|   

شوقي بزيع يعيد تنقيح الحياة من الضفة الأخرى

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: محمد مظلوم 

يواصل الشاعر شوقي بزيع حضوره الشعري في إصدارات متلاحقة وتكاد تكون منتظمة، إذ بلغت سبعة عشر ديواناً خلال أربعة عقود من تجربته. وليأتي ديوانه الجديد «الحياة كما لم تحدث» (دار الآدب) بقصائد كتبها، وهو على الضفة الثانية من العمر. وهنا ثمة ما يمكن ملاحظته في علاقة الزمن الشعري بزمن التجربة، ففي مثل هذه المرحلة الحرجة من العمر، لن يعود الشاعر في حاجة إلى المزيد من التجارب الحياتية الجديدة، أو التفريط بما تبقَّى من ذخيرته الحية، بمقدار حاجته إلى إعادة استكشاف خميرته الروحية والتأمل المشهدي في حياته المنصرمة ومراجعة ما مرَّ من أحداث وتجارب، لإعادة صياغة الحياة في جانبها المتخيَّل لا المعاش.

والواقع أن مثل هذه الإعادة للصياغة تشمل كذلك صياغات جديدة لموضوعات معهودة سبق للشاعر أن قاربها كثيراً في تجربته: صورة الشاعر، صور النساء... من هنا يمكن وصف مجموعته الشعرية الجديدة بأنها تقوم في بنيتها المضمونية المركزية على فكرة الاستعادة: استعادة للموضوعات المطروقة في شعره من قبل، واستعادة لحالات منصرمة من العمر، واستعادة لما لم يحدث كذلك. ذلك أن الحياة، إذا استعرنا مقولة الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون عن «المتحقِّق» و «الممكن» تحتزن في جانبها المطوي عالماً شعرياً يبقى كامناً خارج ما حدث أو ما تحقَّق من سيرة الفرد، وإنما ما كان يمكن أن يحدث بصيغة أخرى، إذ يمكن الفرد أن يفسر دائماً حدثاً ما في زمنٍ ماضٍ بأثر رجعي من شروطه المحتملة، فالتطوّر الخلاق يكمن في رأيه في الخلق المستمر للحياة لإنجاز مفهومه للديمومة بواسطة الحدس والشعور لا من خلال ما تحقق بالفعل.

وهكذا يدأب بزيع على تحويل المعرفة عن طريق الشعر إلى إشراقية وليس مادية أو تجريبية، في محاولة لخلق الديمومة للكائن الشعري ضد الانصرام والقطيعة والتلاشي للكائن الطبيعي، فهذا الأخير قد يكتفي من الحياة بأن تكون مجرد محاكاة للواقع أو خضوعاً لشروطه، لكن الشاعر يحاول أن يصيغها وهو يتجرأ على الواقع ويتمرد على نواميسه، وبهذا يضخم الحياة ويهولها ليمنحها الديمومة.

أضف إلى ذلك أن «لم» في عنوان المجموعة، لا تقف عند دلالتها النحوية المباشرة في نفي حدوث الفعل، وإنما تتعدّى إلى قلب زمن الحاضر وتحويله إلى ماضٍ. لذا فهو يتحدث إلى الحياة من ضفة ثانية فـ: «الحياةُ لا تكونُ إلا حيثُ لا أكونُ» أو يتأمَّلها ويلوح لها حين تطويها رياح الزمن والنوائب كما قصيدة «مناديل لرياح الفقدان» «المناديلُ صورُ ما لمْ نجدْهُ على الأرضِ يَوماً». وبالعودة إلى برغسون نفسه يبدو حتى التخطيط للمستقبل ضرباً من المستحيل! ذلك أنَّ الزمن نفسه يكشف عن احتمالات غير متوقعة ولا يمكن التكهن بها آنياً ولا مستقبلاً. من هنا فإن الماضي في ديوان بزيع بوصفه مكتملاً يمكن النظر إليه من زاوية أخرى وإعادة خلقه، وتصوير الحياة «كما لم تحدث» لا بمعنى إنها لم تحدث تماماً، بل بمعنى الكيفية الأخرى التي كان ينبغي أن يكون عليه حدوثها، ومن هنا فإن إعادة الصياغة لدى شوقي بزيع ليست نفياً لحدوث الحياة نفسها، وإنما محاولة لراوية خبر آخر عما كان ينبغي أن تكون عليه، او كما لو إنها حدثت لكن على نحو مختلف.

