|   

قصتان.. تصدُع

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: هدى يونس 

قمت من نومي على يدٍ تهزني. فتحت عيني لم أجد غير طفلتي نائمة في هدوء. أحكمتُ غطاءها الذي أبعدته بضربات رجليها المتصلة. نمت. سمعت صراخ طفلتي وبكاءها. صحوت. رأيتها نائمة وتكشيرة على وجهها. وضعت يدي على جسدها وقرأت قرآناً. وحاولت النوم. تعذّر النوم واستحال. بدأ يومي مبكراً قبل الأذان الأول. أؤكد لروحي بأنه لا يجدر بالقلوب الكبيرة أن تذيع اضطرابها الذي تشعره. بعدها أدهشتني حالة الرضا والسكينة التي شملتني. مرّت ساعتان. استيقظت ابنتي من نومها وساعدتها في ارتداء ملابسها وحملت أنا حقيبتها ونزلت معها حتى ركبت باص مدرستها.

بعدها تسرّبت الأصوات المختلطة بالنوم في رحلتها لاحتلال كل شيء؛ الشارع، الهواء، واقتحام صريح للسمع، جلست على كنبة مريحة، شعرت بصداع، بدأ الانسحاب إلى الداخل مواصلاً رحلة شائكة ومعقدة من علاقات أسرة فتتها وخرب كيانها زمن قوي قادر على التدمير. مر وقت، صرت بعده كياناً غير قادر على شيء. سمعت خبطات طفلتي القوية على الباب. فتحته. رأيت ما صدع كياني. طفلتي أصبحت اثنتين. الأخرى تشبهها تلبس ملابس مدرستها نفسها. تحمل حقيبة كتبها نفسها. تسريحة شعرها، طولها، نسخة أخرى منها. إحداهما تصرخ. تحيّرت أيهما طفلتي! هل التي تصرخ؟ أم الأخرى التي تصر على النزول وأعطتنا ظهرها. وأنا في حالتي هذه قلت لنفسي طفلتي هي بالتأكيد من طلبت مساعدتي بصراخها، كي تعود الأخرى إليها وتدخل معها البيت. ما تركته هذه الرؤية للبديل حطم جزءاً من كياني. انتقلتُ إلى مكانٍ آخر. حجرات فوق سطح بيت. البيت عالٍ. الحجرات صغيرة. السلم بعض أجزائه مهشم. عند الصعود أحس بأن سقوطي محتمل جداً. فأخاف. أما الفزع فهو احتمال سقوط أحد أفراد أسرتي. أعيش لحظات كابوسية حتى يجتمع الكل، فأطمئن وأهدأ.

اليوم أرتب المكتبة. بعد أن اقتطعت جزءاً من المطبخ وألحقته بالصالة. لزيادة حجم المكتبة. دخل حوض المطبخ إلى جوار المكتبة. كنا نحمل أنا وهو الكتب المتراكمة أمام الحجرات إلى المكتبة. رأيت كتباً في الحوض. غضبت منه لعدم اهتمامه بوضع الكتب في مكانها الصحيح. فجأة. رأيتها أمامي توبخني وتهددني بألا أنفعل أو أغضب مهما فعل. وإلا ستفعل بي ما لا أطيقه. وقفتُ إلى جواره ولم أنطق. نظرت إليه مستفسرة! لم يهتم وواصل تصفحِ ما يحملهُ من مجلد فنون عصر النهضة. أما هي فواصلت تهديدها. امرأة عجوز نحيلة بيضاء جميلة ذات نظرة تربك من يراها. وتحس صدق تهديدها وقدرتها على الفعل. عندما اعتدت وجودها وتحرر لساني سألته: من هذه؟ انشغل في كتاب آخر ولم يرد!

