|   

«حزب الله» بين مولود الطنطاش و... فاسيلي أركيبوف!

التركي مولود الطنطاش عقب قتله السفير الروسي (العربية 21)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: عبد الرحمن عبد المولى الصلح 

هل تذكرون مولود الطنطاش؟ إنّه الشرطي التركي الذي أطلق رصاصاتٍ قاتلة على السفير الروسي في أنقرة أثناء افتتاحه معرض فنّي للصور الفوتوغرافية بعنوان «روسيا كما يراها الأتراك». كان ذلك في 19 كانون الأول (ديسمبر) 2016. يومها رأى مولود الطنطاش روسيا بعيونٍ مختلفة. والمفارقة أنّ اللوحة التي أضحت الأكثر تعبيراً في المعرض، غدت جُثة السفير الروسي الملقاة على الأرض والمُلطّخة بالدّم الذي تناثر على الجدران. لعلّها كانت اللوحة الأكثر تعبيراً وسوريالية! رأى الطنطاش روسيا القاتلة التي تقصف مدينة حلب بعنفٍ لم يسبق له مثيل مخلّفة مئات الضحايا يومياً، فانتقم بقتل سفيرها المعتمد في أنقرة. إنّه الانتقام الناتج عن القهر الذي شعر به الطنطاش. الطنطاش لم يكن داعشياً. تصرّف بمفرده ومن تلقاء نفسه كرد فعل على الاستعلاء والتسلّط والقهر من خلال الغارات العنيفة التي شنّها الطيران الروسي على مدينة حلب والتي خلّفت مئات الضحايا. هو المسلم السنّي (أعتذر عن استعمال تلك التعابير فأنا علماني النشء والنشأة، لكن مقتضيات كتابة المقال تُحتّم اللجوء إلى تلك التوصيفات) الذي شعر بضرورة الإنتقام لأهل حلب السُنّة. ولعلّه شعور كلّ إنسانٍ مقهور، مناهض للديكتاتورية والتسلّط ومؤمن بالحرية والتحرّر والعدالة.

مناسبة التذكير بمولود الطنطاش أن استمرار «حزب الله» بنزعة الهيمنة والتسلّط على القرار اللبناني ومن خلفه الراعي الإيراني الذي يواصل إثارة القلائل في المنطقة والدخول في الصراعات الإقليمية... سيؤدي حتماً إلى رد فعل لا تُحمد عُقباه. وأبرز مثالٍ على ذلك استقالة رئيس الحكومة اللبناني سعد الحريري وما نتجَ وينتُج عنها من تداعيات وشروخ نتمنى أن لا تُبصر النور. الحريري صرّح مؤخراً قائلاً: «لن نقبل بمواقف «حزب الله» التي تمسّ بأشقائنا العرب أو تستهدف أمن دولها واستقرارها»، («الحياة» 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017). قبل التداعيات الأخيرة على الساحة اللبنانية، انخرط «حزب الله» بألياته العسكرية وعناصره لقهر السوريين. ادعى «حزب الله» بأنّه يحارب التكفيريين في سورية (يجب أن لا تغيب الإشارة إلى الاتفاقات الضمنية التي جرت بين نظام الأسد و «داعش» بين حينٍ وآخر...). أوّل من حاربهم «حزب الله» هم السوريون على الحدود اللبنانيّة (مدينة القصير وغيرها). لم يكن بينهم تكفيريٌّ واحد. نتج من ذلك لجوء مئات الآلاف من السوريين إلى لبنان. ساهم أيضاً «حزب الله» بتطهيرٍ مذهبي في سورية، وهذا ما سمّاه حاكم دمشق بالمجتمع المتجانس. إذا كان «حزب الله» يحسب حساب الموضوع المذهبي، فعليه أن يتذكر أنه من بين المليون والنصف لاجئ سوري يوجد مئتا ألف شاب سوري تتراوح أعمارهم بين 19 و22 عاماً أتمّوا خدمتهم العسكرية. ولعلّه يُدرك أنّ تسليحهم، لا سمح الله، قد لا يتعدّى الأيام! يُجاهر «حزب الله» بعداوته لإسرائيل. والسؤال هو كيف يوفّق بين عداوته لإسرائيل، وما صرّح به رامي مخلوف ابن خال الأسد بعد أشهرٍ من انطلاق الثورة السورية عام 2011 لـِ «نيويورك تايمز» بأنّ أمن إسرائيل هو من أمن سورية؟

