|   

ديفيد رؤوبين أول رحّالة يهودي يزور سودان وادي النيل

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: مصطفى وجيه مصطفى 

من بين ما ضمّته موسوعة «الرحّالة اليهود»؛ للباحث الأميركي إلكان ناثان أدلر؛ رحلة مهمة لمغامر يهودي يدعى ديفيد رؤوبين؛ شدّ رحاله إلى سنار للقاء سلطان الفونج لهدف غير معروف. وتعود أهمية رحلته إلى أن صاحبها كان أول رحالة أوروبي يرتحل لزيارة تلك السلطنة الإفريقية البعيدة العصية القيادة، والتي لم تثر اهتمام أي رحالة أوروبي أو من دولة أخرى. وكتب رؤوبين مذكراته عن سودان وادي النيل بلغته العبرية، وحُفِظَت أصولها في مكتبة بودليان في أكسفورد، إلا أنها اختفت في العام 1867م. وبعد عقدين من ذلك التاريخ قام إفرهامنيوباور؛ في أكسفورد؛ بتحرير بعض نصوص تلك المذكرات؛ ونشرها؛ ومنها تعدّدت طبعاتها؛ ومنها نشرة إدلر التي اعتمدنا عليها هنا. وفي بحث له عن رؤوبين؛ ذكر المستعرب سيقمار هيللسون؛ أن كل ما رواه ديفيد في وصفه سودان وادي النيل ومملكة الفونج، صحيح تماماً ويتوافق مع الوارد في المصادر. وتبدأ المذكرات بما زعمه ديفيد رؤوبين من أنه ابن للملك سليمان وأخ للملك جوزيف والذي كتب عنه أنه «يحكم في مملكته في صحراء «خابور» (خيبر) KHABOR (بلاد العرب؟) نحو مِن 300000 نسمة ينتمون إلى ثلاث مِن «القبائل اليهودية العشر الضائعة». زعم ديفيد أن أخاه الملك جوزيف قد أمره بالتوجه إلى روما للقاء البابا. وعلى رغم أن تلك الفقرة تنتمي إلى عالم الأسطورة والخيال الرومانسي الذي انتشر بين يهود العالم آنذاك إلا أنها تعبير عن فكر الرجل واليهود بعامة حينئذ.

تشير اليوميات إلى أن ديفيد رؤوبين شدَّ رحاله من صحراء خيبر -حيث مقر الحكم اليهودي المزعوم- منتحلاً شخصية شريف من مكة؛ أي من نسل النبي محمد؛ وعلة ذلك أن لقب شريف يؤهل ويضمن له الحماية والشرف خلال تنقله في البلاد العربية وبالخصوص في سودان وادي النيل حيث مملكة سنار الحديثة العهد بالإسلام والتي مكث فيها شهوراً عدة.

وطبقاً لما في اليوميات فإن رؤوبين قطع صحراء «خابور» وحل في جدة بعد مسيرة عشرة أيام ويقول: «... أصابني (في جدة) المرض ومكثت هنا خمسة أسابيع حتى سمعت عن سفينة ترحل إلى إثيوبيا». كانت مركباً صغيراً؛ مكث فيها ثلاثة أيام, وفي اليوم الرابع رست به في سواكن؛ وهناك اكترى لنفسه داراً أقام فيها شهرين.

وفي سواكن التقى عدداً من التجار المسلمين القادمين من مكة ومتجهين إلى مملكة شيبا (سبأ SHEBA) وكانت القافلة تضم ثلاثة آلاف ناقة؛ أما زعيم القافلة فكان رجلاً من الأشراف «... من سلالة النبي ويسمى عمر بن كامل». حينئذ التحق ديفيد بالقافلة وسافر في صحبتها في رحلة استغرقت شهرين حتى وصلت إلى سنار وعند وصوله قابل ملك سنار واسمه عمارة OMARA والمقصود هو الملك «عمارة دنقس» (1504-1533م) وهو مؤسس مملكة سنار، أول دولة إسلامية في سودان وادي النيل بالتحالف مع الشيخ عبدالله جماع، أول ملوك المملكة السنارية (الفونج) التي حكمها من 1503 حتى 1533م/940 هـ. ووفق جيمس بروس فإنه من أسس مدينة سنار بعد انتصاره في معركة أربج على ود عجيب. واسمه الحقيقي هو الملك عمارة ابن الشيخ عدلان ابن الشيخ أونسة. وقد وصف ديفيد بعضاً مما شاهده قائلاً إن: «... كرسي عرش الملك عمارة على نهر النيل. هو ملك أسود وتحت حكمه أُناس سود وبيض ومدينته لامولLAM UL وهنا سكنت مدة عشرة أشهر». وقدم رؤوبين نفسه للملك عمارة على أنه «شريف من مكة»؛ وكان من نتيجة ذلك أن غمره الملك بهدايا كثيرة وأجزل له العطاء ومنحه الكثير من الرقيق. ويشير ديفيد إلى أنه امتنع عن قبول الهدايا وقال للملك دنقس: «... لا أريد شيئاً من كل هذا ولكنني سمعت عن عظمة هذه المملكة ولقد أحضرت لك معي هذه الهدية مصحوبة بالحب والسعادة. أعطيك رداءً من الحرير وسبعمئة دوكة علاوة على قطع ذهبية وقلت له: أحبك وأنني أسامحك وأطلب لك الجنة لك ولأولادك وبناتك وكل أهل بيتك وأدعوك إلى أن تزورنا العام المقبل في مكة؛ حيث أرض الغفران من الذنوب...». ولا شك هنا في أنه يريد أن يؤكد زعمه بالنسب الشريف حتى يبقى في أمان لتحقيق هدفه غير المعلن في سودان وادي النيل؛ وزاد في ذلك أن دعا الملك إلى زيارة مكة؛ على اعتبار أنه أحد سادتها.

