|   

باعة الكتب القديمة على ضفّتي نهر السين... إلى انحسار

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: باريس - عبده وازن 

زائر الحي اللاتيني في الدائرة الخامسة من باريس لا تكتمل زيارته ما لم ييمّم شطر ضفتي نهر السين، ويقصد «باعة» الكتب القديمة بصناديقهم الخضر وخيماتهم الصغيرة التي تحميهم في الشتاء من وابل المطر. هؤلاء الباعة لا يشكلون فقط حيّزاً حيّاً من مشهد الحيّ اللاتيني المعروف بـ «فضاء» الثقافة والأدب والنشر والفن على رغم ما طرأ عليه من «تحديث» تجاري أو استهلاكي، وإنما أيضاً رمزاً من رموز «السياحة» الثقافية الفرنسية. لكنّ باعة الكتب القديمة الراقدة في الأكشاك وداخل الصناديق يعانون اليوم أزمة قد تهدد مهنتهم التقليدية أو التراثية هذه نتيجة غزو الإنترنت قطاعَ بيع الكتب القديمة والتذكارات، ودخول «شبكات» تجارية هذا الميدان عبر طرق حديثة، عطفاً على تراجع حركة الشراء اليومي.

يمثل هؤلاء الباعة جزءاً من هويّة باريس، وإذا حصل أن غابت مكتباتهم الفريدة والثرية التي تمتد مسافة ثلاثة كيلومترات في الهواء الطلق، من جسر ماري إلى رصيف فرانسوا ميتران، ومن رصيف تورنيل إلى رصيف فولتير، فهي ستترك أثراً سلبياً في ذاكرة باريس العريقة وفي مشهديّتها الثقافية المتنوعة. ولا تكمن فرادة هذه الأكشاك فقط في كونها تضع في متناول الزوار كتباً قديمة ونادرة، بعضها يعود إلى عصر الاستشراق وزمن الرحلات التي كان يقوم بها الرسامون الغربيون إلى الشرق، بل في تمثيلها طقساً من طقوس بيع الكتب وتقليداً بات نادراً. وفي أحيان، يمكن أن يقع الزائر على كتب ثمينة وتحف صغيرة لا تتوافر في أي مكتبة أو محل قديم.

وزائر هذه «السوق» المفتوحة خلال فترة الأعياد، يلاحظ كيف يجتاح السياح ضفّتي السين غير مبالين بالبرد والمطر، ويتزاحمون على الأكشاك والصناديق ورفوف الكتب. لكنّ هذا الإقبال السياحي لا يعني أن وتيرة الشراء ترتفع، وأن هذه المهنة في حال ازدهار. ففي الأعوام القريبة الماضية، اضطرّ هؤلاء الباعة إلى التوجّه نحو قطاع بيع التذكارات في المدينة، فراحوا يعرضون حاملات مفاتيح مع تمثال برج إيفل أو أقفالاً تذكاريّة للعشّاق الذين يقصدون «الجسر الجديد» أو «البون نوف» ليعلقوا تلك الأقفال مع نيّات أو إضمارات. وباتت هذه السلع تنافس الكتب في أحيان.

لم يكن مشهد باعة الكتب على ضفتي نهر السين جديداً أو طارئاً، فمنذ قرون عدة يُضفي باعة الكتب القديمة طابعاً سحرياً على العاصمة الفرنسية، ويستقطبون يوميّاً كثيراً من السيّاح. وهذه المهنة التي يقال إنها مهّدت لمهنة الناشرين وُجدت منذ القرن السادس عشر، وأصبحت إحدى معالم المدينة، شأنها شأن مونمارتر وكاتدرائية نوتردام والبانتيون، وسُجّلت في قائمة «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (يونيسكو) لمواقع التراث العالمي عام 1991. وفي عام 1900، تمّ إحصاء مئتي بائع كتب في العاصمة. واليوم، بعد مرور أكثر من قرن، لا يتعدى عدد باعة الكتب القديمة في باريس الأربعين، وهم يملكون نحو ألف صندوق لما يقارب 300 ألف كتاب.

واللافت أن باعة الكتب مضطرّون إلى فتح أكشاكهم أربعة أيّام في الأسبوع على الأقل، إلا عند هبوب العواصف. وإذا صادف باعة الكتب ظروفاً قاهرة، فعليهم إعلام بلديّة باريس خطيّاً برغبتهم في أخذ إجازة.

واضح أن هذه المهنة تشهد الآن حالاً من عدم الاستقرار، وهذا ما جعلها تقتصر على الباعة الحقيقيين وليس الهواة، وهؤلاء هم على علاقة متينة بزبائنهم ويسعون إلى أن يقدّموا إليهم جزءاً من التراث الأدبي الفرنسي. ويستقطب هذا المعرض الأدبي والثقافي في الهواء الطلق، زائرين يبحثون أيضاً عن النوادر، مثل بطاقات بريد قديمة، ومخطوطات ومجلات عتيقة. لكن بعضاً من الزبائن يقصد الأكشاك أيضاً توقاً أو رغبةً منه في التعرّف إلى هؤلاء الباعة ومحاورتهم والاستماع إلى طرائفهم الممتعة التي يُجيدون سردها للزائرين.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

مقتل صحافي بالرصاص أثناء بث مباشر في نيكاراغوا  |  بتوقيت غرينتشوفاة «عميدة سن البشرية» المفترضة عن 117 عاماً في اليابان  |  بتوقيت غرينتشوفاة الممثل الأميركي القصير القامة فيرن تروير عن 49 عاماً  |  بتوقيت غرينتشالنائب العام المصري يأمر بحجب «الحوت الأزرق»  |  بتوقيت غرينتشوفاة نائب أردني وزوجته و3 من أبنائه في حادث سير  |  بتوقيت غرينتشوفاة فتاة وإصابة 12 شخصا نتيجة عاصفة في موسكو  |  بتوقيت غرينتشناتالي بورتمان ترفض تسلم جائزة في إسرائيل  |  بتوقيت غرينتش«آبل» تعرض استبدال بطاريات بعض أجهزة «ماك بوك برو»  |  بتوقيت غرينتشتشريح جثمان فادي البطش غداة اغتياله في ماليزيا  |  بتوقيت غرينتششيكات بـ5 آلاف دولار لركاب طائرة انفجر محركها أثناء الرحلة  |  بتوقيت غرينتش