|   

قوانين وتدابير لا تخدم المعوّقين

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: دمشق - إيمان أحمد ونوس 

لأن المعوقين يُشكّلون نسبة غير قليلة في مجتمع تقليدي في ما يتعلّق بالتعامل مع هذه الشريحة، ولأن الإعاقات تُشكّل عبئاً مادياً لا يُستهان به على الأسرة والدولة معاً، فقد سُنّ في سورية القانون الرقم 34 تاريخ 18/7/ 2004 الذي ينظم شؤون المعوّقين عبر مجموعة من الخدمات التي تُقدّم لهم في المجالات الصحية والتربوية والتعليمية والرياضية والتأهيلية والإعلامية والعملية، وتوفير البيئة الملائمة المؤهِلة لهم، والإعفاءات على بعض حاجاتهم، وإحداث المعاهد التي تتولّى تقديم الخدمات المختلفة، وإجراء تصنيف وطني للإعاقة، ليكون أساساً لمنح بطاقة المعوق.

وبناءً على هذا القانون صدر التصنيف الوطني للإعاقة الرقم 992 تاريخ 17/6/2008، أي بعد 4 أعوام كانت كفيلة بزعزعة بعض الثوابت القيمية المجتمعية المتعلقة بتلك الشريحة من الأشخاص، وخروج غالبيتهم من كهوف العار التي وضعهم فيها الأهل خشية نبذ أو سخرية اجتماعية، بغية فائدة مرجوّة مما اتخذته الحكومة آنذاك من خطوات، بعد تشكيل المجلس المركزي للمعوقين برئاسة وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، وعضوية ممثلين عن وزارات مختلفة ذات صلة بحاجات هذه الفئة.

واتضح لاحقاً أن ما تمّ فعله لم ينمّ عن اهتمام حقيقي وجدي بهذه الشريحة، فلا شيء تحقق تقريباً سوى القليل جداً وعلى مختلف الصعد. إذ ما فتئ الروتين يُعرقل تأمين مستلزمات هذه الشريحة الهامة والحساسة، حتى أن المُرتّب الشهري الذي خُصص لحالة الشلل الدماغي حينها والبالغ 3 آلاف ليرة سورية لم يمنح لهم سوى شهرين فقط، والأعذار كانت أكثر من أن تُحصى.

وبعد مُضي أكثر من عقد على هذا القانون والتصنيف، صدر أخيراً وبناء على قرار المجلس المركزي لشؤون المعوقين (27/7/2017) التصنيف الوطني للإعاقة الرقم 2818 (15/11/2017) الذي يُلغي سابقه ويُحدد تصنيفات وتوصيفات ربما لتتناسب مع الواقع الحالي الذي فرضته الحرب المستعرة منذ نحو 7 أعوام، والتي أعاقت الحياة والإنسان، فخلّفت وراءها ولا تزال أعداداً مرعبة من مدنيين وعسكريين، فقدوا قسماً من أجسادهم أثناء العمليات القتالية أو ممّن أصابتهم شظايا الصواريخ والقذائف التائهة ما بين جبهات القتال وشوارع المدن المجاورة، لنكون بذلك أمام واقع مرير يجمع ما بين معوقي الحرب الجُدُد، وما بين أولئك المعوقين خلقياً ما قبلها، لتغدو صورة المجتمع أشدّ بؤساً وقتامة ممّا كانت عليه حين صدور القانون رقم 34. فإذا ما عُدنا إلى الواقع اليومي، نلمس مدى ارتفاع نسبة المعوقين الذين لم يجدوا وسيلة لتحصيل لقمة العيش سوى أعمال بسيطة من قبيل بيع ورق اليانصيب أو المحارم والعلكة وما شابه أو التسوّل على كرسي متحرّك، إضافة إلى البحث عمّن يمدُّ لهم يد العون لترميم ما اقتطعته الحرب من أعضائهم وإصلاحها، لا سيما أن علاج تلك الحالات مُكلف للغاية في ظلّ تجارة المشافي ومراكز المعالجة الفيزيائية وملحقاتهما، خصوصاً بالنسبة للمدنيين. فالعسكريون تتكفّل بهم المشافي العسكرية ضمن إمكاناتها المتاحة، ونسب العجز التي تُعطى للمُصاب تُبقي له بعضاً من راتب ربما يقيه ذُلَّ السؤال إلى حين، إن لم يكن لديه أسرة.

