|   

بلغاريا: تحالف الأحزاب مع الأوليغارشية يهدد الديموقراطية والأمن الاجتماعي

احد اجتماعات برلمان الاتحاد الأوروبي (أ ف ب)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: صوفيا - محمد خلف 

بعد سنوات حرجة من الصراعات السياسية والإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية شهدت خلالها بلغاريا ثلاثة انتخابات برلمانية وأخرى رئاسية، يسود الآن نوع من الاستقرار السياسي وتحقق البلاد نجاحات اقتصادية ملحوظة، مع أن البرلمان لا يخلو من سجالات ساخنة واتهامات متبادلة بين الحكومة والمعارضة سواء تلك التي في المجلس النيابي أو خارجه. ومع تسلم البلاد الرئاسة الدورية للاتحاد الاوروبي في الأول من كانون الثاني (يناير) والتي ستنتهي في نهاية حزيران (يونيو) المقبل، تحول البرلمان إلى منبر تتواجه من خلالها المعارضة مع الحكومة التي تشكلت من تحالف يضم الحزب الحاكم بلغاريا من أجل التطور الأوروبي (غيرب)، يمين وسط وتجمع أحزاب اليمين الشعبوي، وبين المعارضة التي يتقدمها الحزب الاشتراكي (الشيوعي سابقاً) الذي طالب بسحب الثقة عن الحكومة بسبب تفشي الفساد في مؤسسات الدولة وتدهور الأحوال المعيشية للسكان ونقص الخدمات العامة. ولكن الاشتراكيين فشلوا في تمرير سحب الثقة بالحكومة لأن الطرف الاخر في الائتلاف الحاكم برأي المحلل كينتشو ستويتشيف، وهو تجمع القوى الشعبوية» يستمتع بلذات الحكم». وأشار ديبلوماسي أوروبي في حديث نقلته صحيفة «فاينناشال تايمز» إلى «أن التحالف الحكومي القائم قوي ومستقر وقادر على استيعاب الانتقادات والاتهامات التي أطلقها الحزب الاشتراكي الذي هو ليس بوارد التضحية برئاسة بلغاريا للاتحاد الأوروبي وتقديم مصالحه الحزبية على المصلحة الوطنية للبلاد».

دأبت المفوضية الأوروبية خلال السنوات الأخيرة على توجيه انتقادات حادة للحكومات البلغارية المتعاقبة على السلطة لعدم جديتها في مكافحة الفساد المستشري في هياكل الحكم ومؤسسات الدولية والتردد في إصلاح المنظومة القضائية الغارقة في الفساد والخضوع لإرادة الأحزاب السياسية وإقامة علاقات مشبوهة مع الأوليغارشية المهيمنة على مفاتيح الاقتصاد والمال العام والتلكؤ في تحديث الشرطة وإصلاح العملية التربوية والتعليمية ومنظومة التأمين الصحي. ووفق المحلل السياسي في معهد دراسات الديمقراطية اوغنيان شينتوف فإنه «لا يوجد شلل في الحكم، لكن تنعدم الشهية لدى السياسيين في السلطة والبرلمان للإصلاحات».

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن دخل المواطن البلـــغاري يــبلغ نسبة 47 في المائة فقط، مقارنة بنظيره في البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ما يجعل بلغاريا الدولة الأفقر في الاتحاد، ويحتم وفق الخبير الاقتصادي كراسين ستانتتشيف» رفع مســتوى النمو الاقتصادي بمعدل 4 في المائة ســنويا خلال الـ25 سنة المقبلة». ويتضح من البيانات ذاتها تزايد هجرة البلـــغار وتراجع معدلات الولادة بين السكان الذين يبلغ عددهم الآن 7.1 مليون نسمة، أي أن نسب الولادات هي أقل بخمس مرات عما كانت عليه في التسعينات. وتفيد تقارير للأمم المتحدة بأن عدد السكان في بلغاريا سيقل بنسبة 27 في المائة إلى عام 2050.

