|   

حب وكراهية ... علاقة بريطانيا مع يوم الأحد

مجمع تجاري في لندن. (الحياة)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: لندن - منال لطفي 

في مطلع العام 1986 كانت قضايا كثيرة تشغل بال الناخب البريطاني، التباطؤ الاقتصادي، الإضرابات العمالية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي. لكن قضية واحدة حرّكت المشاعر وأثارت الرأي العام أكثر من أي قضية أخرى وهي تعديلات قانونية تسمح بفتح المتاجر والمحلات يوم الأحد، ما أجبر رئيسة الوزراء آنذاك مارغريت تاتشر على تجنّب الخوض فيها خلال حملة الانتخابات العامة.

كانت الغالبية العظمى من الرسائل التي تصل إلى مقر الحكومة في «10 داوننغ ستريت» محمّلة بالغضب العارم، وتتضمّن كلها رسالة أساسية مفادها: يوم الأحد للعبادة والراحة والبقاء في المنزل مع الأسرة. لا تفسدوا علينا هذا اليوم.

تخوفات كثيرين كانت من أن فتح المحلات التجارية والأسواق يوم الأحد سيترتب عليه أكثر كثيراً من مجرّد الازدحام المروري أو التأثير على عادات العبادة الدينية، بل تغييرات جذرية في العادات الشرائية، وثقافة الترفيه، والعلاقات الأسرية وقضاء أوقات الفراغ.

وهو ما كان، إذ تعيش بريطانيا اليوم مع التداعيات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لهذا القرار، الذي لا يزال يُشعل الجدل السياسي والرأي العام مع مقترحات جديدة بزيادة ساعات العمل يوم الأحد، إلى أكثر من 6 ساعات.

ولم يقتصر الجدل الحاد حول تغييرات قوانين التجارة يوم الأحد في نهاية ثمانينات القرن الـ20 على الرأي العام البريطاني، بل أن حكومة تاتشر نفسها انقسمت في شكل حاد بين مؤيّد ومعارض.

وفي وثائق عن آخر سنوات تاتشر في الحكم، رفع عنها الأرشيف البريطاني السرية مطلع 2018، تشير مذكرة سرية داخلية كتبها المستشار السياسي لتاتشر، هارتلي بوث، كيف أن العاملين في «10 داوننغ ستريت» كانوا يغرقون في رسائل اعتراض تصل حتى أقدامهم من الجمهور الغاضب، وصل عددها إلى نحو 33 ألف رسالة».

كانت مهمة بوث مطالعة تلك الرسائل لمعرفة المزاج العام حيال توجّه الحكومة تخفيف القيود على فتح المحلات والأسواق يوم الأحد. وكان بوث شخصياً معارضاً شرساً للخطوة، وحذّر رئيسة الوزراء من أن تصميم الحكومة على تنفيذها يضر بسمعة تاتشر السياسية. كما اقترح حلولاً وسطى، محذّراً تاتشر من أنها «تلمس عصب حساس هو يوم الأحد».

فمعارضو التعديلات كانوا كثيرين وأقوياء، وعلى رأسهم الكنيسة لأسباب دينية تتعلّق بأنه يوم للعبادة. والنقابات العمالية لأسباب قانونية تتعلّق بحقوق العمال. وكثر من أصحاب المحلات لأسباب اقتصادية تتعلّق بشكوكهم في أن فتح المحلات في هذا اليوم لن يُدر من الأرباح ما يكفي لتغطية التكاليف واستقدام العاملين يوم الأحد برواتب مضاعفة.

فيما كان مؤيدو التغيير يدافعون عنه من منطلق أن «من حق كل شخص اختيار كيف يقضي يوم الأحد»، فغالبية الشباب على سبيل المثال كانت داعمة للخطوة. لكن الأهم أن محلات كبيرة كانت مع قرار العمل يوم الأحد. وعلى رغم تصويت مجلس العموم ضد قرار التجارة في هذا اليوم (كانت أول هزيمة لتاتشر في مجلس العموم)، إلا أن محلات كثيرة فتحت أبوابها على أي حال، على رغم تعرّضها لغرامات مالية من السلطات المحلية.

لكن بحلول العام 1991 كان حزب المحافظين أطاح تاتشر. وكانت محلات كثيرة بدأت العمل يوم الأحد، وتوقفت السلطات المحلية عن فرض غرامات، وقبلت حكومة المحافظين الجديدة بزعامة جون ميجور بالأمر الواقع، ما ساعد مجلس العموم على أن يحسم أمره ويقر في عام 1994 «قانون التجارة يوم الأحد»، الذي نص على فتح المحلات والمتاجر 6 ساعات في هذه اليوم، ما غيّر تقاليده في بريطانيا على نحو جذري وغيّر معه عادات اجتماعية وملامح اقتصادية وثقافية كثيرة.

هكذا بات يوم الأحد هو يوم التسوق الرئيس. وتشير آخر الإحصاءات من «المسح الاجتماعي البريطاني»، إلى أن 53 في المئة من البريطانيين يتسوّقون في هذا اليوم. كما أصبح خلاله التسوّق عبر الإنترنت يسجل أعلى نسبة مقارنة ببقية أيام الأسبوع.

