|   

كلمات فتاة في «الزعتري» أقوى من الحملات العالمية

مخيم الزعتري في الأردن
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: لؤي شبانه 

بدأت هذا الأسبوع سلسلة من الحملات العامة حول موضوع العنف المبني على النوع، فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25 تشرين الثاني (نوفمبر) يوماً دولياً للقضاء على العنف ضد المرأة، ودعت الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية إلى تنظيم نشاطات تظهر حجم المشكلة في العالم وتسلط الضوء على ما يجب تغييره في القوانين الرامية إلى حماية المرأة والطفلة، أو في الممارسات المجتمعية الضارة بهما. ما زالت نساء كثيرات حول العالم عرضة للعنف بشتى أشكاله، سواء داخل المنزل على يد الأزواج والعائلة، أو خارجه كالشارع أو مكان العمل حيث تطغى في أماكن وبلاد عدة عقلية ذكورية تبيح للرجال استخدام ألفاظ وأفعال مهينة بحق النساء على مرأى من المجتمع.

صودف أنني كنت في زيارة إلى مخيم الزعتري للاجئين في الأردن حين بدأت الحملة في الإعلام وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. تابعت بعض تصريحات الخبراء والخبيرات العاملين على مناهضة العنف ضد المرأة من على شاشة هاتفي الذكي وأنا أجلس خارج إحدى عيادات الصحة الإنجابية في المخيم. لم أنتبه في بادىء إلى وجود فتاة صغيرة جلست قربي في الشمس خارج العيادة، فقد كنت مشغولاً بشاشة الهاتف، إلى أن اقتربت الطفلة منّي أكثر ونظرت معي إلى الشاشة. ابتسمت للصغيرة، فقد بدت لي بعمر ابنتي أو أصغر قليلاً وسألتها عن اسمها. «أنا ليلى، أنا من سورية. عمري 10 سنوات». سألتها إن كانت تذهب إلى المدرسة فأجابت بنعم، ما أراحني قليلاً، فأنا، على رغم سنوات طويلة قضيتها في العمل الإغاثي، إلا أنني ما زلت أتأثر كثيراً بموضوع آثار الحروب على الأطفال عموماً والطفلات خصوصاً، لا سيما في أثر الحرب المباشر على تسرب الأطفال من المدارس ومن ثم ضيق الأفق أمامهم بسبب قلة التحصيل العلمي.

سألت الصغيرة عن عائلتها وحياتها في المخيم فعلمت أنها الوسطى من بين خمسة أطفال، وأنها انتقلت من قريتها في ريف مدينة درعا في الجنوب السوري إلى الأردن هرباً من الحرب حين كانت في الرابعة من عمرها. وقد ولدت لها أختان منذ وصول العائلة إلى الزعتري. لا تتذكر ليلى الكثير من حياتها في سورية، إنما ذكرت لي جدتها وبعضاً من أطفال جيرانها هناك. بدت لي في صحة جيدة وبدت متأقلمة مع حياتها في المخيم. كيف لا وهي قد لا تعرف غير ذلك؟ إن كانت فعلاً قد انتقلت إلى هنا وهي طفلة في الرابعة، فقد اكتسبت معرفتها بما يحيطها هنا أيضاً، بين الخيم والعربات التي صارت بيوتاً لعائلات بأكملها.

«وماذا تريدين أن تصبحي حين تكبرين يا ليلى؟»، سألتها. أجابت أنها تريد أن تكون صحافية: «أنا ألتقي بكثير من الصحافيين هنا، هم يأتون إلى المخيم ويسألوننا أسئلة عن حياتنا وعن سورية. مثلك تماماً، هل أنت صحافي أيضاً؟»، سألتني.

أنا لست صحافياً، فأنا أعمل في صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهي الهيئة المعنية بالصحة الإنجابية والجنسية وتستهدف الشباب والشابات بمعلومات وخدمات حول هذا الموضوع. وأنا بالعلامة أجلس في مخيم الزعتري أمام عيادة تدعمها منظمتي ويعمل فيها أطباء وممرضات منذ عام 2012 بهدف توفير الرعاية اللازمة للنساء الحوامل. وقد تمت في هذه العيادة ولادة 8000 طفل من دون أي وفيات. لكن ليلى سرعان ما انشغلت عن شرحي بقطعة خشب كانت تلعب وتحفر بها حروفاً على الأرض الرملية.