أما هي فردّت على سؤالي له بثقة الواثق من قدراته: قريبته. وعندما حاولت أن أستفسر أكثر سألتني سؤالاً آخر: هل ذهبت في الأيام الأخيرة إلى شيخ يقرأ الطالع؟ وعرفت منه بأن سحراً كُتِبَ لم يكن موجوداً من قبل. جفّ حلقي وضاق صدري. لم أعد قادرة على استنشاق الهواء. واصلَت هي كلامها باستهتار. أنا من فعلت هذا. عموماً ما فعلته غير مؤذٍ بالدرجة المطلوبة. انتبهي إذا فعلت ما يغضبه سأفعل ما يليق بك.

وجدتني في مكان بجوار سور صغير أمام حجرات كثيرة متهالكة. على سطح بيت وكمية متلاحقة من الأتربة أراها على البعد. سمعت بعدها صوت انهيار. قمت من جلستي حتى أتمكن من الرؤية. رأيت تصدعاً في حجرات سطح قريب من بيتنا. الأطباق المعدنية الخاصة بالدِش كثُرَت فوق أسطح البيوت المتهالكة ومع ارتفاع درجات الحرارة والثقل حدث التصدع المخيف إلا أن البعد عن المكان طمأنني قليلاً. وفي لحظة، رأيت نفسي داخل تفاصيل الحدث تماماً. أصبح سطح بيتنا ملاصقاً للبيت المتصدع. رأيت الحجرات المنهارة. ظلت تعلوها الأطباق المعدنية، فصرخت لنجدة مَن فيها. ظهر شخص أعرفه، هو من يجلب الأطباق لساكني المنطقة. ضحك ساخراً من فزعي. قال: الحجرات فارغة من ساكنيها ولم يسقط سوى سقف حجرتين. اغتظتُ من برودة كلامه، وأُلهمت بفتوى سريعة رغبة في اتهامه بأنه السبب في الكارثة وأن المعدن المصنوع منه الطبق غير مطابق للمواصفات الخاصة بتحمل الحرارة التي قد تصل في بعض الموجات إلى درجة تقترب من الاشتعال والجهاز الملحق بالطبق غير مناسب للاحتمالات التي قد تعصف بالمناخ. ابتسم باستهتار وقال: الأطباق سليمة، وإنما هو الشره لرؤية الممنوع... هل هذا ذنبي؟

ضقت من رده، وانصرفت. سمعتُ صوت انهيار في السطح من الناحية الأخرى؛ أكثر حدة. صوت الارتطام مزعج. أحاول الهرب من رؤية التصدع التالي. خبطات قوية كالمطرقة. فتحت عيني. وجدتني جالسة على كنبة في مدخل البيت. أنفاسي متلاحقة. انتبهت وأحسست بواقعية ما حولي. تواصلت الخبطات قوية. إنها طفلتي العائدة من مدرستها. هي تفضل دائماً طرقَ الباب بحذائها عندما لا أستجيب بسرعة لصوت الجرس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

مقتل 19 بانفجار حافلة في سريلانكا  |  بتوقيت غرينتشملكة بريطانيا تحضر بشكل مفاجئ عرض أزياء في لندن  |  بتوقيت غرينتشعلماء يرصدون انفجاراً كونياً وقع قبل أكثر من 10 بلايين سنة  |  بتوقيت غرينتشملاحقة ثلاثة علماء ألمان بتهمة معاملة قردة بوحشية خلال تجارب  |  بتوقيت غرينتشالدنماركيون يودعون الأمير هنريك  |  بتوقيت غرينتشدراسة: سلالة جديدة من التيفوئيد هي سبب تفشي المرض في باكستان  |  بتوقيت غرينتشالأمم المتحدة تطلق مفاوضات حول ميثاق دولي للهجرة  |  بتوقيت غرينتشبيل غيتس: يجب أن أدفع مزيداً من الضرائب  |  بتوقيت غرينتششركة إماراتية تنتج أول حليب إبل للأطفال  |  بتوقيت غرينتشممارسة نشاط جسدي خفيف يقلل من خطر الوفاة لدى المسنين  |  بتوقيت غرينتش