|   

انفصال كاتالونيا في بعده الثقافي

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: قيس قاسم 

الهوة بين مدريد وكاتالونيا، مُتَسعة. ترددات فكرة انفصال الثانية عن الأولى تطاول تخوم البنية المجتمعية الإسبانية وتهزها بعمق. لا تترك حقلاً من الحقول إلا وتُحدث شرخاً فيه، بما فيها الثقافية، وهذا ما أراد الفيلم الوثائقي «رايات الشعب» معاينته على حدة، بعيداً من الجوانب السياسية الأكثر بروزاً في المشهد الإسباني الداخلي اليوم، وهي عادة ما تكون سبباً في حجب رؤية «الشق» البنيوي العميق في مفهوم «المواطنة».

يدخل الوثائقي إلى المشكلة الكاتالونية من الأغنية الفائزة في مسابقة «يوروفيجن» عام 1968 حين عارضت إسبانيا في عهد الديكتاتور الجنرال فرانكو بقوة رغبة المغني خوان مانويل سيرات تقديم أغنية باللغة الكاتالونية، فسارعت إلى استبدالها بأخرى باللغة الإسبانية وكتب لها الفوز بالجائزة، فشاع الفرح في مدريد وخيَم الحزن وقتها على برشلونة. دلالات ذلك المشهد ظلت ثابتة وإن أخذت في حقل الثقافة والفنون أشكال تعابير مختلفة. إعلان برلمان إقليم كاتالونيا نهاية العام الماضي قبول مشروع الاستقلال عن المركز أعاد تنشيط بعضها مثل؛ مسابقة بناء «القلاع» الجامعية، حيث تتسابق مجموعات من الطلاب على تشيّد أعلى القلاع بأجسادهم، وبصعود بعضهم فوق كواهل بعضهم الآخر إلى أعلى نقطة يمكنهم الوصول إليها من دون أن «تتهدم». القلاع ترمز إلى كاتالونيا المستقلة عن إسبانيا تاريخياً، والهمة في بلوغ الهدف تعبير عن غاية، كما عبر بحماسة أحد المشاركين فيها للبرنامج: «نريد بناء أعلى وأكبر قلعة «كاتالونية». اللعبة قديمة ترمز إلى العمل المشترك والتضامن من أجل تحقيق الهدف الواحد؛ الاستقلال. فقلاعنا تاريخياً وراياتنا المرفوعة اليوم ترمز إلى استقلالنا».

يضيع غير الإسباني في متاهة الأعلام والرايات المرفوعة في التظاهرات والاحتجاجات السلمية، والمثبتة على واجهات البنايات، فكل عَلَم يختلف عن الآخر بدلالات ألوانه وتفاصيل شعاراته، وحتى بعد استماع معدي البرنامج إلى شرح من بعض الرسامين والطباعين الكاتالونيين عن تفاصيلها وأبعادها التاريخية والسياسية، عجزوا عن فهم الاختلافات بينها في شكل دقيق فاضطروا لإعادة رسمها «بصرياً» ودعمها بشروحات إضافية لفنانين تشكيليين اتفقوا على وحدة مضمونها السياسي وإقرارها حق الشعب الكاتالوني تاريخياً في الاستقلال عن إسبانيا، وربما عبارة؛ «كاتالونيا ليست إسبانيا»، المخطوطة فوق كثير من الرايات، المعلقة على واجهات بيوت برشلونة توجزها.

من مفارقات المشهد الاحتجاجي والمطلبي السلمي القومي والسياسي الأبعاد، تولي منظمة ثقافية كاتالونية مستقلة قيادة جانب مهم منها. فعدا دورها اللافت في الحشد وتنظيم التظاهرات تقوم جمعية «أومنيوم» بإعداد دورات تعليمية للغة الكاتالونية ضمن توجهها لترسيخ مفهوم «كاتالونيزم» وتحقيق مضامينه الانفصالية بالعمل لا بالشعارات.

يحرص البرنامج في بحثه عن «الإنشقاق الثقافي الإسباني» على إتاحة الفرص لعرض وجهات نظر أخرى، محايدة أو حتى غير متفقة على الطريقة التي تدار فيها عملية الاستقلال عن مدريد. لتقديم تصوراتها وتحفظاتها التقى معد البرنامج بصاحب مكتبة «دوكومنتا» في برشلونة وبروائية معروفة لسماع تقويمهما للمشهد الانفصالي في بعده الثقافي.

