|   

«فيكتوريا وعبدول» ... نصف الحقيقة دائماً أجمل

لقطة من الفيلم. (الحياة)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: شريف صالح 

عندما يختفي الملوك من مسرح الأحداث، لا تتبقى منهم سوى سطور في كتب التاريخ... وحدها السينما قادرة على نفض غبار الزمن عنهم وإعادة دمجهم في ذاكرتنا وتجربتنا الإنسانية.

وهذا ما فعله المخرج ستيفن فريرز حين استعاد قصة الملكة فيكتوريا التي حكمت بين عامي (1837-1901) وكانت صاحبة أطول مدة على العرش إلى أن تجاوزتها إليزابيث الثانية. وذلك خلال عصرها بلغت المملكة أوج اتساعها، واحتلت دولاً عدة، بينها الهند ومصر. كما بلغت الثورة الصناعية ذروتها، تزامناً مع النهضة الأدبية. هذا السياق التاريخي لا يكاد يُلحظ في فيلم «فيكتوريا وعبدول» الذي يبدأ من الهند، حيث أصوات التواشيح الإسلامية في آغرا عام 1887، والزحام، و «عبدول» الشاب الوسيم يصلي وفي الخلفية «تاج محل»، إلى أن يكلف بمهمة السفر للمشاركة في احتفال الملكة بـ «يوبيلها الذهبي» وإهدائها عملة «الموهار» النادرة.

بالتوازي، تتابع الكاميرا يوماً تقليدياً للملكة منذ استيقاظها من النوم، وارتداء ملابسها، وأدوار الحاشية المحيطة بها في جو أسطوري.

وهكذا قدّم المقطع الأول الشخصيتين اللتين تتقاسمان عنوان الفيلم. لكن سرعان ما سيتراجع دور «عبدول»- جسّده الممثل الهندي علي فضل- ليفسح المجال للملكة المهيمنة على السرد، والتي أبدعت جودي دينش في تجسيدها، حيث يتابع المتفرج تفاصيل اعتلال صحتها، كآبة الشيخوخة والبدانة وعصبية المزاج.

فيما بدت شخصية «عبدول» مليئة بالفجوات، والعثرات... فهو سافر إلى بريطانيا وعاش بقرب الملكة نحو أربعة عشر عاماً... لكن الزمن الفيلمي مر على هذه المدة، سريعاً، حتى ليظن المتفرج أن علاقتهما لم تستغرق أكثر من عام.

وهو ظل طيلة الفيلم والذي بلغت مدته (111 دقيقة) متيّماً بها، وكل ما يشغله أن يحدثها عن «المانغو» و «البهارات» الهندية. ومثلما بدأ علاقته بتقبيل قدمها، ظهر في النهاية حزيناً منكسراً، يجثو أسفل تمثالها في الهند ويقبل قدمها.

لكـــن فـــي المقابل، لم ينجح السرد في تعريف المتفرج بتعقيدات شخصيته ودوافعه، فهو لديه زوجة منقبة على الطريقة الأفغانية، بطريقة لم تكن منتشرة في الهند آنذاك! وحين عاد إلى وطنه آثر الصمت، حيث مات دون سن الخمسين، ولا نعرف سبب وفاته، ولا متى كتب مذكراته.

 

بين رجُلين

كان عبدول فصلاً ناقصاً في سيرة الملكة، أو انتُزع بقوة من قبل ابنها الأكبر «برتي»- الممثل إيدي إزارد. إذ أصدر فور وفاتهاـ أوامره بطرد عبدول بطريقة مهينة، وحرق الصور وأي رسائل تربط بينهما.

هذا التعمد لإخفاء عبدول من كتاب التاريخ، ظل قائماً قرابة مئة عام، إلى أن قامت الكاتبة البريطانية شاراباني باسو بتتبع سيرته، والسفر إلى الهند وباكستان حيث عثرت على مذكراته برفقة أحد المعمّرين من أفراد أسرته.

ووفقاً لباسو، كان لعبدول نفوذ يفوق مكانة صديق الملكة وخادمها الأسكتلندي جون براون (1826- 1883) الذي ارتبطت معه بصداقة قوية بعد وفاة زوجها، ثم عقب وفاة براون بسنوات قليلة، حل عبدول الهندي مكانه. ولقد أثارت علاقة الملكة بالرجلين: الأسكتلندي ثم الهندي، لغطاً كبيراً، وسعت الأسرة الحاكمة والحاشية إلى طمس أي معالم خاصة بهاتين الصفحتين.

ومن الواضح أن فيكتوريا لجأت إلى رجلين أصغر منها سناً، لتعويض موت زوجها، وعاشت معهما علاقة هي مزيج من عاطفة المرأة والحس الأمومي، وطلب الحماية، فهما شابان يتمتعان بالطول والقوة. وسمحت لكليهما أن يعاملاها كامرأة وليس كملكة.

والطريف أن جودي دينش تبدو مولعة بهذين الفصلين من سيرة فيكتوريا، حيث قامت العام 1997 بتجسيد قصتها مع الأسكتلندي في «السيدة براون»، وبعد عشرين عاماً قدمت الفصل الآخر مع الهندي.

تشير باسو إلى أن العلاقة كانت «مشبوبة بالعاطفة»، وتتجاوز الأمومية، لكنها لا ترجح أن يكونا عاشقين. كما تذكر أن فيكتوريا كانت توقع بعض خطاباتها لعبدول بقبلات متلاحقة على الورق وتختمها بجمل مثل: «أقرب صديقة لك».

