|   

كريم مروّة مقدّماً أعلاماً نهضويين في كتابه «شخصيات وتواريخ»

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: طارق زيادة 

يُغبَطُ كريم مروّة ولا أقول يُحْسَد، وهو على عَتَبةِ التّسعين من العمر، شاباً في فِكرِه، جادّاً وساعياً للقيام بوظيفة معرفيّة ونهضويّة في كتابه: «شخصيّات وتواريخ» ذي الجزءَيْن (صدرا عن «الدار العربية للعلوم- ناشرون»، في بيروت)، مُستَحضِراً ثلاثة وخمسين عَلَماً في السّياسة والفكر والأدب والفنّ، في محاولة لتعريف الأجيال الصاعدة برُموزٍ مَجيدةٍ مُعبّرة، عملت من أجل تكوين معرفة ونهضة امتدَّت من مطلع القرن العشرين حتّى نهايته، مؤكّداً أنّه من: «دون معرفة الماضي ومن دون الانطلاق منه ومن المجيد فيه نحو المستقبل لا يمكن التحديد الصحيح للطُّرُق المُوصِلةِ إلى ذلك المستقبل المختلف ارتقاءً في الاتّجاه الذي يحقّق لشعوبنا وبلداننا الحرّيّة والتقدُّم والعدالة والعمران والانتماء إلى العصر بتحوّلاته الكبرى».

يحتوي الجزء الأوّل من كتاب مروّة، المُعَنْوَن «أعلام في السّياسة والفِكر»، على قسمَيْن، القسم الأوَّل: أعلام في السياسة، والقسم الثاني: أعلام في الفكر. أما الجزء الثاني من كتابه المعنون «أعلام في الأدب والفن»، فهو يتضمن أيضاً قسمين، الأول: أعلام في الأدب، والثاني: أعلام في الفن. ومن المهم في مكان أن نسجل أن المؤلف قد عرف معظم الشخصيات التي كتب عنها من كثب، ما يُغني الكتاب بتفاصيل مهمة عن أولئك الأعلام، علماً أن مروة لا يدّعي أنه يكتب كمؤرخ، وإنما يكتب عن هذه الشخصيات بأسلوب مختصر وواضح، وهمّه أن يعرّف عنها الشباب العرب المهتمين، وليس من عاصر تلك الشخصيات على مدار القرن الفائت، إذ يندر أن يأتي الكاتب بمعلومات غير معروفة أو معلومة، وهو على كل لا يتبع المنهج التاريخي الصارم، ما جعل كتاباته أقرب للمقالات الساعية لتعميم المعرفة، وهو قصد مفيد سعى إليه ولا ينكره.

وحسناً فعل كريم مروّة بانتقاء شخصياته بأسلوب يتحلى بالحكمة والواقعية بعيداً عن أي دوغمائية، بل بعقل منفتح وفكر نيّر، إذ لا يتورع، وهو المفكر الماركسي النشيط، عن الحديث عمن كان الشيوعيون يعتبرونهم، في مطالع خمسينات القرن الماضي، رجعيين وعملاء، مبتعداً هكذا عن كل انغلاق فكري أو تشدّد عقائدي، حتى وهو يشرح بإيجاز الخصومة بين القوميين والشيوعيين.

على أن كريم مروة في انتقائه للشخصيات الثلاث والخمسين التي «أرَّخَ» لها على عجالة، تقصَّدَ رموزاً سياسية وفكرية وثقافية وفنية لعبت أدواراً مهمة في الحياة العربية المعاصرة، وكان لها تأثير واضح في مجرى الأحداث طيلة القرن الفائت، وعُرفت بانفتاحها العقلي وتماسها مع قضايا العصر.

