|   

اقتصادات أوقاف المياه في التَّمَدُنِ الإسلامي

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: إبراهيم البيومي غانم 

أسهم الوقف الخيري في توفير أغلب المياه التي احتاجتها «المدينة الإسلامية» أو احتاجها سكانها في الأزمنة الوسيطة، تلك الأزمنة التي شهدت ازدهار نظام الوقف ومؤسسات النفع العام التي ارتبطت به، ومن أهمها: أسبلة المياه الصالحة للاستعمال الآدمي والحيواني، والآبار وعيون المياه وقنواتها الصالحة كذلك للاستخدامات الزراعية والصناعية والجمالية.

لكن «اقتصاديات الأوقاف المائية»، لم تحظ بما تستحقه من اهتمام الجماعة العلمية، إلا في حالات استثنائية ونادرة، ومنها موسوعة «كابونيرا» في قوانين المياه الإسلامية الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) في سبعينيات القرن الماضي. ويكشف السجل التاريخي لعلاقة نظام الأوقاف بالمياه ومصادرها واستعمالاتها عن مادة بالغة الثراء تصلح لإجراء بحوث اقتصادية متعمقة في هذا الموضوع ومبتكرة في الوقت نفسهِ.

المعلومات المتوافرة تكشف عن أن اقتصاديات مياه الأوقاف قد تباينت بحسب الغرض من الوقف ذاته، واختلفت طرق تدبيرها باختلاف نمط علاقة المياه بالوقف، وأن هذه الاقتصاديات قد تطورت مع تطور المدينة الإسلامية. كما تفيدنا هذه المعلومات أنه ليس صحيحاً الانطباع السائد بأن الأوقاف المائية كانت تعمل خارج نظام السوق وقانون العرض والطلب، وما يتبعه من تحديد سعر للخدمة أو السلعة في ضوء احتياجات السوق بشأن هذه الخدمة أو تلك السلعة. وثمة أدلة تاريخية ومعاصرة على ما نقول، منها: إن ميزانيات بعض وزارات الأوقاف تتضمن مبالغ تشير إلى إيرادات بيع مياه الأوقاف، كما أن وثائق الأوقاف المحفوظة في دور الوثائق المختلفة تحتوي على معلومات غزيرة تفيد بأن مياه الأوقاف كانت مدرجة باستمرار ضمن بنود ميزانية الأوقاف، الصغيرة منها والمتوسطة والكبيرة، وتلك التي كانت تدار إدارة أهلية خاصة، أو تدار إدارة حكومية عامة. ومن ذلك مثلاً ما رصده بهذا الشأن محمد حسن الرواس، في بحثه عن «الحياة الاقتصادية في صيدا العثمانية 1840ـ1888م».

يمكن القول أيضاً إنه ليس صحيحاً أن مياه الأوقاف كانت تدار إدارة غير اقتصادية، أو أن قواعد إدارتهاـ على الأقل من الناحية النظرية، كانت غير رشيدة بمعايير السوق الحر، فمن الحقائق المهمة التي تؤكدها وثائق الأوقاف أنه كانت هناك جهة معينة تتحمل تكاليف توفير المياه في جميع الأحوال، وذلك على النحو الآتي:

أ - إذا كان الوقف عبارة عن مصدر من صادر المياه الجوفية (بئر، أو عين مثلاً) وكان الهدف منه هو بيع هذه المياه والإنفاق من ريعها على أعمال ومؤسسات ومنافع أخرى، فإن مياه الوقف في هذه الحالة تخضع بالكامل لنظام السوق، ويكون لها سعر مساوٍ للمياه المعروضة في السوق للبيع والشراء سواء بسواء. والقاعدة العامة الواجب تطبيقها في المعاملات الوقفية هي أنه لا يجوز تأجير أعيان الوقف أو تقديم منتجاته بأقل من سعر المثل، أو بأقل من سعر السوق، وإنه يُفتى دوماً بما فيه مصلحة الوقف، والأنفعُ لجهته، وإنه يجب الاحتياط له حتى لا تغتاله النفوس النهمة، وإلا وقع الإخلال بشروط الواقف، ولم يمكن الصرف على المنافع أو أوجه البر التي قصدها، وهذا غير جائز لا شرعاً ولا قانوناً.