وإلى جانب هذه البنية المركزية يولي الشاعر عناية خاصة لرسم بورتريهات في أكثر من قصيدة من الديوان ففي «كعبة الكلمات» يرسم بورتريهاً للشاعر، لكنه ليس بورتريهاً حيادياً، إذ تتحول لعبة الكلمات من مجرّد ريشة أو أداة لرسم الحالة الخارجية للشاعر، إلى مرآة اعتراف وربما الإقرار بهزيمة ممتعة!، لذا يمكن وصف البورتريه هنا بأنه شخصيٍّ وإن بدا مموهاً بالاستعانة بلعبة القناع والمرآة من خلال صيغة المخاطب لتكريس الآلام الداخلية للذات المنطوية على عالمها، فالقصيدة معادل لأنثى مقدسة والشاعر كاهنها وربما خالقها وزوجها ووليدها، فهي عذراء تولد من «هزَّة جماع» وتعاني في مرحلة ما من آلام المخاض!

بيد أن صورة الشاعر في هذه المرآة ليست لفتى غرٍّ إنما لمجرِّب بلغ الكهولة وهو «يبالغُ في وصفِهِ/ كي ينقِّي ورودَ التعاطفِ مِنْ وخزةِ الندمِ المازوشي/ على ما أضاعَ مِنَ العُمر». ومع هذا الشعور بالندم على ما ضاع فإنه يبقى «في كلَّ حزنٍ عميقٍ مباهجُ مفقودة» بيد أن الندم، ليس مكثفاً ليجعل من الأخطاء خطايا آثمة، إنها مجرد أخطاء سلميَّة بخسائر قليلة يتأملها برضا وقناعة كما في قصيدة «حديقة الأخطاء»: «لمْ أطلب الكثيرَ من حياتي... ولا طلبتُ من خطايَ غيرَ أنْ تقودني ولو لِمرةٍ، إلى الوراءِ/ لمْ اطلب الكثيرَ من حياتي التي أخفقتُ في إماطةِ اللثام/ عن وجوهِ سحرِها الخَفِي». ومع هذا تبقى الحسرة متحكمة في الذات البشرية من خيبة كلكامش إزاء الخلود، وصولاً إلى الرضا من الغنيمة بالإياب لدى جدنا الشعري امرئ القيس، لتتجلى ظاهرة في حسرة الشاعر على ما فات: «في كلِّ ما سعيتُ نحوهَ شعرتُ أنَّني خدعتُ...».

جمل شوقي بزيع عادة ما تكون ذات حواشٍ، ترفل بها أحياناً حتى لتبدو مثل هالات إضافية حول الجملة المركزية الأكثر لمعاناً، ولعلَّ هذا بفعل شروط الإيقاع والتدفُّق الشعوري الذي لا يخلو من غنائية تتراكم أحياناً وإن كانت ذات تفاعل أقلّ. وغالباً ما يعمد إلى البلاغة السلسلة والاستعارة الشعرية المناسبة عبر كيمياء رصينة بين مفردة وأخرى، بين مفردتين تبدوان متنافرتين، لكنهما تغدوان منسجمتين عبر خلق معاشرة خاطفة بين بعيدين.

يظهر رسم البورتريهات، في جانب آخر منه في قصائد تتجه إلى رسم شخصيات مفتوحة على التأويل كما في قصيدة «اللصان» حيث ثمة استعادة مضمرة لصور صلب الشعراء اللصوص في التراث العربي، وصولاً إلى لحظتنا الراهنة، ملمحاً إلى تراجيديا سوداء تحيل اللص إلى شهيد، عبر الصلب الذي يرسخ في أكثر من مكان الالتباس بين صلب المسيح والشبيه: «أيَّ جرمٍ جَنَيا كي يُجعلا ندَّين غفْلَين/ لِمَنْ قُلِّدَ في محنتِهِ تاجاً من الشوك/ وهُما ليسا سوى لصَّين مجهولين...» وفي «النهر والتمثال» يقارب صورة منتصباً بتمثاله على شط العرب بينما يرصد انكساره في صورة الشاعر العراقي عموماً ذلك أنها أبعد من مجرد مأساة ذاتية الشاعر العراقي، إنها إدانة لاستمرار النفي العراقي والإنكار والتنكيل في كل العهود: «رفعوكَ يا أبتاهُ تمثالاً على نهرٍ وقدْ خذلوكَ حيَّاً /ونُودِي بالجرادِ مؤذِّناً باسمِ الخُصوبةِ، حيث بوصلةُ النفاقِ/ تقودُ مَنْ عَطَشوا إلى السُّحُبِ الخَطَأ/ والذينَ تسنَّموا سُدَد العَرْشِ/ تقاسموا مَثواكَ/ كي يرشوا بأنبلِ ما كَتبتَ حروبَ ردَّتهمْ».