«أتعرفين يا ليلى؟ أنا أعمل مع طفلات مثلك وأشجعهن على الاستمرار في الدراسة»، أقول لها. تفاجئني بجواب لا أتوقعه فتقول أنها تحلم بالخروج من المخيم إلى مدرسة للكبار، هي تقصد الجامعة، لكنها تعرف أنها سوف تتزوج كما تزوجت أختها التي تكبرها بثلاث سنوات.

أجد نفسي فجأة أقف في مواجهة الشيء الذي تدعو منظمتي إلى إنهائه: زواج القاصرات، فذلك انتهاك لحقوق الطفلة وفق قوانين حماية الأطفال الدولية. وها أنا أقف أمام طفلة تحلم بالدراسة والتحقق المهني، إنما تعلم سلفاً أن حلمها سوف يتحطم حين يرتطم بواقع العادات الاجتماعية، والتي زاد من وطأتها مُرّ اللجوء والضائقة المالية الملازمة له.

في اليوم الدولي للقضاء على العنف المبني على النوع، أقف حائراً أمام ابنة العشر سنوات، فهي أدرى بواقعها وأنا أدرى بفائدة أن تتعلم وتنتج وتستقل قبل أن تخوض تجارب الحياة والزواج والمسؤوليات. الطريق ما زال طويلاً في المنطقة العربية، فبين النزاعات التي مزقت المجتمعات وزادت من ضغطها على ما بقي من بنات ونساء، وبين المواريث الثقافية التي تقضي عموماً بتفضيل الذكور على الإناث، أسأل ليلى: «يعني إنت بدك تتجوزي وتصيري ماما؟»، فتجيب: «يمكن، بس أنا بدي روح على المدرسة وبدي اشتغل، متل الدكتورة لينا (الطبيبة التي تعمل في العيادة). هي قالت إنها درست وكمان متزوجة وعندها أولاد. أنا بدي كون مثلها».

ها هي ليلى الصغيرة تشرح لي بكلماتها البسيطة ما عجزت أنا نفسي عن أن أشرحه لها: للبنات حق في التعليم وحق في تحقيق ذاتهن ومن ثم قرار الإنجاب. ليلى الصغيرة تذكرني فعلاً بمعنى أن نوحّد الجهود من أجل إعطاء فرصة للبنات حتى يتعملن ويُحسنّ واقعهن. تحية إلى كل طفلة تتمسك بالدراسة والعمل والقرار. هذا حق وليس حلماً.

 

 

* مدير صندوق الأمم المتحدة للسكان للمنطقة العربية

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

أميركا: الصاروخ الحوثي على الرياض من صنع إيراني  |  بتوقيت غرينتشمقتل أكثر من 20 متطرفاً في جنوب سورية  |  بتوقيت غرينتشالمملكة تستنكر التفجير الانتحاري في الصومال  |  بتوقيت غرينتشالسعودية تدعو لإجراءات فورية لمحاسبة النظام الإيراني على أعماله «العدوانية»  |  بتوقيت غرينتشدمشق تعتبر أن دعوة دي ميستورا موسكو للضغط على النظام تقوض مهمته  |  بتوقيت غرينتشتخصيص بليون دولار لقتال «بوكو حرام» في نيجيريا  |  بتوقيت غرينتشالاتحاد الأوروبي يعتزم ترحيل مهاجرين من ليبيا خلال شهرين  |  بتوقيت غرينتشنائب الرئيس الأميركي يؤجل زيارته للشرق الأوسط  |  بتوقيت غرينتشهنية يدعو إلى تظاهرات «غضب» أسبوعية  |  بتوقيت غرينتشالإعدام لثلاثة من «الإخوان» دينو باغتيال نجل قاض في مصر  |  بتوقيت غرينتش