حسان شاب في الثلاثين من العمر، بُترت ساقه في المعارك، وبذا لم يعد لائقاً للخدمة، فبدأ البحث عن عمل يُعينه على تكاليف المعيشة الخيالية مع ما تبقى له من راتبه الذي حددته إصابته، لا سيما أن لديه طفلاً رضيعاً، وبالتأكيد لن يوفّق بعمل مفيد يتلاءم وإعاقته، فلم يجد بُداً من بيع الطوابع وأوراق اليانصيب بانتظار تمكّنه من الحصول على طرف اصطناعي يُكلّف مبلغاً غير قليل، وانتظار دوره طويلاً في المركز المُخصص له ولأمثاله.

أمّا فؤاد الذي خسر عينه ويده أيضاً في المعركة، فلم يجد من وسيلة لتأمين مصاريف معيشته سوى العمل في مكتب سفريات محلي لتسجيل الركاب بأجر زهيد. لكنه، وفق قوله، يكفيه مع نسبة العجز المُقررة له ألا يكون عبئاً على أهله.

وها هي سلام ذات العشرين ربيعاً التي أُصيبت بشظية أثناء ذهابها إلى الجامعة أخذت منها عينها وأذنها اليسرى، لا تزال في انتظار العلاج وتعويض بعض ما فقدته كي تُكمل دراستها وحياتها الطبيعية. وهي لم تفقد أملها بالحصول على العلاج لأنها مؤمنة بأن كثيراً غيرها ينتظر على رغم أن وضعهم أسوأ من وضعها بكثير. وما هي إلاّ مسألة وقت لا أكثر.

محمد الأب لخمسة أطفال يعتاشون مما يتقاضاه من راتب الوظيفة الحكومية في بيت مُستأجر يستهلك أكثر من نصف ما يحصّله، بعد أن «اغتال» بيته القديم صاروخ عابر أخطأ هدفه وأخذ معه قدم محمد الذي سقطت بعض دعائم البيت المنهار عليه، فأقام هو وأسرته لدى أقارب حتى وجد منزلاً يتناسب مع وضعه.

محمد لم يخسر وظيفته الحكومية، لكنه خسر عمله كسائق أجرة براتب يعينه على تكاليف المعيشة، وهو الآخر قيد انتظار وصول الأطراف الاصطناعية التي تعاقدت عليها وزارة الصحة منذ مدة.

إذا ما عُدنا إلى الواقع وإلى كل ما تمّ ويتمُّ اتخاذه من قرارات وإجراءات تحت مــسمّيات وتوصيفات لصالح هذه الشريحة التي اتسعت خلال الحرب، نجدها كلها إن لم تكن بعيدة، بطيئة في التعاطي الفعّال تجاه أُناس فقدوا قدرتهم على الحياة الطبيعية في ساحات المعارك أو المدن المنكوبة بالقذائف، مثلما كانت قاصرة تجاه من شملهم القانون رقم 34. وبهذا نكون أمام معضلة أخلاقية وإنسانية تعمل ولا شكّ على خلخلة قيم الفرد والمجتمع معاً، بحيث تطغى الأفعال المُشينة والأنا اللاواعية تجاه حاجات معيشية وحقوق أساسية يكفلها بداية القانون الأخلاقي الإنساني غير المُسجّل في عدليات المجتمعات، مثلما تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

إنّ مجرد الاحتفال بيوم عالمي واحد في العام لا يداوي جراح أجساد شوّهتها الحروب، ولا يُرمم نفوساً وأرواحاً أنهكتها لقمة العيش. هو واقع يفرض على الحكومات، مثلما يفرض على منظمات المجتمع المدني والأهلي التعاطي مع تلك الشريحة من معوّقي الولادة والحرب بإنسانية واحترام واهـــتمام جدي، ولو من باب ردّ الجميل لمن ضحّى من أجل وطن وشعب.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

وفاة جندي أميركي فر إلى كوريا الشمالية في العام 1965  |  بتوقيت غرينتشالصين تحذر من البث المباشر بعد سقوط متسلق ومقتله  |  بتوقيت غرينتشبيونسيه تتصدر تصنيف «بيلبورد»  |  بتوقيت غرينتشوكالات فضاء تريد إنشاء «مرصد فضائي للمناخ»  |  بتوقيت غرينتش«ذا شايب اوف ووتر» يتصدر ترشيحات «غولدن غلوب»  |  بتوقيت غرينتشكاميرون تعاني من نقص في لقاحات السل  |  بتوقيت غرينتشالتقاعد مرتبط بفترات نوم أطول وأعمق  |  بتوقيت غرينتشالكوليرا تعاود الظهور في عاصمة زامبيا  |  بتوقيت غرينتش«يو تو» يطيح تايلور سويفت من صدارة قائمة «بيلبورد 200»  |  بتوقيت غرينتش«الاستثمارات العامة» يوقع مذكرة تفاهم مع أكبر مشغل لدور السينما في العالم  |  بتوقيت غرينتش