ب - إذا كان الوقف عبارة عن مصدر مائي، وكان هدف الواقف هو توفير المياه للآدمي أو للحيوان أو لري الأرض دون مقابل، فإن المياه الموقوفة لا تخضع لأسعار السوق، بل تقدم مجاناً حسب شرط الواقف، ويتكفل الوقف ذاته بتحمل نفقات تقديمها على الوجه الذي أراده منشئ الوقف. ومن الأمثلة على ذلك ما يظهر في ملفات محاسبة وقف عمر مكرم. نقيب الأشراف في مصر وزعيم المقاومة الشعبية ضد الحملة الفرنسية على مصر أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. إذ اشترط تخصيص ثمانية إردب قمح لملء «سبيل المياه»، وثلاثة إردب قمح لإحضار قواديس للساقية وكيزان للسبيل وأباريق للشرب، وأربعة إردب أخرى لرجل يملأ السبيلين بمدينة أسيوط (حجة وقف السيد عمر مكرم. سجلات وزارة الأوقاف المصرية. رقم188/3).

ج - المياه اللازمة لري الأراضي الزراعية الموقوفة. وهذه المياه يتحمل الوقف الزراعي تكلفتها، وتستنزل هذه التكلفة من ريع الأرض وفقاً للأسعار أو الرسوم المطبقة على الأراضي الأخرى غير الموقوفة. وكذلك يتحمل الوقف تكلفة مياه المباني السكنية والحرفية والصناعية الموقوفة. ومن الأمثلة على ذلك أن أحمد باشا المنشاوي. شامي رحل إلى دلتا مصر في أواخر القرن التاسع عشر وصار من كبار الملاك ومن كبار منشئي الأوقاف في مصر الحديثة. قد وقف 12 وابور مياه قوة الواحد منها تتراوح بين 8 و 10 حصان، بالإضافة إلى طلمبة 8 بوصة، وذلك لتوفير المياه اللازمة لري الأراضي التي وقفها في وجوه متعددة من المنافع والخيرات العامة. (حجة وقف أحمد باشا المنشاوي الجديد، الصادرة بتاريخ 22/1/1903 أمام محكمة مديرية الغربية الشرعية، وطبعتها مطبعة وزارة الأوقاف المصرية في سنة 1945م).

د - المياه التي تلزم لمؤسسات الأوقاف (مدارس ومساجد ومستوصفات...إلخ) يجري احتساب ثمنها باعتباره جزءاً من مصروفات هذه المؤسسات، وتتكفل بدفعها موارد الوقف التي تمول تلك المؤسسات. وقد انطبق ذلك على بعض أسبلة المياه التي كانت ملحقة بمؤسسات وقفية أخرى، أو كانت مستقلة عنها ولكنها تقدم خدماتها المائية للمترددين عليها. ومثال ذلك: أسبلة مياه بيت المقدس في فلسطين في العصر العثماني، وقد بحثها مروان أبو الربع، تحت عنوان: «أوقاف بيت المقدس وأثرها في التنمية الاقتصادية».

في ضوء ما سبق، يمكن القول: إن خبرة نظام الوقف المائي تكشف عن أن قطاع الوقف الذي لا تخلو منه بلد من بلدان الأمة الإسلامية، هو طرف في توفير بعض مصادر المياه، أو توفير خدمة المياه ذاتها وفق نظام السوق، وأن هذا القطاع كان ولا يزال طرفاً في إدارة جانب من الموارد المائية اللازمة للاستعمال الآدمي والحيواني والزراعي والصناعي والجمالي، وخاصة تلك الموارد المستمدة من مصادر جوفية، أو من مصادر سطحية. كما أن قطاع الأوقاف كان ولا يزال طرفاً في تقديم المياه وفق منطق الاقتصاد الاجتماعي، خارج نطاق السوق أحياناً وطبقاً له أحياناً أخرى.