وجسد الفيلم حميمية والتباس العلاقة، إذ استاءت الملكة لأن عبدول أخفى عليها زواجه، ثم أمرته بجلب زوجته وخصصت لهما سكناً، وأمرت طبيبها بالبحث في سبب عدم إنجابهما... ولم يمنعها هذا من القيام برحلة خاصة وحدهما إلى جزيرة «وايت»، كما فعلت مع براون.

وقدم الشريط لقطات معبرة عن ممل وكآبة فيكتوريا، وكيف جدد «عبدول» شغفها بالحياة، لتظهر في مشاهد مرحة ترقص وتغني وتتنزه وتحلم بزيارة الهند وتتعلم اللغة الأردية أيضاً.

لكن الفيلم الذي اعتمد على كتاب باسو، وسيناريو وحوار لي هال، لم يُنصف «عبدول» المخفي من الدفتر الملكي، بل أعاد إنتاج فيكتوريا وتجميلها، كإنسانة محبة للحياة وكارهة للعنصرية، وقام بعملية تبييض لسمعتها، وسط مشاهد خلابة، وتوليفة من الموسيقى الهندية الشعبية والأسكتلندية والبريطانية الكلاسيكية، وتسكين جيد لجميع الأدوار، وأداء بديع لجودي دينش، ليقدم صورة سينمائية براقة لا تخلو من الطابع المرح.

 

ما الحقيقة؟

لكن بعد كل شيء، ما هي الحقيقة وراء هذه الصورة الدرامية الجيدة؟ ثمة جملة استهلالية: «مبني على أحداث حقيقية... في الأغلب»، كأنها محاولة للهرب من أي مساءلة تاريخية، وإتاحة الفرصة للتخيل.

ويشير تجميل فيكتوريا وقصتها مع عبدول إلى ولع بريطاني بالسحر الهندي، تردد صداه مرة أخرى بعد عقود طويلة من السنين، في غرام ديانا وطبيب باكستاني مسلم أيضاً. وكما أشيع عن إمكانية أن تعتنق ديانا الإسلام، يلمح الفيلم إلى شيء قريب من هذا، فالملكة المحتضرة لم تطلب أسقف كانتربري بل طلبت «عبدول» على انفراد، حيث وعظها عظة صوفية، رددت على إثرها كلمة «الحمدلله» بالعربية. فهل رغبت في اعتناق الإسلام؟ فرضية تبدو مستبعدة، لكن من الواضح أنها تأثرت بقيمه عن طريق مرشدها الروحي.

كما قدم الفيلم هجاءً ساخراً للأجواء الملكية، ونفاق الحاشية، والطقوس المبالغ فيها، حيث نرى صفوف الخدم كأنهم في استعراض عسكري، مع نفير الأبواق، أثناء تقديم أطباق «الشوربة»!

في المقابل، لم يقدم الفيلم نقداً جاداً لـ «الكولونيالية» وفظائع الاستعمار، بل قام بالتعمية عليها، مكتفياً بإشارات خفيفة إلى عنصرية بعض السادة البيض، أو توجيه النقد الحاد على لسان «محمد» صديق عبدول، والخادم الآخر الذي شاركه الرحلة، حيث لم يتوانَ عن هجاء «بريطانيا التي تستعبد ربع سكان الكرة الأرضية». هذا الوجه الصريح، الكاره للاحتلال، انتهى سريعاً بموت مأساوي في صقيع بريطانيا، كأنه صوت مقموع، لا يستحق أن يستمر في الحياة.

أما شخصية «عبدول» المرتبكة في بنائها، فهي تعد نموذجاً متسامحاً للمسلم القادر على التعايش مع الآخر، ومع ذلك انتهى مطروداً بائساً!

حتى في المرات القليلة التي تطرق حوار عبدول مع الملكـــة في الفيلم، إلى مقتل جنود وموظفين إنكليز على يد متمــــردين هنود، لا يبدو أن الفيلم اهتم بالإشارة إلى أن ما جــــرى من رد على فظائع الاحتلال. هو الذي كان بحــــكم علاقته الوطيدة بها، من الممكن أن يؤثر في قراراتها لمصلحة بلاده، لكنه لم يفعل، أو أن الفيلم لم يهتم بذلك. كما قد يشير تماهيه وخنوعه للملكة التي تحتل بلاده إلى ما يسميه والتر مينيول «الجرح الاستعماري» حيث التماهي مع المستعمِر، وتصدير صورة خلابة عنه، لأن «نصف الحقيقة» أجمل دائماً من فظاعة الحقيقة الكاملة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

مقتل 13 بسقوط حافلة في وادي في كولومبيا  |  بتوقيت غرينتش«جومانجي» يواصل تصدر إيرادات السينما في أميركا الشمالية  |  بتوقيت غرينتشانطلاق خدمة الجيل الثالث للهواتف النقالة في الضفة الغربية الثلثاء  |  بتوقيت غرينتش«سمبوزيوم أسوان» للنحت يجذب فنانين من جورجيا وأوكرانيا والهند  |  بتوقيت غرينتشإنسان غاب مهدد بالانقراض في إندونيسيا تعرض لإطلاق نار  |  بتوقيت غرينتشمقتل 17 بحريق مصنع بلاستيك في الهند  |  بتوقيت غرينتشوزراء زراعة من 70 دولة يدعون للاهتمام بصحة الحيوان  |  بتوقيت غرينتشمغني الروك توم بيتي توفي بسبب جرعة عقاقير زائدة  |  بتوقيت غرينتشقتلى وجرحى باصطدام حافلة في تركيا  |  بتوقيت غرينتشكيم كارداشيان تسمي مولودتها الجديدة شيكاغو  |  بتوقيت غرينتش