ووفقاً لاستطلاع للرأي أجري بعد مرور 25 سنة على سقوط جدار برلين «فإن العدد الأكبر من البلغاريين اعتبر فتح الحدود بين الدول الأوروبية هو الإنجاز الأكثر أهمية في الفترة ما بعد الشيوعية في أوروبا الشرقية». إلا أن الباحث في الشؤون الاوروبية إيفان كريستيف اعتبر «أن الهجرة الجماعية وفي شكل خاص للأشخاص بين 25 و50 سنة تسببت في نتائج دراماتيكية على الاقتصاد البلغاري». وقال إن «ما حدث عام 1989 من ثورة ديموقراطية أعقبها ثورة ديموغرافية مضادة». ويتضح من تقرير لصندوق النقد الدولي» أن استمرار الهجرة بنفس الوتائر سيؤدي إلى فقدان دول اوروبا الشرقية 9 في المائة من الناتج القومي الإجمالي المتوقع في الفترة من 2015-2030».

 

روسيا والتحكم في الفوضى

في تقريره المعنون «التحكم في الفوضى: كيف تدير روسيا حربها السياسية في أوروبا» الذي نشره المجلس الأوروبي للسياسة الخارجية يقول الباحث والمحلل مارك غاليوتي: «أن الدولة التي مؤسساتها ضعيفة، تتيح لروسيا أن تستحوذ عليها، مثلما هو حاصل مع بلغاريا». وأضاف: «على رغم المواجهة القوية والمتصاعدة لهذا الطموح الروسي من مجموعات وفئات كثيرة في المجتمع، يبدو أنها نجحت في إقامة شبكات قوية من الحلفاء والموالين والزبائن، مع الحرص الروسي على إبقاء بلغاريا عضوا في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي بهدف جعله يلعب دور حصان طروادة روسي في هاتين المنظمتين».

ويحرص الحزب الاشتركي (الشيوعي) ومعه ليس فقط رئيس الدولة الجنرال الطيار رومين راديف الذي وصل إلى كرسي الرئاسة بدعم علني قوي من الاشتراكيين وإنما أيضاً من الجماعات القومية المتشددة والشعبوية المعادية للمشروع الاوروبي والمعروفة بتحالفاتها مع الكرملين الذي ينفق عليها الملايين من الدولارات، على تقويض الدور الاوروبي الغربي في البلاد وعلى الترويج لخطاب الأخوة السلافية والأرثوذكسية التي تجمع الشعبين الروسي والبلغاري ويستخدم المنابر الأوروبية للدعوة لانهاء العقوبات الأوروبية ضد روسيا.

كما تستغل روسيا ضعف المؤسسات في بلغاريا لاختراقها من الداخل بهدف تعميم ونشر الفساد لتقويضها وإضعاف ثقة المجتمع بالنظام الديمقراطي وبالمؤسسات الأوروبية والأطلسية، ووفق دراسة اعدها معهد «بيو» الأميركي للأبحاث والاستطلاعات اعتمدت طريقتان تشكلان ركيزتين هامتين لقياس العوامل والمعايير التي تقوم عليها الدول: الأولى هي مستوى ودرجة قوة المؤسسات بموجب مؤشر استقرار الدول الذي اعدته المؤسسة من أجل السلام (Fund for pease fragile states index) والثانية هي مستوى العلاقة القائمة والاستعداد للتجاوب أو القبول والموافقة على الانخراط . وعلى هذا الأساس يتضح أن العلاقة مع روسيا يتم رسمها على أساس مستوى الارتباط الاقتصادي واختراق روسيا لاقتصاد الدولة المعنية، وهنا تظهر بلغاريا واليونان كدولتين تتميز مؤسساتها الرسمية بأنها الأكثر ضعفا مقارنة بالدول الاوروبية الاخرى وبالتالي الاكثر ارتباطا واعتمادا على روسيا ما يتيح إدخالها في تصنيف «الدول التابعة»، إضافة إلى دول أوروبية أخرى أقل ضعفاً هي بولندا والمجر والنمسا.

 

منظومة الفساد والمال السياسي

بلغاريا ربما تكون الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي لم يسجن أحد من سياسييها السابقين في النظام الشيوعي ولا من الفترة ما بعد التغييرات الديموقراطية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، على رغم اتهام عشرات بل مئات منهم بالفساد والارتباط بمافيات الجريمة المنظمة وعمليات الاغتيالات التي وقعت في الشوارع خلال العقود الثلاثة من النظام الديموقراطي.