وتبرز الاستعادة كذلك في القصائد التي تتجه نحو قضايا الشأن العام كما في قصيدته عن فلسطين والأخرى عن اليمن حيث الاستعادة التاريخية في تعقب أثر سيف بن ذي يزن، وأقيال اليمن القدامى. وكذا الحال في استعادة أزمنة الورق والحبر في قصيدة «كوكب الرسائل» مقتفياً أثر الحبر المضيء على تلك الرسائل التي تحوَّلت إلى مخطوطات رثة تنتظر من يعيد تحقيقها، منطلقاً من ذلك الضوء الأسود للتعرف على ما تضمنته من حياة وذكريات وأشخاص. وحتى «الثقوب» في الجدران تعيده إلى تذكر الرحلة من الرحم إلى العدم، وهو يتقصى الثقوب في أزمنة شتى من الأساطير، إلى روح الموسيقى، «فالكهوف ثقوب والنايات ثقوب» وإزاء الرسائل القديمة. يكتب حواراً مع الشاعر الراحل حبيب الزيودي على صفحات فايسبوك، في عالم يأسه الأخير قبل الغياب الأبدي.

بيد أن ذروة الاستعادة تتكثف عبر حالة مراقبة الحياة وهي تحدثُ في البعيد، كزيارة شبحية في قصيدة «مبنى الحمرا سنتر» حيث يتأمل ظلال حياته عبر المكان وأطلال حكاياته، وكأنها جغرافيا فارغة مما حدث، لكنها مكتظة مأهولة بالأخيلة والأشباح والظلال، مُستعيداً أطيافاً مشحونة بأصداء الموت والحب معاً: «كما لو إني أسمعُ من أزمنة أخرى حيوات لي» فحتى النساء اللواتي طالما حفلت بهن تجربة بزيع يحضرن في هذا الديوان حضوراً شبحياً، فاللحظة شاغرة من حضورهن الجسدي ومأهولة بظلالهن وذكرى عطورهنَّ والأمر يتطلب العودة إلى زمن آخر وأكثر من جسد: «كمْ جَسَداً أحتاجُ كي اضمَّكنَّ.../ وكمْ صِباً عليَّ أنْ أعودَ نحوهُ لكي أعدَّ للشتاءِ ما يليقُ باشتهائكنَّ من عواصفٍ» لهذا يحضرن مستذكرات وزائرات من الماضي.

ولعل قصيدة «النساء 2» تجسد حالة ما حدث في حياته، وكيف يمكن أن يحدث لو أعيد من جديد من خلال زيارة نسوية جماعية للشاعر: «حينما زُرْنَني فجأةً لمْ أكنْ جاهِزاً للقاء/ لمْ أكنْ غيرَ شخصٍ وحيدٍ. يحاولُ في ثَغرةٍ من جدار ِالتأمُّل/ أنْ يتسلَّى بتقليبِ أيَّامِهِ».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

إدارة الطيران الأميركية تأمر بفحص محركات طائرات  |  بتوقيت غرينتش«ناسا» تطلق صاروخاً من فلوريدا لرصد المزيد من الكواكب  |  بتوقيت غرينتشزياد الرحباني يفتتح مهرجانات «بيت الدين» ومشاركة كارلا بروني  |  بتوقيت غرينتش«ستاربكس» تغلق مقاهيها في أميركا للتدريب على التسامح العرقي  |  بتوقيت غرينتشمقتل راكب بانفجار محرك طائرة أميركية بعد إقلاعها من نيويورك  |  بتوقيت غرينتشفي «مقهى الموت» في بانكوك.. الزبون يتمدد في نعش  |  بتوقيت غرينتش«العاصوف» يُعيد تقديم حقبة السبعينات في المملكة ضمن قالبٍ تراثي  |  بتوقيت غرينتش«تيسلا» تعلق مجدداً إنتاج «موديل 3»  |  بتوقيت غرينتش«سبيس إكس» ترجئ إطلاق صاروخ لأسباب فنية  |  بتوقيت غرينتشفتى يكتشف كنزاً تاريخياً يعود إلى ملك دنماركي شهير  |  بتوقيت غرينتش