تقسيم مكتبته إلى قسمين إسباني وكاتالوني تعبير مكثف عن الانشقاق الحاصل بين الثقافتين، كما يقول صاحبها إيريك ديل أركو: «فصلنا الكتب بحسب اللغة، تقليلاً للجهد ولسهولة الحصول على ما يريده الزبون. قُراء اللغة الإسبانية يعرفون مكان كتبهم والشيء ذاته بالنسبة إلى قراء اللغة الكاتالونية. لا يمكن حصر دوافع الفصل «عندهم» بعوامل توكيد الهوية، فحسب، مع قوتها. فبعضهم يجد في قراءة اللغة الأم سهولة على رغم معرفته باللغة الأخرى لكن الأكيد أنه، كان للصراع السياسي تاريخياً تأثير في شدة الفصل، الذي ظهر بقوة على السطح منذ منع الديكتاتور فرانكو على الكاتالونيين استخدام لغتهم القومية». الكاتبة والروائية نوريا أمات لا تجد في إعلان الانفصال سوى استجابة «شعبوية» تستغلها فئات سياسية لمصلحتها، لهذا تجد أمثالها أصبحوا قلة وسط «غوغاء» لا يقبل بالتعددية وثقافة الآخر، لهذا تشعر اليوم بالأسى والحزن على موروث أدبي طالما كان إسبانياً بغض النظر عن مكان انطلاقه كما توضح في حديثها للبرنامج التلفزيوني. «نشأت بين لغتين، فأنا كاتالونية أقرأ وأكتب بالإسبانية وبلغتي الأم أيضاً. لا أجد في ذلك ضيراً أو حرجاً». في آخر رواياتها «سنتاريوم» ترمز في انتشار فيروس يهدد جميع سكان مدينتها بانتشار فيروس «الشعبوية» اليوم بين «القوميين» والذي تصعب مقاومته، كونه يُغذى باستمرار بأوهام وأكاذيب، «فكاتالونيا ليست بريطانيا ولا اسكتلندا ولا حتى النرويج أو السويد، القوميون يستغلون نزعة الاستقلال المشروعة لمصلحتهم الخاصة ومن أجل ترسيخ هيمنتهم السياسية والاقتصادية، كما فعل قبلهم قوميو إسبانيا تماماً. فما يحدث اليوم أراه شديد القرب والتشابه مع ما كان يجري أيام الديكتاتور فرانكو».

في الشارع ووسط التظاهرات يسجل البرنامج الإحساس بالظلم والرغبة في التخلص من الهيمنة الإسبانية عند سكان الإقليم، وعلى طول طريق مسيراتها تظهر رسومات «غرافيتي» على الجدران، واحدة منها صورت إسبانيا «سجناً» يحاول السجناء الكاتالونيون التحرر منه وقد لفوا أجسادهم بالعلم القومي.

المفارقة أن أحد رسامي الإقليم ويدعى «ألبرت» علق عليه ووصفه بأنه «ذكي لكن رساموه ليسوا من إسبانيا بل من اسكندينافيا» في إشارة ساخرة منه، إلى تشعب المشكلة وكثرة العوامل «الأوروبية» المؤثرة فيها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

قتيلان وإصابة 13 باطلاق نار داخل مدرسة في كنتاكي الأميركية  |  بتوقيت غرينتشوزيرة الثقافة الإسرائيلية تشيد بإخفاق بلادها في الترشح للأوسكار  |  بتوقيت غرينتش«سناب شات» يتيح للمستخدمين مشاركة المنشورات خارج التطبيق  |  بتوقيت غرينتش«ذي شيب أوف ووتر» يتصدر ترشيحات «أوسكار»  |  بتوقيت غرينتشكيفن سبيسي يكبد «نتفليكس» خسائر بـ39 مليون دولار  |  بتوقيت غرينتشزلزال بقوة 8.2 درجة يضرب قبالة ألاسكا  |  بتوقيت غرينتشمقتل 22 شخصا بانفلونزا «اتش 1 ان 1» في الإكوادور  |  بتوقيت غرينتشاتهامات جديدة لممرض ألماني بقتل 97 شخصا  |  بتوقيت غرينتشإغلاق محطة سكك حديد وإخلاء فنادق بعد تسرب غاز في لندن  |  بتوقيت غرينتش70 مليون شخص يعانون في عشر أزمات إنسانية يتجاهلها العالم  |  بتوقيت غرينتش