وللتذكير فقط، فـَ «حزب الله» وُلد على يدي سفير طهران في دمشق محتشمي بور عام 1982، وأشرف على تدريب عناصره رجل الاستخبارات الإيراني علي رضا أصغري، حين بدأ توافد المئات من المتطوعين من أفراد الحرس الثوري الإيراني إلى سهل البقاع. كان أصغري أيضاً عضواً في «فيلق محمد رسول الله السابع والعشرين». وهو استمر لغاية 1992 يدعم «حزب الله» عسكرياً ويقود الأنشطة السياسية الإيرانية في لبنان. وبذلك أضحت الساحة اللبنانيّة مسرحاً لتبادل الرسائل بين طهران وواشنطن، وبدأت عمليات الاغتيال وخطف الغربيين للضغط على واشنطن وابتزازها. وثمّة من يُضيف أهدافاً أخرى بينها محاربة ياسر عرفات الذي كان مؤيداً لصدام حسين في حربه ضدّ إيران. وهكذا، فمنذُ عام 1982 بدأ الانخراط في الصراعات الإقليمية، دون الاخذ بعين الاعتبار مصلحة لبنان واللبنانيين. في عودة إلى أصغري، الذي انشق عام 2007، يُقال إنه جلب معه وثائق من الاستخبارات الإيرانية تحتوي على معلومات عن «حزب الله» ولبنان وبرنامج إيران لتخصيب اليورانيوم. كانت الوكالة تعرف بالضّبط ما حصلت عليه. ذكر ضابط الموساد رام أغرا، «لقد عاش في لبنان، وكان عملياً هو الذي بنى «حزب الله» وطوّره وموّله في تلك السنّوات. إذ كان باستطاعته أن يقدّم شيئاً للغرب، فإنّه كنز للمعلومات عن شبكة الإرهاب وحزب الله في لبنان». (راجع كتاب The Good Spy: The Life & Death of Robert Ames، ترجمة محمد جياد الأرزقي، صفحة 362، الدار العربية للعلوم ناشرون 2015). تُرى، كم من علي أصغري سوف يظهر لاحقاً ويكشف ما وراء الأكمة؟

هل الكرة في ملعب طهران أم في ملعب «حزب الله»؟ في ملعب المركز أو الطرف؟! إنّها في ملعب الإثنين، حتماً. لكن على الطرف، انطلاقاً من حرصه على نفسه، كي لا تُصبح البيئة التي يعمل من ضمنها أكثر عداءً له، أن يقنع المركز أنّ الاستمرار في الهيمنة على القرار اللبناني سيضّر ليس فقط بمصلحة الوطن ككل بل بمصلحة الحزب نفسه. ولا خلاف في أنّ استمرار فائض القوة لـِ «حزب الله» وتسلطهِ على القرار اللبناني سوف يعني في جملة ما يعني خلخلة قواعده في ظل العقوبات الأميركية المرتقبة والتي تسعى الدولة لإبعاد أثرها على جميع اللبنانيين وعلى الشيعة خصوصاً. وسوف يعني أيضاً سحب الرعاية العربية للبنان، وما يُشكل ذلك من تداعيات على مستوى المواجهة مع إسرائيل والتعاطف مع اللبنانيين.

في عودة إلى ثنائية المركز/ الطرف، تخطر في البال مركزيّة «الحزب الشيوعي السوفياتي» وعلاقته بالأطراف. أعني الأحزاب الشيوعية في دول أوروبا الشرقية. فإذا كنّا سابقاً أمام كومنترن شيوعي، فنحنُ اليوم أمام كومنترن شيعي، مركزه طهران يسعى بدأب للتدخّل في دول الجوار، بهدف إيجاد ما سُميّ «الهلال الشيعي» يبداً في طهران وينتهي في لبنان. أبدت الأطراف الشيوعية سابقاً تململاً من المركز (بودابست وبراغ ووارسو). صحيح أنها سُحقت، لكن يكفي أنّها أبدت تملمُلاً، هو التململ ذاته الذي نتمنى على الطرف المحلي، أعني «حزب الله» أن يُبديه أمام المركز، لأنّ البيئة المحلية التي يعمل ويتحرّك من خلالها لم يعد بإمكانها تحمّل المزيد من الهيمنة والتسلّط ومصادرة القرار.

لا اعتراض على ما سُميّ بالتسوية التي أفضت إلى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، وتكليف الرئيس سعد الحريري برئاسة الحكومة. لكنّها كانت تسوية بين رجلين على حساب أُسّ المبادئ والذي كان يجب أن يرتكز على عدم تدخل «حزب الله» خارجياً وقبوله بسياسة الحياد. وحسناً فعل الحريري حين صرّح لشبكة «سي نيوز» التلفزيونية الفرنسية (27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، «لا أريد حزباً سياسياً في حكومتي يتدخل في دول عربية ضد دول عربية أخرى». وفي سيرة التسوية، يحضرني هنا عبدالفتاح مورو، نائب رئيس البرلمان التونسي ونائب رئيس حركة النهضة، وهو رجل يحظى بشعبية عالية لدى التونسيين، حين صدم كثيرين بتساؤله قائلاً «بلد يرأسه رئيس الباجي قائد السبسي يبلغ من العمر 93 عاماً بالتوافق مع راشد الغنوشي البالغ من العمر 76 عاماً هل هو مستقر؟ ماذا سيحدث إذا اختفى أحدهما؟ يوجد اتفاق بين الطرفين، لكنه شفوي وليس هناك اتفاق مكتوب». («العربي الجديد»، 30 تشرين الأول/ أكتوبر 2017). ومع أنّ الرئيسين عون والحريري، أسبغ الله عليهما الصحة والعافية، لم يبلغا من العمر ما بلغه السبسي والغنوشي، إلا أن جوهر المقاربة يكمُن في أن التسوية الشفهية قد لا تُسمن أو تُغني من جوع.

