|   

زياد عبدالله يصوّر عبثية الحرب

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: عزت عمر 

لعلّ الشاعر والروائيّ السوري زياد عبدالله أراد أن يتحدّى نفسه ويتجاوز ذاته كروائي وشاعر، إن لم نقل يتحدّى أنداده ممن كتبوا روايات عن ثورات «الربيع العربي»، فقدّم لقارئه نصّه البديع «كلاب المناطق المحررة» (دار المتوسط). يمتاز العمل بلغة ساحرة وخيال فائق توشّى بأسلوب ما بعد حداثي مبتكر حقق ما اصطلح النقاد عليه بـ «شعرية الرواية» لغةً وإخباراً وثقافة بصرية أحالت الحكاية إلى نصوص أو مشاهد متناغمة متصلة ومنفصلة في آن، فلا يعرف القارئ من أين تبدأ أحداثها وأين ومتى تنتهي، وإنما أشبه بشريط سينمائي شغّال من دون توقّف. تدخل الصالة وتتفرّج على أحداث قد تكون رأيتها للتوّ في الحيّ أو الشارع الذي تقطنه، بل ربّما رأيتها معروضة ومكررة في التلفزيون، عن قصف متواصل بالراجمات والطائرات على أنواعها، بالصواريخ المجنّحة منطلقة من بارجات (أبو علي بوتين) أحياء مهدّمة بالكامل وشوارع محفّرة وقتلى تنتشر جثثهم في المكان وكلاب شاردة ومهجّرين ينطلقون إلى المجهول في نلك المناطق التي كانت تسمّى بلاداً، يحتلّها الجنود والدواعش وأمراء الحرب الآن. حواجز وقنّاصة يقتلون الناس بادعاء الحرص على حياتهم، فيغدو من المستحيل اجتيازها ما لم تكن شبحاً حقيقياً: «الجنود ينظرون إلى السماء، يدعوني أمرّ من دون أن ينظروا إليّ. توقّفتِ القذائف، «الميغ» على عُلُوّ منخفض، تُرجِّفُ الأرض، تفتكُ بالهدوء، واحدة، اثنتان، ثلاث. بَدَتْ كما لو أنها ترافقني، تُحرِّضني على أن أزيدَ من سرعتي».

 

طيور قماشية

شخصيات الرواية حاضرة أبداً عبر ساردٍ متماهٍ بمرويّه، هو بدوره شاهد وضحية، يقدّم باستمرار، ومن دون انقطاع، حكاياته ضمن فصول معنونة (مونولوغ، كلاب، قبر مفتوح، كرات التنس المستطرقة...). هكذا نلتمس الشخصيات ذاهبة وآيبة في زمان قريب يمكن أن يكون الروائي عايشها بنفسه أو أننا عشناها نحن. ربّما هي شخصيات كانت بيننا حتّى وقت قريب مثل إبراهيم عازف البيانو وحسّان ونجدت ونجوى وهدى؛ هدى التي قُتلت ثم طار العصفور القماشي المخيط إلى ثوبها، ليرافق القارئ رحلة القراءة الممتعة لحبيبين تجمع بينهما طيور قماشية قد تغدو رمزاً للحرية المغدورة بعدما أرداها قنّاص، أو علامة لحبّ جمع بين حبيبين في هذا الظرف الاستثنائي: «أقسم بأنه طار من ثوبها حين تعرّت، وبقي يحوم قرب السقف وأنا أتلقّط مساماتها».

ومثل شبح نجدت الذي لا نعرف من أين جاء ولماذا، ثمّ ما دوره في هذه الرواية الذاهبة في العبث واللامنطق منذ بدايتها وحتّى منتهاها، عبث وحشي مستمدّ من الواقع، ولا بدّ في مثل هذه الحال من التعبير عنه بلغة وخيال يوازيانه من حيث الفانتازيا المدهشة لأحداث نقرأها كما لو أننا مازلنا حاضرين في الفيلم السينمائي نفسه.

 

كائن نبّاح

نفى إبراهيم عازف البيانو أن يكون من سكن داره كلب وإنما «كائن نبّاح»، وربّما من هذه اللحظة السردية يدخل الروائي نحو بوّابة «كلاب المناطق المحررة» المشرعة والغامضة إلى حدّ المباشرة المؤدلجة. لكنّ الأمر في حقيقته ليس محدداً بكلاب بعينها أو بمنطقة محددة، فالعبارة شاعت كثيراً وتباهى بها المتقاتلون وأنصارهم من الطرفين، وقد غزتهم أو استوطنتهم «نزعة» أو «حمّى» أو ربّما مرض غامض اجتاح المناطق كلّها بعدما استفحلت الحرب وتخندقت الناس هنا أو هناك، فتسرّبت الكلاب من أثير الإذاعة ووسائل الإعلام على حدّ تعبير الشارد: «يُحكى أن كلّ مَن استمع إلى الراديو حينها نالَهُ من الكلاب نصيبٌ، وصار كل كلب يركب موجة قصيرة أو طويلة عبر الأثير، ليصلَ إلى مستمع على هيئة ذبذبة، فيسكنه، وكانت وتيرةُ عواء كل كلب من الكلاب مرتبطةً بما يرغبه المستمعُ من الحياة».

وهذه «الحمّى» قد تشبه حالة السعار التي تسببها الحيوانات المريضة بـ «داء الكَلَب» فلا يهدأ عواؤها لحظة، تهاجم الناس وتصيبهم بعدواها. قد نذكر هنا أفلام «الزومبي» السينمائية التي ينهض فيها الموتى لقتل الأحياء أو من تبقّى منهم، والأمثلة التي يوردها الروائيّ كثيرة عن «الزومبي» النبّاحين! «إنها في كل مكان، تتخاطف كلّ ما تقع عليه، تتسافح في الأبنية المهدّمة والردم والخرائب والمجارير المفتوحة. على أسطح الأبنية الناجية، في الشوارع والأزقّة، تعضّ وتنهشُ الأحياءَ والأموات».