ويضيف تراث فقه أوقاف المياه بُعداً أخلاقياً متميزاً إلى المفهوم المعاصر للإدارة المتكاملة لمصادر المياه، كما إنه يضيف بُعداً شرعياً (قانونياً) من شأنه الإسهام في تأصيل قواعد إدارة المياه، والعمل على تنمية مصادرها وحل مشكلاتها المتفاقمة في مجتمعاتنا المعاصرة في الوقت عينه. وقد تضمن هذا التراث جوانب عدة لا تزال تحمل بداخلها عناصر بقائها وفعاليتها، ومن أهمها:

1- الجانب الشرعي، ويكشف هذا الجانب عن عمق المحتوى الإنساني في إدارة الوقف المائي. فقد تحدث الفقهاء عن أربعة حقوق متعلقة بالمياه بصفة عامة، وهي: «حق الشِّرب» للأراضي الزراعية، و»حق الشفة» للآدمي وللحيوان، و»حق المجرى»، ويقصد به حق صاحب الأرض البعيدة عن مجرى الماء في إجرائه من ملك جاره إلى أرضه لسقيها، وقد يكون المجرى نفسه مملوكاً للجار، أو لصاحب الأرض المحتاجة إليه، أو لهما معاً، أو مشتركاً بينهما وبين آخرين، وليس للجار أن يمنع مرور الماء لأرض جاره، وإلا كان لجاره إجراؤه رغم أنفه، و»حق المسيل»، وهو أن يكون لشخص حق تصريف المياه الزائدة في ملكه عبر ملك الغير، وحكمه حكم حق المجرى، فليس لمن يمر المسيل في أرضه أن يمانع في ذلك أو يعارضه، إلا إذا أحدث ضرراً بيّناً لا يمكن تلافيه فله منعه. ولكل حق منها أحكام وقواعد تنظمه، كما أن لكل منها طرقاً ووسائل لإدارته إدارة كفوءة تضمن تحقيق المنفعة الجماعية المتوخاة منه. وهذا الجانب منقول لنظام الوقف من الفقه الإسلامي الذي تناول المرافق العامة، وكيفية تنظيم العلاقات الإنسانية حولها، وكيفية مراعاة الجوانب البيئية المرتبطة بها أيضاً.

2- الجانب الأخلاقي، ويكاد هذا الجانب أن يكون غائباً عن المفهوم الحديث للإدارة المتكاملة لمصادر المياه. أما تراث الوقف المائي فيقدم في هذا الجانب الكثير من المبادئ والآداب والأخلاقيات المرتبطة بإدارة المياه، وطرق الحصول عليها، وكيفية استهلاكها. ويستمد هذا الجانب الأخلاقي قوته من الوازع الديني، ومن ضمير الفرد الذي يتعامل مع المياه بقدر كبير من الاحترام والقداسة، سواء كان مستهلكاً، أو موظفاً في إدارتها. ومن بين الآداب والأخلاقيات التي تمدنا بها خبرة الإدارة الوقفية في هذا المجال، على نحو ما جاء مثلاً في كتاب «تيسير الوقوف على أحكام الوقوف» للمناوي، ومن ذلك:

أ - إن إدارة المياه يجب أن تسند لمن يكون كفوءاً ساعياً في جلب مصالحها ودفع المفاسد عنها، ومن أعظم المفاسد أن يكون الموظف خائناً غير أمين، ومن حق ولي الأمر المختص أن ينزع يد من لم يكن أميناً عادلاً في إدارته لمياه الأوقاف، وأن يحمله أية خسائر يكون قد ألحقها بالمياه أثناء إدارته لها.

