|   

دائرة الفقر العربي «مرسومة» على شكل وجه طفل

دائرة الفقر العربي «مرسومة» على شكل وجه طفل. (الحياة)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: القاهرة – أمينة خيري 

الصراعات المسلحة التي تعصف ببلدان عربية عدة أسفرت عن كلفة إنسانية ضخمة. أعداد لا سابق لها من حالات النزوح واللجوء داخل المنطقة وخارجها، حتى صار نصف لاجئي العالم عرباً. مدن دمّرتها الحروب تحتاج إلى بلايين الدولارات لإعادة التعمير حال توقّف الحروب فيها. والنتيجة مزيد من التردّي وضغوط اقتصادية خانقة على من بقي على قيد الحياة وفي داخل البلاد من المواطنين العرب، إذ بات فقرهم متعدد الأبعاد.

«الفقر متعدد الأبعاد» عنوان التقرير العربي الصادر قبل أيام عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) ومنظمة «يونيسيف» وجامعة أوكسفورد ومنظمات أخرى، بمبادرة من مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية العرب. الفقر المتوغّل والآخذ في الظهور في أشكال متعددة لا سابق لها عربياً، من شأنه أن يعيق أي جهود تنمية. فما تعيشه البلدان العربية من أزمات سياسية وأمنية، واستفحال ظاهرتي التطرّف والإرهاب وما يرتبط بهما من ممارسات لا إنسانية وصراعات مسلّحة وحركات نزوح وهجرة غير شرعية، تمثل عقبات كبرى أمام تحقيق التنمية ومواجهة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية.

والتراث العربي حافل بتعريفات بليغة للفقر. ويشير التقرير إلى أن المفكرين العرب عرفوا الفقر قبل ظهور النظم الأكاديمية الحديثة. فإبن خلدون ميّز بين ثلاثة أنماط بنائية للمجتمع. فهناك «الضروري» أي اقتصاد الكفاف، و «الحاجي» و «الكمالي». ويشرح بعض ملامح الفقر مثل تلاصق الجدران، وتطامن البنيان وعدم الفواصل بين المساكن، وهي الملامح التي تتطابق وفقر العرب الحالي.

وعلى رغم أن الفقر ليس حكراً على المنطقة العربية، إلا أن تأخّر التنمية فيها أدى إلى حالة من التراجع الاقتصادي والفكري نتج عنهما تداعيات أهمها هشاشة النسيج المجتمعي، ما أتاح المجال لتفشّي الأفكار الهدامة بين كثر من أبناء هذه المنطقة، لا سيما الشباب.

ويتناول التقرير الفقر متعدد الأبعاد على المستوى الأسري في 10 بلدان هي: الأردن، تونس، الجزائر، جزر القمر، السودان، العراق، مصر، المغرب، موريتانيا واليمن. وأضيفت فلسطين في تحليل الفقر الخاص بالأطفال، سيما وأنها تشهد زياد كبيرة ومطردة في معدلات الفقر ترتبط بظروف اجتماعية واقتصادية متدهورة ناجمة عن استمرار الاحتلال الإسرائيلي وممارساته وقيوده المفروضة على التنقّل والسيطرة على الأرض، التي تعدّ من أبرز موارد الرزق.

وخلصت الدراسة إلى أن الفقر متعدد الأبعاد منتشر على نطاق واسع في البلدان العشرة، فهو يؤثر على أكثر من 4 من كل 10 أسر وأطفال. فحوالى 1.5 في المئة من الأطفال في هذه البلدان واقعون في الفقر، و3.29 في المئة منهم واقعون في الفقر المدقع، وربع السكان معرّضون للوقوع في دائرة الفقر الأسري.

