسة إلى أن «الجهاد الرقمي» أمر محبب لدى كثيرين من الشباب والمراهقين القابعين في غرف مغلقة وليس في المساجد المفتوحة.

المساجد التي صدحت منها خطب يوم الجمعة الماضي يندد جميعها بقتل الأبرياء، لا سيما لو كانوا في المساجد يصلون، أثارت سجالات عدة بين الشباب. فبين قائل إن أغلب خطباء المساجد يحلقون في عوالم فكرية وعمرية وثقافية تختلف تماماً عن عوالم الشباب، سواء أولئك غير المتبحرين في الدين والذين لا يحرصون على التوجه إلى المسجد بصفة دورية أم حتى الشباب الواقفين على طرف نقيض والغارقين حتى أذانهم في الدين، لكن من وجهة نظر خطباء الزوايا الممنوعة من حاملي بذور التطرف والتشدد والجهاد المسلح برداء الدين. يقول تامر الصيرفي: «لغتهم (الخطباء) مختلفة ومفرداتهم بعيدة عن فكر الشباب، وصراخهم المستمر يدفع البعض إما بعيداً عن المسجد أو يجعل البعض الآخر يعتقد أن الصراخ هو الدين».

الدين والشباب أو الشباب والدين في مصر والمعضلة الآنية حيث واقع يجد نفسه مشتتاً بين قوى عسكرية تحاول دحض الإرهاب وتطويقه أينما كان، وأخرى تثقيفية تنويرية ما زالت تقف «محلك سر» أو تنتهج نهجاً يليق بالقرن الـ19 من جهة وواقع افتراضي يكتسب أرضاً ومساحة وقوة في جذب الشباب تارة وتجنيدهم تارة ومحاورتهم بمفرداتهم وفهم ما يدور في عقولهم والدق على أوتار مشاعرهم وتغليف كل ذلك وتقديمه لهم في حزمة جذابة تجمع الإثارة والمغامرة، والأكشن في ساحات «الجهاد»، والمكانة العالية بسبب الانخراط في «الجهاد»، وباقة مميزات لا تمنح إلا لأصحاب الشأن العالي، إضافة إلى صك دخول الجنة، وكل ذلك عبر شاشة صغيرة في غرفة النوم لا يدري أحد عنها شيئاً.

أشياء كثيرة يناقشها الشباب ويختلفون أو يتفقون عليها. لكن المثير للانتباه أن الجانب الأكبر من هذه النقاشات المهمة والتي تعكس ما يتعرضون له، وما يتأثرون به، وما يعانونه، وما يحلمون به، ويخططون له يجري في دوائرهم المغلقة.

إغلاق الباب على الشباب من جهة، وإغلاق الباب على الكبار من جهة أخرى مع الإبقاء على منظومات فكرية ووقائية وتثقيفية أكل عليها الزمان وشرب، والإصرار عليها باعتبارها الطريق الأمثل لمواجهة التطرف ووقاية العقول الشابة من خطر التشدد الذي يعد المرحلة قبل النهائية للوصول إلى حمل السلاح و «الجهاد»/ الإرهاب، تصنع مشهداً مزدوجاً، حيث قطاع يهيأ له أنه يحارب الراديكالية ويواجه التطرف ويمنع التشدد، وقطاع آخر لا يفهم أو يعي أو يهتم لهذه الجهود، لأن كلاً منهما يتحدث لغة مختلفة ويفكر بطريقة مغايرة ولا يتحدث إلا مع من يشبهه خلف بابه المغلق.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

توقعات باستعار حريق «توماس» في كاليفورنيا  |  بتوقيت غرينتشرومانيا تشيع جثمان ملكها الأخير  |  بتوقيت غرينتشانتقادات لماكرون لاحتفاله بعيد ميلاده في قصر ملكي  |  بتوقيت غرينتشبيع قفل «ووترغيت» بـ 62500 دولار  |  بتوقيت غرينتش«دراغون» تنطلق إلى الفضاء  |  بتوقيت غرينتشلاجئة سورية تلتقي لاعبي برشلونة  |  بتوقيت غرينتشمقتل 18 شخصاً بحادث سير في الكونغو الديموقراطية  |  بتوقيت غرينتشأحدث أفلام سلسلة «ستار وورز» يتجه لتحقيق 200 مليون دولار  |  بتوقيت غرينتشأردوغان يدشن أول خط مترو آلي في إسطنبول  |  بتوقيت غرينتشقاضية فيديرالية تعطل قراراً لترامب مناهضاً لمنع الحمل  |  بتوقيت غرينتش