وتطفح في وسائل الإعلام المحلية ومحطات التلفزة فضائح الفساد بين السياسيين والمسؤولين الكبار في الدولة ومجموعات الأوليغارشية التي أقامت تحالفات مع الاحزاب والجماعات السياسية التي تخدم مصالحها في مؤسسات الدولة، وقامت مؤسسة «فريدريش نيومان» الألمانية في بلغاريا بإصدار سلسلة من الكراريس بعنوان (الكتاب الاسود) تتحدث عن فضائح سرقة اموال الصناديق التمويلية الاوروبية وهي بالبلايين التي يقدمها الاتحاد الاوروبي للدولة لتمويل مشاريع البنى التحتية في مجال التعليم والصحة والثقافة وذلك من قبل جماعات رجال الأعمال والشركات المقربة من الأحزاب السياسية في السلطة وأحزاب البرلمان.

وفي تقرير نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان» غيوم من الفساد تسبح في سماء بلغاريا وهي تتأهب لتترأس الاتحاد الأوروبي»، كتبته الصحافية جينيفر رانكين «جاء نقلاً عن تقرير لمعهد دراسات الديموقراطية في صوفيا» لا احد في بلغاريا معني بملاحقة الفساد السياسي حيث وصلت الامور إلى مرحلة حرجة من الفساد الحكومي تسمح بوصف البلاد ب»الدولة المخطوفة». ووفقاً للتقرير فإن أكثر من 20 في المئة أو 1.9 مليون بلغاري متورطين في عمليات فساد إما كمستلمي أو دافعي رشاوي». وقال شنتوف: «نظرت المحاكم في 72 ملف فقط لشكاوى فساد ورشاوى خلال العام 2017». وتابع: «يصل المعدل الوسطي للرشاوى في بلغاريا خلال الشهر الواحد إلى 150 ألفاً». وذكرت صحيفة «دير شتاندارت» النمساوية» أن بلغاريا لا تستطيع أن تتفاخر بأي نجاحات في مكافحة الجريمة المنظمة في البلاد». وأكدت أن «الرأي العام البلغاري تعود على إخبار حروب المافيات التي تتقاتل في ما بينها على مناطق النفوذ».

تسعى الحكومة البلغارية إلى اقناع المفوضية الأوروبية بأنهاء الرقابة على مستويات ودرجة التزامها بتطبيق الاصلاحات في مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد السياسي ووضع حد لتدخل السلطة في عمل المؤسسة القضائية وهو ما يرفضه الطرف الاوروبي ويلح على ضرورة العمل الجدي في مسارات الإصلاح المطلوبة. وقال نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانس تيميرمانس: «ليس هناك فترة نهائية للمراقبة الأوروبية على مؤسسات القضاء والامن وما نريده هو الجدية في مكافحة الفساد في البلاد وصيانة الحريات العامة وفي مقدمتها حرية الصحافة وتعزيز المؤسسات الديموقراطية».

كشف استطلاع للرأي أجراه معهد «غالوب انترناشنال بلغاريا» أن 51 في المئة من البلغاريين المشاركين فيه أكدوا أن الديموقراطية في البلاد مهددة وفي خطر مقابل 40 في المئة اعتبروا أن الديموقراطية تتطور في البلاد، فيما قال 9 في المئة بأن لا رأي لهم». واعتبر 50 في المئة أن الاغتيالات التي نفذت خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة لها ارتباط بالسياسيين مقابل 37 في المئة لم يتفقوا مع هذا الرأي، ووافق 82 في المئة على اعتبار بلغاريا الدولة الأكثر فساداً في أوروبا».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

مسؤول أميركي يتوقع فتح السفارة الأميركية في القدس المحتلة في أيار  |  بتوقيت غرينتشالصومال: قتلى وجرحى بتفجيرين انتحاريين قرب مقر الرئاسة  |  بتوقيت غرينتشماكرون: الجيش الفرنسي قتل أكثر من 30 متشدداً في مالي  |  بتوقيت غرينتشإسرائيل: الغاز المسيل للدموع ربما تسبب في استشهاد فلسطيني أثناء احتجازه  |  بتوقيت غرينتشالأمم المتحدة تعد لملاحقة 41 مسؤولاً في جنوب السودان  |  بتوقيت غرينتشالافراج عن ألماني مسجون في تركيا  |  بتوقيت غرينتشميانمار تهدم قرى للروهينغا بعد حملة «تطهير»  |  بتوقيت غرينتشتنديد دولي ومطالب بوقف قصف الغوطة قبل تصويت مجلس الأمن  |  بتوقيت غرينتشالجبير: قطر تختبئ وراء جانب مظلم يدعم الإرهاب.. و«نووي إيران» يعاني من نواقص  |  بتوقيت غرينتشالجيش التركي يقصف قافلة متجهة إلى منطقة عفرين  |  بتوقيت غرينتش