أكدّ الحريري في لقائه وفداً من دار الفتوى، حرصه على أطيب العلاقات مع الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية («الحياة» 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017) مؤكداً وصفهُ المملكة بمملكة الخير. ولا عجب! ذلك أنه يُسجّل للسعودية أنّها أسرَت وتأسر قلوبنا وعقولنا ونفوسنا لتأييدها المتواصل استقلال لبنان وحريته، ودعمها اللامتناهي لما يُساعد في ازدهار لبنان ووحدة أبنائه. لا تُرسل السعودية أسلحةً إلى مجموعات لبنانية كما يفعل نظام الملالي في طهران، بل دعمت وتدعم الجيش اللبناني بمساعدات مالية. وسابقاً في التسعينات، أودعت في المصرف المركزي وديعة مالية ببليون دولار لضمان استقرار سعر صرف الليرة. السعودية كانت وسوف تظل مصدراً لاستقرار لبنان. وثمّة اعتقاد سائد عند كلّ مسلم وعربي بأن المملكة العربية السعودية هي البوصلة حين تلوح في الأفق المصائب والمحن، ويخيم شبح الأزمات العصيّة على الحل. والاعتقاد مبني على حقيقة دامغة، انطلاقاً من أنّ المملكة هي الأرض التي نزل فيها الإسلام وعليها أينعت العروبة وأثمرت. ثمّ أنّ السعودية، المرتبطة بأصالة الماضي، لم تنفصل عن زخم الحاضر ومستجداته، وفي هذا سرُّها وأحد أقانيم كينونتها، منذ عهد المؤسّس الأول الملك عبد العزيز وحتى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز.

أخيراً، تمّ تكريم أحد كبار ضباط غواصة سوفياتية منَعَ بحكمته اندلاع صراع نووي عالمي خلال الحرب الباردة بعد 55 عاماً من عمله البطولي. الجائزة تُدعى «جائزة مستقبل الحياة»، تُقدّمها منظمة مقرّها الولايات المتحدة. إنّه: فاسيلي ألكسندروفيتش أركيبوف، الذي كان على متن الغواصة الروسية 55-B بالقرب من كوبا عندما بدأت القوات الأميركية إسقاط القنابل في محاولة لدفع الغواصة للصعود إلى أعلى. الفضل يعود إلى أركيبوف لأنّه منعَ ضباطاً آخرين من استعمال طوربيد نووي يزن 10 كيلو طن. ولو فعلوا، لكان مصير العالم يختلف. فالهجوم كان بداية حرب نووية من شأنها أن تُسبب دماراً عالمياً. مدير أرشيف الأمن القومي في جامعة جورج واشنطن، توماس بلانتون، قال: «الدرس المُستفاد هو أن فاسيلي أركيبوف أنقذ العالم»، («العربي الجديد» 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2017). تُرى، هل من أركيبوف «حزب الهي» يُنقذنا ويُنقذ لبنان ويُغلّب العقل والحكمة ويزن الأمور انطلاقاً من مصلحة وطنه وبلده ويُطلق نداءً مُشابهاً للنداء الذي أطلقه سفير لبنان السابق غسان تويني عام 1978 في مجلس الأمن: «دعوا شعبي يعيش»؟

 

 

* كاتب لبناني.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

اتهام منفذ الاعتداء في نيويورك بالإرهاب ودعم «داعش»  |  بتوقيت غرينتشالأميركيون يرون المزيد من الفساد في عهد ترامب  |  بتوقيت غرينتشأفغانستان تحتجز معلمين أتراكاً على صلة بغولن  |  بتوقيت غرينتشفرنسا تحدد 150 إلى 200 «صيرفي خفي» لـ«داعش»  |  بتوقيت غرينتشالاتحاد الأوروبي يعتزم تمديد العقوبات الاقتصادية على روسيا  |  بتوقيت غرينتشترامب يندد بـ«الروايات الملفقة» للنساء اللواتي تتهمنه بالتحرش  |  بتوقيت غرينتشحكومة الدنمارك مهددة بسبب خلاف على لاجئين سوريين  |  بتوقيت غرينتشموسكو تتعهد تسهيل التوصل إلى اتفاق ينهي الأزمة الليبية  |  بتوقيت غرينتش«الحلف الأطلسي» يجدد ولاية ستولتنبرغ  |  بتوقيت غرينتشروسيا تعلق موقتاً وجودها الديبلوماسي في اليمن  |  بتوقيت غرينتش