|   

قاطفات الزيتون في تونس وموسم التّعب المبارك

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: تونس - خولة العشي 

تعاند المرأة في كلّ شبر من أرض تونس الحياة بصبر وثبات. فهذه المرأة التي كرّمتها مجلة الأحوال الشخصية وحمت حقوقها وساوتها القوانين والدساتير بالرجل، تبقى مثالاً يحتذى في الجدّية والعطاء والنضال المستمر في سبيل عدم إبقاء تلك القوانين حبراً على ورق. وللمرأة الفلاّحة في تونس مكانة متميّزة لما تقدّمه للاقتصاد الوطني من دخل، لا سيما أن الاقتصاد التونسي يقوم أساساً على قطاعي السياحة والفلاحة، الذي يعتمد أساساً على جهود النساء في الزرع والحرث والجني وعلى صمتهن في ما يخص حقهن في التعليم والصحة والتنمية.

في محافظة المهدية في الجنوب التونسي، تستيقظ هنيّة عند الساعة الرابعة صباحاً. لا تستخدم المنبّه، فمحركات الشاحنة التي تقلّها بصحبة رفيقاتها إلى غابة الزيتون تكفي لإيقاظها مسرعة نشيطة. تضع هنية ما تبقّى من عشاء الليلة الماضية في إناء بلاستيكي، تملأ قارورة قديمة بماء الحنفية، تضع إزارها الصوفي وتلف رأسها بشال تقليدي مزركش، تأخذ «عصا» الجني، ثم تغلق باب المنزل الصغير وتقفز إلى الشاحنة. تلتصق هنية ببقية العاملات لتحصل على قليل من الدفء، تنكّس رأسها وتغمض عينيها توقياً للرياح. تأخذهنّ الشاحنة لمسافة خمسين كيلومتراً، حيث تنتظرهن غابات الزيتون السوداء في يوم عمل جديد. يوم يتجدد لمدة تتجاوز الشهرين أحياناً... إنه موسم جني الزيتون في تونس، القاسي على أجساد العاملات لكن المحبب لقلوبهنّ.

يبدأ العمل الساعة الخامسة والنصف، مع إشراق أشعة الشمس تشرع النسوة في وضع «الفرش»، وهي أقمشة طويلة يتم وضعها تحت جذع الزيتونة حتى تسقط فوقها حبات الزيتون. يضع الرجال «الصرافة» وهو سلم خشبي يصعدون فوقه لبلوغ أعلى جذع في الزيتونة. قبل الشروع في الجني يتعاون الجميع في إيقاد أعواد الحطب، حين ترتفع ألسنة اللهب يجتمعون ليستمتعوا بقليل من الدفء، يتبادلون النّكات، ثم يضعون إبريق الشاي فوق الجمرات وينطلقون إلى العمل. تقسّم مهمات العمل بين الجنسين. يقوم الرجال باستخدام العصا أو «فرشاة البلاستيك» الخاصة بجني حبات الزيتون التي تتساقط فوق «الفرش». تجمع النساء الحبات التي تملأ الفرش ويضعنها في أكياس من القماش السميك بعد تنقيتها من أوراق الزيتون المتناثرة، وعند الانتهاء يقمن بجمع ما تساقط من الثمرات هنا وهناك فوق التراب ثم تصفيتها باستعمال «غربال» من الحديد (منفضة) من حبات التراب العالقة ويضفنها إلى الأكياس، وهكذا ينتقل «القاطفون» الذين تطلق عليهم تسمية «الجمّاعة» إلى الزيتونة التالية وتتصاعد أكياس الزيتون المليئة وينتقل إبريق الشاي مع أصحابه يمنحهم الطّاقة ويسلّيهم.

عند منتصف النهار، يكون «الجمّاعة» قطعوا شوطاً مهماً في المهمة المناطة بهم، فيجتمعون لأخذ نصيب من الراحة. يتحلّقون تحت إحدى أشجار الزيتون، يفترشون الأكياس الفارغة ويتقاسمون «اللقمة» في أجواء من المرح. يعدّون إبريق شاي «جديد» ويضيفون لكؤوسهم حبات الكاكوية (الفول السوداني) المحمّصة، يسرقون لحظات متعة بسيطة قبل العودة إلى العمل الذي ينتهي عند مغيب الشمس.

«جني الزيتون متعب ومرهق» تقول هنيّة، وتضيف: «لكنّنا تعودنا على ذلك، ولولا حبات الزيتون لما كنا قادرين على مواصلة العيش. أثناء موسم الزيتون نعمل كأجيرات فلاحيات، لكننا نعود آخر النّهار لجمع ما تركه القاطفون من حبات متناثرة ونبيعها لحسابنا الخاص، وهذا ما يدرّ علينا أرباحاً وفيرة تتجاوز أحياناً في قيمتها أضعاف الأجر الذي نتلقّاه من صاحب الأرض». يتواصل موسم جني الزيتون لأشهر قليلة، لكنه يوفر لنا قوت سنة كاملة، من أرباحه توفر هنية تكاليف دراسة ابنها الوحيد، ومنه سوف تشتري أخرى جهاز عرسها خلال فصل الصيف، فيما تجمع ثالثة ما يكفيها لتعيد ترميم منزلها، «هو موسم مبارك»، تقول هنية «نحبّه على رغم ما نعانيه خلاله من مشاق النهوض باكراً وتحمل لسعات البرد والمجازفة بالتنقل في شاحنات غير مؤمّنة».

ومثل هنّية تستبشر مئات الآلاف من النساء في أرياف تونس بموسم الزيتون، ويسعدن لغلاء أسعاره ويعشن عمليات العناية بالشجرة وسقيها ورعايتها، ثم جنيها وبيع حباتها كطقوس جميلة تملأ قلوبهن فرحاً وجيوبهن أوراقاً مالية. ففي تونس توجد أكبر غابات الزيتون في العالم، وهي خامس دولة منتجة للزيت، فلا عجب أن تصبح هذه الشجرة أول مزوّد للعائلات الريفية بموارد تكفيها وتنعش ميزانيتها.

تقول هنية: «بعد انتهاء موسم الزيتون، في أشهر الربيع الأولى، أتوجّه مع زوجي إلى المدينة، نشتري الثياب والأغطية وما يلزمنا من حاجات منزلية، وكما تعوّدت كل سنة سأشتري سواراً ذهبياً أرتديه في حفلات الأعراس وأخبّئه كادّخار للأيام الصّعبة، فالزيتونة مباركة وخيرها وفير».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

«ديزني» تشتري أنشطة أفلام وتلفزيون من «فوكس»  |  بتوقيت غرينتشجراح بريطاني يقر بحفر اسمه على كبد مريضين  |  بتوقيت غرينتشدوين جونسون يدشن نجمته على جادة المشاهير في هوليوود  |  بتوقيت غرينتشبريطانيا تستعين بشركات لمكافحة التجسس الإلكتروني  |  بتوقيت غرينتشعودة ثلاثة رواد من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض  |  بتوقيت غرينتش«نشيد للبحر» معرض أعمال فنية لمعتقلي غونتانامو  |  بتوقيت غرينتش«ألكسو» تهنّئ السعودية بتسجيل «القط العسيري» على قائمة التراث الثقافي  |  بتوقيت غرينتشالقبض على أخطر المهربين البرازيليين في براغواي  |  بتوقيت غرينتشتزايد نسبة التفاوت الاجتماعي في العالم  |  بتوقيت غرينتشفقدان السمع قد يكون عاملاً مسبباً للخرف  |  بتوقيت غرينتش