|   

آلية الأزمات في المنطقة

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: محمد سيّد رصاص 

في 20 أيلول (سبتمبر) 1951، تم قبول انضمام تركيا واليونان إلى حلف الأطلسي. في الـ13 من الشهر اللاحق تم تقديم مقترح لمصر من أجل انضمامها إلى مشروع عسكري- أمني مربوط بالأطلسي سُمّي «دفاع الشرق الأوسط» من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا. لم تقبل القاهرة المشروع الذي كان مشروطاً قبوله بجلاء القوات البريطانية من منطقة قناة السويس. في عام 1954، عندما كرّر جمال عبدالناصر الرفض المصري، اتجهت بريطانيا نحو العراق وتركيا عام 1955 لإنشاء حلف بغداد. على وقع الخلاف بين الغرب وعبدالناصر، اشتعلت استقطابات أزمة دولية- إقليمية انعكست على الدواخل في بلدان من المنطقة، فوقفت لندن ومعها واشنطن مع أنقرة وبغداد بوجه القاهرة التي لجأت إلى موسكو في خريف 1955، وليحصل على وقع ذلك انقسام داخلي في سورية والأردن. كانت السعودية التي لم تنس خصامها مع الهاشميين، أقرب إلى القاهرة. قاد استقطاب 1955 الدولي- الإقليمي إلى حرب السويس. ساهم صعود نجم عبدالناصر بعد حرب 1956 في سقوط نوري السعيد في بغداد عام 1958 وعدنان مندريس في أنقرة عام 1960، وقاد إلى الوحدة المصرية- السورية في شباط 1958، وإلى انفجار لبنان في ربيع وصيف 1958. منذ نيسان (أبريل) 1957، اختار الأردن وكذلك السعودية الصدام مع عبدالناصر بدعم من واشنطن.

يمكن لتحليل آلية أزمات المنطقة في الخمسينات من القرن الماضي أن تكون نموذجية: حرب باردة منذ 1947 بين واشنطن وموسكو أُنشئ حلف الأطلسي على أساسها عام 1949. لمّا حصل التفكير الغربي لمد «الأطلسي» نحو الشرق الأوسط، حصل استقطاب دولي- إقليمي مؤيد ومعارض انبنى على رفض دواخل للمشروع، وقاد في حالة أزمة 1955 إلى دخول موسكو كلاعب إلى منطقة الشرق الأوسط بعد أن كانت خارجه. انقسمت مجتمعات عربية والقوى السياسية الداخلية بين طرفي الاستقطاب الدولي- الإقليمي. هذا كان واضحاً في سورية منذ اغتيال العقيد عدنان المالكي في نيسان 1955 وفي العراق كانت معارضة العروبيين والشيوعيين ضد نوري السعيد تمتد من الأجندات الداخلية نحو اصطفاف إقليمي- دولي مع القاهرة وموسكو.

خلال نصف قرن أعقب أزمة الخمسينات الشرق أوسطية (التي ولدت أزمات داخلية) لم نشهد تراكب الدولي- الإقليمي- الداخلي سوى في الحرب الأهلية اليمنية بين 1962 و1970. نشبت أزمات داخلية، مثل الأردن أيلول 1970 بين الملك حسين والمقاومة الفلسطينية نتيجة اختلال التوازن الداخلي بين الطرفين حتى تم حله عسكرياً لمصلحة السلطة. كانت الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990 أزمة داخلية موضعية أيضاً نتيجة اختلال التوازن الداخلي القائم منذ 1943 بسبب وجود المقاومة الفلسطينية، ولم تتحوّل أزمةً تشعل المنطقة أو يمتد لهيبها خارج البيت اللبناني، وإذا أتت أطراف إقليمية أو دولية لاستغلال الأزمة اللبنانية، فقد كان ذلك عبر الإتيان بطناجرها من أجل طبخها عبر النار اللبنانية. لم يتحول اجتياح 2 آب 1990 العراقي الكويت إلى أزمة دولية- إقليمية- داخلية ما دام (القطب الواحد الأميركي) قد قاد تحالفاً دولياً- إقليمياً- عربياً ضد العراق وبتشريع من مجلس الأمن في حرب 1991.

في شرق أوسط ما بعد 9 نيسان 2003، يوم سقوط بغداد بيد المحتل الأميركي، انعكس الصدام بين واشنطن ودمشق في ما يخص العراق المغزو والمحتل في أزمة لبنانية داخلية ترجمت في انقسام داخلي بين معسكري (8 و14 آذار 2005). كان ذلك بروفة تصادم دولي– إقليمي في المنطقة ينعكس على دواخل عربية، كما حصل في الخمسينات، وحتى في خريف2005 بنى كثير من المعارضين السوريين استراتيجية التغيير الداخلي من خلال تأسيس «إعلان دمشق» على وقع الخلاف الأميركي مع السلطة السورية. لم يقد هذا إلى استقطاب في عموم الإقليم بل اقتصر في خط بيروت- دمشق. عندما حصل التباعد الإيراني- الأميركي مع استئناف طهران برنامج التخصيب النووي في آب 2005، بعد تناغم واشنطن وطهران في غزو العراق، انعكس هذا التباعد في تصادم انعكس إقليمياً وداخلياً كان أوله على الأرجح حرب بالوكالة هي حرب تموز2006، ثم انقلاب «حماس» على «فتح» في غزة 14 حزيران (يونيو) 2007، ثم 7 أيار (مايو) 2008 في بيروت، ثم وزارة نوري المالكي الثانية (التي مالت الكفة فيها إلى طهران على حساب واشنطن) في بغداد في 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 2010، ثم إسقاط حكومة سعد الحريري في بيروت في 13 كانون الثاني (يناير) 2011.