كذلك تغيّرت العادات الاجتماعية في شكل كامل. فبعدما كان لهذا اليوم قيمة رمزية كبيرة باعتباره يوماً دينياً عائلياً، يبدأ بالذهاب إلى دور العبادة، ثم العودة إلى المنزل لتحضير وجبة عائلية والمكوث أمام التلفزيون، تحوّل إلى يوم أساسي... لمغادرة البيت، فقد تغيّر مفهوم الناس عن يوم الإجازة.

ومع أن قانون التجارة يوم الأحد أثار عند إقراره عام 1994 صدمة كبيرة لدى كثيرين، إلا أن استطلاعات الرأي العام البريطاني توضح اليوم أن القرار بات شعبياً جداً، وكثر أصبحوا يعتبرون تمضية اليوم في المنزل نوعاً من العقاب. وبالنسبة إليهم منحهم خيار البقاء في المنزل أو التسوّق والتبضّع في المحلات والمتاجر، فكان قراراً صائباً، سيما وأن التسوّق بات نوعاً من «الأنشطة الترفيهية».

وباتت المراكز التجارية وسط المدينة جذابة أكثر من دور العبادة أو مراكز الترفيه الأخرى مثل النوادي الرياضية أو المتاحف مثلاً.

بعبارة أخرى، باتت أماكن تمرّكز المتاجر الكبرى وانتشارها هي القلب النابض لوسط المدينة، ومركز اللقاء والحركة والتجارة.

لكن القرار كان مكلفاً أيضاً، فالتسوق بات إدماناً لكثر ما أدى إلى تضاعف ديون البريطانيين الشخصية في شكل لا سابق له.

ووفق الإنفاق والاستهلاك، يقاس الاقتصاد الوطني ومزاج المستهلكين والثقة في الاقتصاد. وأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تقل الثقة في الاقتصاد وبالتالي تتقلّص معدلات الاستهلاك، فهذا يوصف بـ «ركود»، ولتجنّبه عليك الإنفاق والاستهلاك أكثر. وتفعل الدولة والمتاجر كل ما في وسعها لضمان صيرورة ذلك النموذج.

لكن محلات ومتاجر كبرى كثيرة جداً، لا تتمكن من جذب المستهلكين. ومن يفشل يعاني من تباطؤ المبيعات، وهذا خطر اقتصادي آخر يهدد بأزمة مالية.

فمبيعات متاجر كبرى خلال موسم أعياد نهاية العام كانت منخفضة لدرجة أن الاقتصاديين يحذرون حالياً من أزمة ديون جديدة للقطاع التجاري، وسط مخاوف على متجر «هاوس أوف فرزر» الضخم بفروعه الهائلة الذي يواجه تراجعاً في المبيعات.

كما أن دخول المتاجر الكبرى على خط العمل يوم الأحد أثّر سلباً على المحلات الصغيرة التي يمتلكها أفراد، بحيث فقدت ميزتها التنافسية، لأنها لم تعد تحتكر التجارة في هذا اليوم، وأدّت منافسة المتاجر الكبرى إياها إلى تراجع عددها بنحو النصف.

بلدان أوروبا الشرقية كلها وأخرى غربية، منها ألمانيا وفرنسا واليونان وإيطاليا، رفضت السير على خطى بريطانيا في السماح بفتح المحلات التجارية والأسواق يوم الأحد على مدار السنة (تسمح غالبيتها بفتح المحلات يوم الأحد مرات معدودة طوال العام غالباً في مواسم الأعياد). وفي نظر كثر تحوّلت بريطانيا إلى «أمة متسوقة 24 ساعة في اليوم على مدار الأسبوع». ويتم تبادل النكات حول «خوف الأجانب من تمضية يوم الأحد في بريطانيا خوفاً من حشود المتسوقين».

وربما هناك مبالغة في الوصف، لكن الشيء المؤكد أن بريطانيا تغيرت جذرياً بسبب ذلك القرار. وهل تغيرت إلى الأسوأ أم إلى الأفضل، يبقى موضع جدال كبير لن ينتهي قريباً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

الولايات المتحدة تحظر نقل الشحنات من مطار القاهرة  |  بتوقيت غرينتشثروات 42 بليونيراً تزيد عما يملكه نصف سكان العالم  |  بتوقيت غرينتشطوكيو تحذر من تساقط كثيف للثلوج للمرة الأولى منذ 4 أعوام  |  بتوقيت غرينتشوفاة 7 أطفال إماراتيين من أسرة واحدة في حريق  |  بتوقيت غرينتشالأميرة البريطانية يوجيني ستتزوج «حبيبها» هذا العام  |  بتوقيت غرينتشمقتل 13 بسقوط حافلة في وادي في كولومبيا  |  بتوقيت غرينتش«جومانجي» يواصل تصدر إيرادات السينما في أميركا الشمالية  |  بتوقيت غرينتشانطلاق خدمة الجيل الثالث للهواتف النقالة في الضفة الغربية الثلثاء  |  بتوقيت غرينتش«سمبوزيوم أسوان» للنحت يجذب فنانين من جورجيا وأوكرانيا والهند  |  بتوقيت غرينتشإنسان غاب مهدد بالانقراض في إندونيسيا تعرض لإطلاق نار  |  بتوقيت غرينتش