ب - مبدأ أن «الحق في المياه يكون على قدر الحاجة»: سواء كانت للاستعمال الآدمي أو الحيواني أو الصناعي أو الجمالي، أو على قدر المساحة إذا كانت للاستعمال الزراعي.

ج - الماء الموقوف المخصص للشرب لا يصح الوضوء منه، وإذا كان هذا هو الحال بالنسبة للوضوء وهو شرط صحة الصلاة، فمن باب أولى أنه يجب أن يستهلك كل ماء موقوف فيما خصص له فقط.

د - يحرم الإسراف في استعمال المياه، ولو للوضوء، فلا يجوز أن يزيد على ثلاث مرات، وخاصة إذا كان الماء ماءً موقوفاً على التطهير كماء المساجد والمدارس والزوايا.

هـ - أدوات استعمال الماء الموقوف مثل: الأباريق والدلاء والأكواب ...إلخ ـ إذا تلفت بيد المستهلك لا يُطالب بتعويضها، إلا إذا كان متعدياً. ومن التعدي: استعمال مياه الوقف في غير ما خصصت له، فإذا تلف شيء من تلك الأدوات أثناء الاستعمال المخالف كان على المستهلك تعويض ما تلف بعد محاسبته.

و - السقايات المسبلة على الطرق يمتنع أن تستعمل في غير الشرب، أو نقل الماء منها للشرب، وما سوى ذلك لا يجوز.

مثل تلك الآداب والأخلاقيات قد روعيت في نظم ولوائح الإدارة الحديثة لأوقاف المياه ومنها مثلاً: ما ورد في لائحة ديوان عموم الأوقاف المصرية التي أصدرها الخديوي عباس الأول، (لائحة ديوان عموم الأوقاف الصادرة سنة 1267هـ ـ 1851م: محافظ دار الوثائق القومية ـ محافظ الأبحاث ـ محفظة 125ـ دفتر 1158 ـ قرار المجلس الخصوصي). فقد جاء فيها»... وإن كان في شرط الواقف ما ينص على ممنوعية بيع الماء من الصهاريج التابعة لتلك المساجد، يصدر إلى ناظر الوقف وإلى شيخ السقائين تعليمات أكيدة لعدم بيع الماء من أمثال الصهاريج المشار إليها...».

وثمة قواعد أخرى وأخلاقيات راقية في إدارة المياه الموقوفة وتدبير اقتصادياتها، وهي تحتاج إلى جهود بحثية للتفتيش عنها في المصادر الفقهية والتاريخية التي تحتوي تراث نظام الوقف في عصور ازدهاره.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

علماء يرصدون انفجاراً كونياً وقع قبل أكثر من 10 بلايين سنة  |  بتوقيت غرينتشملاحقة ثلاثة علماء ألمان بتهمة معاملة قردة بوحشية خلال تجارب  |  بتوقيت غرينتشالدنماركيون يودعون الأمير هنريك  |  بتوقيت غرينتشدراسة: سلالة جديدة من التيفوئيد هي سبب تفشي المرض في باكستان  |  بتوقيت غرينتشالأمم المتحدة تطلق مفاوضات حول ميثاق دولي للهجرة  |  بتوقيت غرينتشبيل غيتس: يجب أن أدفع مزيداً من الضرائب  |  بتوقيت غرينتششركة إماراتية تنتج أول حليب إبل للأطفال  |  بتوقيت غرينتشممارسة نشاط جسدي خفيف يقلل من خطر الوفاة لدى المسنين  |  بتوقيت غرينتشالعثور على حطام الطائرة الإيرانية في جبال زاغروس  |  بتوقيت غرينتشسياح يعلقون في تلفريك في ماليزيا بعد تعطّل أحد الأسلاك  |  بتوقيت غرينتش