كما أن توزيع الفقر في هذه البلدان غير متساوٍ على الأماكن كلها، إذ تظهر اختلافات شاسعة بين المناطق الريفية والحضرية، وبين المحافظات. وعموماً، فإن المناطق الريفية والأسر التي يعيلها شخص غير حاصل على نسبة من التعليم أكثر معاناة من الفقر مقارنة بأسر المناطق الحضرية وتلك التي يعيلها شخص حاصل على معدّل تعليم معقول. ووجد التقرير أن الحرمان من التعليم هو أكبر مصدر للفقر الأسري، وأن ظروف السكن وسوء التغذية المصادر الرئيسة لفقر الأطفال.

ويتضح أن البلدان العربية تواجه تحديات خطيرة في شأن الفقر وحجم انتشاره وعمقه. فالفقر متعدد الأبعاد بين الأسر والأطفال أكثر انتشاراً مما كان متوقعاً، وعشرات الملايين من الأسر والأطفال العرب معرّضون للوقوع في الفقر مع استمرار الأحوال والظروف الحالية. وشدة الحرمان بين الفقراء مرتفعة إلى حد مقلق في البلدان العربية الأقل نمواً. وعلى رغم أن الفقر المدقع منخفض نسبياً فيها، إلا أن الفقر واسع الانتشار متوغل ويهدد البلدان العربية ذات الدخل المنخفض.

ويبلغ العدد التقديري للفقراء في المنطقة العربية حوالى 116 مليون نسمة. وتتراوح المؤشرات الدالة على الفقر بين عدد من صور الحرمان الشديد مثل عدم وجود كهرباء وصعوبة الحصول على مياه الشرب واستخدام أكثر من 3 أشخاص لغرفة واحدة وتدنّي فرص الحصول على التعليم وغيرها.

وحذّر التقرير من أن الفقر منتشر بين أطفال العرب في شكل أكبر مما كان متوقعاً، وأن توزيعه في البلدان العشرة وكذلك فلسطين متراوح بين الأماكن. وبلغ عدد السكان ممن لم يتجاوزوا سن الـ18 سنة حوالى 118 مليون نسمة، أي حوالى 6 في المئة من أطفال العالم. ومن هؤلاء 5,5 مليون طفل واقعون في دائرة الفقر، بينهم أكثر من 3 ملايين طفل عربي في دائرة الفقر المدقع، النوع الأكثر انتشاراً في جزر القمر وموريتانيا والسودان واليمن.

ونبّه التقرير من أن عدم المساواة في الحرمان بين البلدان وفي داخل كل منها، فضلاً عن استمرار النزاعات والصراعات المسلّحة في عدد كبير من البلدان العشرة وفلسطين، سيدفعان بالمنطقة إلى مزيد من الفقر. وقد أدى الصراع في اليمن إلى أزمة إنسانية ودفع الملايين إلى حافة المجاعة وقتل حوالى 10 آلاف شخص، إلى حوالى 7 ملايين يصارعون شبح الجوع ونقص الغذاء الحاد.

وينصح التقرير بسرعة التعامل مع فجوات التعليم الشاسعة في المنطقة. وعلى رغم التقدّم الهائل الذي أحرزته في العقود الماضية من حيث التحاق الأطفال بالمدارس، إلا أن معضلات عدد الحضور والتسرب وغيرهما يساعدان على زيادة نسبة الأطفال التي تعاني حرمانًا متعدد الأبعاد. ولا بدّ من سنّ سياسات وخيارات تضمن التحاق الأطفال وانتظامهم بالمدارس وضمان بقائهم فيها حتى إنهائهم التعليم الإلزامي على الأقل.

ولأن بلداناً عربية كثيرة تعاني نزاعات مسلّحة وتشرّداً جماعياً، ما فاقم في الأزمات الإنسانية. ومعروف أن التسرّب من التعليم والتعطّل عنه أبرز الآثار السريعة للتشرّد. ويجب أن تكون مواصلة التعليم للأطفال الذين اضطرتهم ظروف النزاع إلى النزوح في مقدّم الأولويات. كما أن تحسين نوعية التعليم ضرورة حتمية، لا سيما وأنه يلاحظ انتشار الفقر كذلك بين الحاصلين على معدلات معقولة من التعليم غير الجيد.