من الصعوبة في مكان أن نوجز الموجز في حياة الشخصيات السياسية التي استعرضها الكتاب، ابتداء بمصطفى كامل مروراً برياض الصلح وحميد فرنجية والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وانتهاء بشفيق الحوت وعشرات آخَرين، ولكن تكفي الإشارة إلى أولئك الأعلام للتمثيل والتدليل، مع تأكيد أن الكاتب لم يغفل المواقف المؤثرة في حياتهم، مثل تعاون رياض الصلح مع أركان الجبهة الشعبية في فرنسا قبيل الحرب العالمية الثانية، أثناء مفاوضات المعاهدة السورية- الفرنسية، ثم تعاونه مع اليساريين الفرنسيين أثناء مفاوضات الجلاء عن لبنان عام 1946 وترئيسه حميد فرنجية الوفد اللبناني المفاوض في لمعة من لمعات ذكاء رياض الصلح.

كما يوجد وجه من الصعوبة في تلخيص الملخص في حياة أعلام الفكر ابتداء من أحمد لطفي السيد مروراً بشبلي الشميل وفرح أنطون وقسطنطين زريق واسماعيل مظهر وياسين الحافظ وغيرهم وانتهاء بعصام محفوظ.

وأسجل للذكرى ما عانى قسطنطين زريق من تهجّمات واتهامات في أواخر أيامه، كما عانى قبله رياض الصلح، خلال حياته. إلا أن كريم مروة، المنفتح الذهن والقلب، يغلب العقل في ضوء تجربته الطويلة، ويشير مراراً إلى تعسف الدكتاتوريات وعدائها للحريات، وفي طليعة تلك الأنظمة المستبدة النظام الستاليني الذي قتل روح الإبداع، ما أدى إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.

شغلت شخصيات أدبية وفنية عربية الجزء الثاني من الكتاب في صفحات قاربت أيضاً، كما في الجزء الأول، حوالى ثلاثمئة إلا قليل، ما يجعل الكتاب كله في حوالى ستمئة من صفحات الحجم الكبير، متضمناً في الجزء الثاني مقالات وجيزة عن أعلام في الأدب ابتداء من خليل مطران، شاعر القطرين، والنابغة مي زيادة، وأبي القاسم الشابي، وفوزي معلوف، مروراً بعبد الرحمن الشرقاوي، وفدوى طوقان وكاتب ياسين ونزار قباني وسهيل إدريس وسعد الله ونوس، وانتهاء بأحمد فؤاد نجم وسميح القاسم.

يتوقف كريم مروة في كتاباته عن أعلام في الفن عند أسماء شهيرة، مثل جورج أبيض وآسيا داغر وأسمهان والنحّات آدم حنين والشيخ إمام وسواهم، ممن لعبوا أدواراً كبيرة في مختلف المجالات المسرحية والغنائية والفنون التشكيلية.

يدل ما سبق على غنى كتاب مروة، طامحين أن نقرأ له في الآتي من الأيام مؤلفات تضج بملخصات عن أعلام عرب وغير عرب آخرين، ما يُثري المكتبة العربية ويسدّ فيها ثغرة لهذه الناحية.

 

 

* قاض، نائب رئيس المجلس الدستوري في لبنان.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

طهران تحذر ماكرون من الانسياق وراء ترامب  |  بتوقيت غرينتشتراجع عدد المهاجرين الوافدين إلى ألمانيا للعام الثاني  |  بتوقيت غرينتشأردوغان: سنفتح سفارتنا في القدس الشرقية قريبا  |  بتوقيت غرينتشحفتر يعلن «انتهاء صلاحية» اتفاق الصخيرات  |  بتوقيت غرينتشتركيا تنتقد برنامج الحكومة النمسوية الجديدة  |  بتوقيت غرينتشالجيش اليمني يواصل تقدمه في المعارك ضد «الحوثيين» في شبوة  |  بتوقيت غرينتشالشرطة الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً في الضفة الغربية  |  بتوقيت غرينتشمقتل 11 شرطياً أفغانياً بهجوم لـ «طالبان»  |  بتوقيت غرينتشطائرة نقل عسكرية صينية تحلق قرب تايوان  |  بتوقيت غرينتشالنظام يضيق الخناق على فصائل المعارضة في غوطتي دمشق  |  بتوقيت غرينتش