عن القناص أبو المجد الذي تنتابه الحمّى الكلبية كلّ حين فلا يهدأ حتّى يملأ المعبر جثثاً لعابرين من بسطاء الناس، يغريهم بكلّ دناءة برمي بعض الأطعمة ليلتقطوها فيصطادهم، وينافسه في الطرف الآخر قنّاص يلقّب بـ «ميسي» اللاعب المشهورـ وعن الصبيين نجوان وبرهان اللذين فقدا أمّهما منذ عشرين يوماً ولا يعلمان أنها قتلت، وهما الآن عالقان في جوف حافلة في الطريق بانتظار من يخلّصهما. طفلان في الخامسة والسادسة أصاب أحدهما القناص في رجله، وكانا يظنان أن بوسع ألعابهما التي في المنزل إنقاذهما: «كان نجوان مطمئنّاً على البيت حين فارقه، فهو بحماية ألعابهما، ولم يقبل توسّلات برهان بأن يحضرا معهما سبايدرمان وباتمان، فهو كان على قناعة مطلقة بأن «دبدوباً» وردياً وحفنة عساكر بلاستيكية لن يستطيعوا الدفاع عن بيتهما، وقال لبرهان بحزم: يجب أن يبقى السوبر هيروز في البيت. وقال في نفسه إنهم الوحيدون القادرون على حمايته، وليكتشفَ، حيث هو قابع الآن، بأنه كان على خطأ، وأنه بمساس الحاجة لسوبر هيرو أو أيّ بطل خارق، ليُنقذه وأخاه.»

هذا غيض من فيض الحكايات عن رحلة الشقاء اليومية للشخصيات برفقة الموت. تموت في قصف أو قنص، تموت انتحاراً من اليأس الضاري، ثمّ تعاود أشباحاً أو عبر ذاكرة السارد غير المنظمة، والسارد بالمناسبة شاعر يلحّن إبراهيم قصائده وتغنيها نجوى وهدى في المستشفيات للجرحى والمصابين. ولانّ الروائي أيضاً شاعر ومهتمّ بالسينما، فلا غرابة أن نلتمس بحثاً جمالياً في بلاغة الاستعارة وبراعة توظيف المفارقة غير المتوقعة لترتقي بالنصّ إلى مستوى عالٍ من الشعرية الني لابدّ أن تمسك بتلابيب قارئها فلا تتركه لحظة حتّى تنتهي أحداثها. «أعدتُ تشغيل موسيقا باغنيني، الكمان يحزّ رأسي، كما لو أن عصاه مغروزة فيه، وهي تمضي جيئة وذهاباً، فيخرج اللحن. ما من شيء جنائزي، ما من معنى في أن تكون موسيقا الكمان الشّاقّة آخر ما سمعه في حياته. هل الموت نزوة، يا إبراهيم؟»...

عن تولستوي وبيكاسو وشولوخوف المبدعين الكبار الذين أدانوا الحرب في أعمالهم العظيمة طوعاً لا كراهة ( «الحرب والسلام»، «الدون الهادئ، غارنيكا»). وعن شباب الرواية والمسرح في الخمسينات والستينات الذين شهدوا وخبروا آثار الحرب الفظيعة ومدى انعكاسها على حياة الناس: كافكا وكامو وبيكيت ويونسكو وكلّ ذلك الازدحام عن فلسفة الانتظار والإشارات باتّجاه «غودو» المخلص الذي لايأتي.

في رواية زياد عبدالله ليس ثمة مخلّص أو «غودو»، وإنما يأس ثلجي كلّي أغلق المنافذ والأبواب ثمّ هدّم بناية البجعة وأغلق الحارات بالحواجز والقناصات ولن تستطيع المرور ما لم تكن شبحاً يعود إلى الحياة كلّما عصفت به الأشواق كحال سارد الرواية وهدى وطيورها القماشية وسلّمه الموسيقي. «أخرجتْ من جيبكَ منديلاً مرسوماً عليه سلّم موسيقيّ، نظرتْ إليه، ثمّ مسحتَ دموعها. دنوتَ منها أكثر، قبَّلتَها، همستَ في أذنها مشيراً إلى المنديل المبتلّ بين يَدَيْها: - اصعدي هذا السّلّم الموسيقي! إيّاكِ أن تنظري إلى الأسفل»، وهذا ما بوسع الروائي فعله.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

مقتل صحافي بالرصاص أثناء بث مباشر في نيكاراغوا  |  بتوقيت غرينتشوفاة «عميدة سن البشرية» المفترضة عن 117 عاماً في اليابان  |  بتوقيت غرينتشوفاة الممثل الأميركي القصير القامة فيرن تروير عن 49 عاماً  |  بتوقيت غرينتشالنائب العام المصري يأمر بحجب «الحوت الأزرق»  |  بتوقيت غرينتشوفاة نائب أردني وزوجته و3 من أبنائه في حادث سير  |  بتوقيت غرينتشوفاة فتاة وإصابة 12 شخصا نتيجة عاصفة في موسكو  |  بتوقيت غرينتشناتالي بورتمان ترفض تسلم جائزة في إسرائيل  |  بتوقيت غرينتش«آبل» تعرض استبدال بطاريات بعض أجهزة «ماك بوك برو»  |  بتوقيت غرينتشتشريح جثمان فادي البطش غداة اغتياله في ماليزيا  |  بتوقيت غرينتششيكات بـ5 آلاف دولار لركاب طائرة انفجر محركها أثناء الرحلة  |  بتوقيت غرينتش