|   

حلب التي في روايات الجدّات ... «قدس» أخرى ضائعة

أحد شوارع حلب القديمة . (الحياة)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: حازم درويش 

طيلة الأسبوع الماضي، وكلما استيقظت في ساعة الذئب التي أمرّن فيها الأحلام والكوابيس جميعها، أراني عائداً لأقف إلى جانب الخزانة الحجرية في الغرفة الشتائية في بيت جدتي القديم في حلب. الخزانة على صغرها تتسع لتلفاز ملون صغير وتشيكلة خيطان وإبر من عدة جدتي للخياطة وعلبة بسكويت أو شوكولا ملونة وألبوم صور وتفاصيل أخرى مسدل عليها قماش أبيض مخرّم لا يرفع إلا حين نجلس في مساءات الشتاء معاً وأنا في حضن الجدّة لنشاهد التلفاز، أو غالباً لنسمع قصص وحكايا جدتي التي لا تنتهي عن حلب وعن ناسها.

جدتي تروي حلب، وأنا أعيد بعيني الطفل تشكيل المدينة كما ترويها هي، وأروح أقارنها بحلب الأخرى التي أعيشها بين المدرسة والبيت والحواري. دائماً كانت حلب جدتي أجمل، ترويها جدتي بجمال وأسف فأروح أتمنى لو أنني عشتها أنا أيضاً في ذلك الزمن، قبل أن يتسع الفارق بين حلب الجدّة وحلب أيامي أنا، وكلمّا كبرت أكثر راح الفارق يتسع أكثر. ومهما حاولنا وأهلنا التمسّك بحلبنا وبتفاصيلها الأصيلة بمعية روايات الجدّة وعاداتها لم يمنع عنا الشعور من أنّ حلب تذهب من أيدينا كل يوم أكثر.

حلب لا تفارقني الآن أبداً وأراها في تفاصيل كلّ ما أعيشه حولي، لكن لماذا فقط هذا الأسبوع أستيقظ كل ليلة على ذكرى تلك الخزانة الحجرية التي لربما أصبحت أثراً بعد عين؟ هي القدس! فبعد قرار ترامب الأخير الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، امتلأت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي العربية بمشاعر الحزن والغضب لهذا القرار، وتأسّف كثيرون لحال البلاد العربية وضياع هذه المدينة المقدسة منهم واندثار حقوقهم وتاريخهم فيها. لكنني تفاجأت بأنني وعلى عكس الآخرين، لم أشعر هذه الأيام بأي شيء لا اتجاه القرار ولا اتجاه المدينة المقدسة. بل على العكس من ذلك وبعد توالي الموجة الغاضبة زمناً طويلاً وبخاصة من سوريين يفترض أنهم خسروا الكثير، ما يمكن أن يغضبوا ويحزنوا لأجله في الأعوام الأخيرة، وجدتني أتساءل: ماذا عن حلب التي دُمرت ونُسيت على مدار عقود إلى أن هزمت هزيمتها الأخيرة قبل عام، وباتت بالكامل إلى تاريخها وناسها وثقافتها في وضع أسوأ بكثير من وضع القدس وتحت احتلال زمرة طائفية غريبة عن المدينة تضاهي الاحتلال الإسرائيلي قسوة واستباحة.

ووجدتني أعود إلى تلك الخزانة الحجرية البعيدة في حلب المليئة بتفاصيل ثقافتنا التي جهد النظام السوري وعلى مدار أكثر من أربعين عاماً على تدميرها وطمسها بشتى السبل مانعاً وصول أي حلبي تقريباً إلى أي منصب عام. أعود إلى الخزانة وإلى جدتي بجانبها وهي تعلمنا تاريخاً منع عنا في المدارس، تاريخ المدينة وأعلامها وأسرارها، ليتم عوضاً من ذلك تلقيننا في مدارس النظام ووسائل إعلامه ليل نهار عن القدس والقضية وتحرير فلسطين، فنضيع أكثر ونفقد هويتنا الأصلية التي راحت تنميها جدتي فينا وتحرسها بخوف وحذر. كانت جدتي تخبرنا كل ما منع عنا عن أيام الثمانينات السوداء في حلب وعن رجال النظام ينتهكون حرمات البيوت ويسرقونها ويقتلون ويخطفون في الشوارع وعلى الأسطح بحجة القضاء على جماعة «الأخوان المسلمين» ولكن الغاية كانت كسر المدينة وناسها مرة وإلى الأبد، وهو ما تمكنوا منه فعاشت المدينة ذليلة خائفة، توصي أطفالها كما جدتي بحفظ التاريخ في القلب وعدم التجرّأ بأي لفظ في وجه نظام لا يرحم إلى أن جاءت الحرب الأخيرة ليتمكن النظام من هد المدينة على رؤوس أهلها وتهجيرهم والسيطرة على المدينة قبل عام باحتلال كامل لم يعد يرده شيء.

لقد حرمنا في حلب في الماضي كما الآن حتى من حقنا في أن نقول أننا محتلون، وأننا نريد مقاومة هذا الاحتلال عن مدينتا وثقافتها، القصة أكبر بكثير من قصة نظام مستبد وشعب محكوم، في حين يبدو من السهل جدا أن يتم تعبئة السوريين والعرب بين الحين والآخر للتظاهر والغضب في وجه احتلال واحد هو الاحتلال الإسرائيلي ومدينة واحدة هي القدس. وعلى حين تبدو القدس بعيدة، فإن حلب قريبة جدا حتى وهي نائمة تحت احتلال غريب، تماما كتلك الخزانة الحجرية وتفاصيلها، وسنظلّ نروي كل حكايا جداتنا إلى أن تعود المدينة لنا ولأهلها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

«ذي شيب أوف ووتر» يتصدر ترشيحات «أوسكار»  |  بتوقيت غرينتشكيفن سبيسي يكبد «نتفليكس» خسائر بـ39 مليون دولار  |  بتوقيت غرينتشزلزال بقوة 8.2 درجة يضرب قبالة ألاسكا  |  بتوقيت غرينتشمقتل 22 شخصا بانفلونزا «اتش 1 ان 1» في الإكوادور  |  بتوقيت غرينتشاتهامات جديدة لممرض ألماني بقتل 97 شخصا  |  بتوقيت غرينتشإغلاق محطة سكك حديد وإخلاء فنادق بعد تسرب غاز في لندن  |  بتوقيت غرينتش70 مليون شخص يعانون في عشر أزمات إنسانية يتجاهلها العالم  |  بتوقيت غرينتشالولايات المتحدة تحظر نقل الشحنات من مطار القاهرة  |  بتوقيت غرينتشثروات 42 بليونيراً تزيد عما يملكه نصف سكان العالم  |  بتوقيت غرينتشطوكيو تحذر من تساقط كثيف للثلوج للمرة الأولى منذ 4 أعوام  |  بتوقيت غرينتش