كان للصدام الأميركي- الإيراني منعكساته على المنطقة والدواخل، لكن لم يتطور إلى مستوى أزمة الخمسينات في تراكب الاستقطاب الدولي– الإقليمي- الداخلي، حيث ظل هناك من هو خارج الاستقطاب مثل دمشق التي تقاربت مع تركيا والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة في فترة 2007- 2010، وكانت تتوافق مع طهران في بيروت وتختلف معها في بغداد. عندما حصل ما سُمّي «الربيع العربي» عام 2011 كان واضحاً أن هناك اتجاهاً عند الغرب الأميركي- الأوروبي من أجل استخدام الإسلام السياسي نحو «إعادة صياغة المنطقة» وعلى الأرجح من أجل استخدامه ضد طهران وموسكو. كان هناك حلف أميركي– أوروبي- تركي ظهر من خلاله أردوغان في مثل وضعية السلطان سليم الأول عامي 1516- 1517. حصلت خلافات أميركية- سعودية تجاه الإخوان المسلمين حتى تخلي واشنطن عن الأخيرين منذ إطاحة حكم الإخوان المسلمون في مصر في 3 تموز (يوليو) 2013.

في شرق أوسط 2011- 2017، هناك أزمة في عموم الإقليم، هي حتى أشد من أزمة الخمسينات من حيث تراكب الدولي- الإقليمي- الداخلي: ظهر التصادم الأميركي– الروسي والايراني– الأميركي في سورية ما بعد 18 آذار (مارس) 2011. حصلت استقطابات دولية- إقليمية على وقع انفجارات البنى المجتمعية الداخلية. كانت سورية أوضح مثال: تصادم موسكو وواشنطن حتى 7 أيار 2013، حيث حصل توافق استمر في (جنيف 2 و3) وتجاه «داعش»، لكن عاد الخلاف والتباعد بينهما منذ عام 2017 مع اقتراب «داعش» من الأفول حول (الموضوع الإيراني)، بينما ظلت إيران على تباعد مع واشنطن طوال سبع سنوات من الأزمة السورية، فيما تباعدت واشنطن عن أنقرة بسبب تقاربها مع أكراد سورية منذ2014. هناك الآن استقطاب تراكبي دولي- إقليمي- داخلي في سورية 2017 يقود إلى حلف روسي- إيراني- تركي بوجه تحالف أميركي- أوروبي- سعودي مع حياد مصري تحت عنوانين: سوتشي وجنيف. في الأزمة اليمنية لا يوجد هذا الاستقطاب الحاد حيث يوجد تجابه سعودي- إماراتي مع إيران مع استقطابات محلية يمنية للطرفين مع نأي بالنفس لكل من واشنطن وموسكو والقاهرة. في الأزمة الليبية هناك حلف مصري- إماراتي- فرنسي يدعم الفريق خليفة حفتر بوجه تحالف ايطالي– جزائري يدعم إسلاميي طرابلس الغرب مع نأي أميركي- بريطاني. هناك أزمات قابلة للتفجر والاشتعال في بيروت وبغداد على الأرجح ستكون أبعد من الدواخل هناك.

كمكثّف للموضوع: تختلف أزمة الخمسينات عن أزمة العقد الثاني من القرن الجديد، ففي الأولى كان امتداد الخارج بمشاريعه نحو الإقليم عاملاً مفجراً للإقليم ودواخله، بينما في الثانية كان انفجار الدواخل العربية مؤدياً إلى استقطابات دولية - إقليمية - داخلية. كانت سورية حاسمة في ميلان توازن القوى الإقليمي في الخمسينات لمصلحة عبدالناصر هي الأكثر استقطاباً في أزمتها بين عامي 2011 و2017 للتراكب الدولي- الإقليمي- الداخلي من اليمن وليبيا.

 

 

* كاتب سوري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 

مصر: النائب العام يحفظ التحقيق في قضية فساد ضد وزير التموين الأسبق  |  بتوقيت غرينتشبلجيكا تخفض مستوى التهديد الأمني  |  بتوقيت غرينتشمقتل 54 عنصراً من الفصائل المعارضة والأكراد منذ بدء «معركة عفرين»  |  بتوقيت غرينتشمشرعون أميركيون يتوصلون إلى اتفاق لإعادة «فتح الحكومة»  |  بتوقيت غرينتشاسرائيل تعيد اعتقال وزير سابق من «حماس» في الضفة الغربية  |  بتوقيت غرينتش«التحالف» يطلق عملية إنسانية شاملة في اليمن  |  بتوقيت غرينتش«قوات سورية الديموقراطية» تدرس إرسال تعزيزات إلى عفرين  |  بتوقيت غرينتشعباس يحظى بدعم أوروبي لعاصمة فلسطينية في القدس الشرقية  |  بتوقيت غرينتشالنيابة العامة الإسبانية ترفض إصدار مذكرة توقيف بحق بيغديمونت  |  بتوقيت غرينتشبنس: السفارة الأميركية ستفتح أبوابها في القدس قبل نهاية 2019  |  بتوقيت غرينتش