ولأن الفقر وراثي، إذ ينتقل من جيل إلى جيل، يجب تنشيط مبادرات تمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيعها، لأنها وحدها قادرة على كسر حلقة الفقر الوراثي.

وبالطبع، يعدّ الاستثمار في الأطفال نقطة البداية الحقيقية للخروج من نفق الفقر المظلم، عبر حزمة متكاملة من الخدمات الصحية والاجتماعية والتعليمية والغذائية المتسمة بجودة عالية.

كما يؤكّد التقرير أهمية تلبية حاجات الأمن الغذائي الفورية وقصيرة الأجل، إضافة إلى إيجاد حلول طويلة الأجل ومستدامة. كما يلفت إلى أهمية إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في البلدان العربية وحمايتهم.

وعلى رغم قتامة المشهد وتعقّد الوضع بهيمنة الصراعات المسلّحة التي بدأت في صورة ثورات، يكمن الأمل في أن التراث العربي حافل بتعريفات للفقر وسبل للخروج منه يمكن الانطلاق منها وتحديثها ومواجهة مشكلات التعليم والصحة والغذاء، التي تجبر الفقر على أن يظل حبيس دوائر مفرغة. لذا، المطلوب كسر الدائرة المرسومة على وجه كل طفل عربي.

ظروف فلسطين مختلفة

لأن فلسطين تختلف في ظروفها عن بقية بلدان العالم، تختلف فيها أوجه الفقر وأبعاده، فـ 7.65 في المئة من الأطفال يعانون من الفقر في شكل أو بآخر. وفي قطاع غزة، تبلغ نسبة الفقراء 100 في المئة، أي أن الأطفال جميعهم بين 15 و17 سنة يعانون الحرمان. وفي الضفة الغربية، بلغت نسبة الفقراء حوالى 7.5 في المئة. وبغض النظر عن الفئة العمرية، فإن بُعد البيئة المعيشية العنيفة هو أكبر مساهم في الحرمان الكلي على مستوى البلاد.

وفي الفئة العمرية من 15 إلى 17 سنة، يساهم بُعد البيئة المعيشية العنيفة في أكثر من 50 في المئة من الحرمان الكلي. كما أن للمياه و/أو الحصول على التعليم مساهمة رئيسة في فقر الأطفال في مختلف الفئات العمرية تقريباً. والمقيمون في فلسطين يتأثرون مباشرة بالاحتلال. كما أن القيود على الحركة تعوق النمو الاقتصادي والأنشطة الإنتاجية، وتفتت الأراضي الفلسطينية اجتماعياً وسياسياً وجغرافياً، وتقيّد قدرة الناس على الإفادة من الموارد الحيوية مثل المياه والأراضي. لذا فإن قياسات أثر العنف وانعدام الأمن تعطي الفقر في فلسطين شكلاً مختلفاً.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

الولايات المتحدة تحظر نقل الشحنات من مطار القاهرة  |  بتوقيت غرينتشثروات 42 بليونيراً تزيد عما يملكه نصف سكان العالم  |  بتوقيت غرينتشطوكيو تحذر من تساقط كثيف للثلوج للمرة الأولى منذ 4 أعوام  |  بتوقيت غرينتشوفاة 7 أطفال إماراتيين من أسرة واحدة في حريق  |  بتوقيت غرينتشالأميرة البريطانية يوجيني ستتزوج «حبيبها» هذا العام  |  بتوقيت غرينتشمقتل 13 بسقوط حافلة في وادي في كولومبيا  |  بتوقيت غرينتش«جومانجي» يواصل تصدر إيرادات السينما في أميركا الشمالية  |  بتوقيت غرينتشانطلاق خدمة الجيل الثالث للهواتف النقالة في الضفة الغربية الثلثاء  |  بتوقيت غرينتش«سمبوزيوم أسوان» للنحت يجذب فنانين من جورجيا وأوكرانيا والهند  |  بتوقيت غرينتشإنسان غاب مهدد بالانقراض في إندونيسيا تعرض لإطلاق نار  |  بتوقيت غرينتش