على أية حال؛ تذكر اليوميات أن ديفيد أقام عشرة أشهر في ضيافة عمارة دنقس في لامول وأورد بعض المشاهد الاجتماعية التي كانت تُمارس في تلك المملكة. ومن ذلك: أن الملك كان يسافر متنقلاً في دياره ليتفقد أحوالها، حيث اعتاد أن يزورها واحدة تلو الأخرى في كل شهر. ويذكر أنه صاحب الملك في إحدى رحلاته وكان معهم أيضاً الشريف عمر بن كامل. وهذا يؤكد مرة أخرى ذكاء ديفيد في دقة اختياره للتعريف بنفسه بأنه من أشراف مكة ضمانًا للحماية من ناحية والتشريف من ناحية ثانية. وكان من مظاهر هذا التشريف ما قاله عن نفسه بأنه»... طوال الوقت الذي بقيته في البلاد الأثيوبية كنت في وليمة على مائدة الملك يومياً...». ويلاحظ أن ديفيد لم يترك وصفاً للأعمال التي كان السلطان يعملها في ترحاله الشهري، كما أنه لم يترك وصفاً للأقاليم التي كان يزورها، والتي امتدت رحلاته فيها إلى أرض البطانة والنيل الأزرق، وربما بعض الأجزاء الشمالية من المنطقة التي كانت تحتلها مملكة مروى. ولفتَ رؤوبين إلى أن الملك خلال ترحاله كان يسير في خدمته عددٌ كبير من الخدم، تجاوزَ الستين رجلاً. كذلك تضمنت اليوميات حديثاً عن المرأة في مملكة عمارة؛ ففيها أن الملك لديه خادمات وخدم وعبيد معظمهم كانوا عراة. أما الملكة والمحظيات وكذلك السيدات؛ فكُنّ يتزيّن بأساور من ذهب في أيديهن وسيقانهن، وكنّ يغطّين النصف الأسفل من أجسادهن بغطاء امتداده نحو ذراع، فيما النصف العلوي لا يستره شيء وفي أنف كل واحدة منهن حلقة من الذهب. ولم يغفل ذكر جانب من خبر قائمة الطعام في مملكة عمارة، موضحاً أن الفيلة والذئاب كانت طعام الرجال والنسوة إضافة إلى لحم النمور والكلاب والإبل، كما ذكر أنهم يأكلون اللحم البشري أيضاً.

ومما يدعو إلى الدهشة في قصة ديفيد في سودان وادي النيل هو قدوم «شريف مكي ثالث» – فهو الشريف الأول وكان الشريف الثاني عمر بن كامل- أسرّ للملك عمارة بأن ديفيد لا ينتمي إلى الأشراف فضلاً عن عدم انتمائه إلى الإسلام أصلاً؛ بل هو يهودي محتال. ولما علم ديفيد بهذا الأمر دافع عن نفسه بقدر المستطاع ووقف إلى جانبه الشريف عمر بن كامل زعيم القافلة التجارية, وعلى الفور طلب رؤوبين من الملك السماح له بمغادرة البلاد؛ كي لا ينكشف أمره، وتمّ له ما أراد بتدخل زوجة الملك لمصلحته، وسافر بمعية رسول من البلاط السلطاني وخادمه العجوز عبر أراض شاسعة وبقاع طينية زلقة إلى أن وصل سوبا؛ موطن عمر بن كامل؛ ويقول إن سوبا حينذاك: «... كانت عبارة عن بقايا مدينة مهجورة تنتشر فيها الأكواخ الخشبية». وبعد أن قابل عمر بن كامل لم يمكث طويلاً؛ فسرعان ما غادر سنار واتجه شمالًا إلى بلاد الجعلين ELGEL التي قال عنها إنها: «... في مملكة شيبا SHEBA –سبأ- وتحت حكم عمارة وملك الجعل اسمه أبو عقرب ABU-AKRAB ...» وقدم له الأخير المعونة والتسهيلات اللازمة التي مكّنته من الوصول إلى مدينة تسمى جبل التقى ATAQQI وقابل حاكمها واسمه عبدالوهاب الذي شجّعه على مواصلة رحلته إلى دنقلا وقد رافقه حتى طرف الصحراء إلى أن وصل النيل حيث يقطن أعداء عمارة. رحب هؤلاء بديفيد واحتفوا به، وعاد عبدالوهاب إلى بلدته وترك رؤوبين مع مستضيفيه الجدد على الحدود المصرية والذين وعدوه بإيصاله إلى مصر بأمان. واللافت في ما سطره رؤوبين في يومياته أثناء إقامته مع مستضيفيه الجدد من؛ «أمراء مصر»؛ وبخاصة أمير اسمه عثمان OSMAN؛ أن وفداً مِن خمسة رجال من قبيلتين من قبائل اليهود الضائعة زاروه وأهدوه زوجاً من أشبال الأسود. ولعل التساؤل هنا هو: كيف تمّ ذلك وهو يقدم نفسه على أنه شريف من مكة وليس يهودياً؟ وما موقف المصريين الذين يستضيفونه من وصول ذلك الوفد وهو قد قدم نفسه لهم على أنه من الأشراف؟ وهل سمحوا لليهود بمقابلة أحد أحفاد النبي؟ في حقيقة الأمر لم استطع تفهم تلك النقطة إلا في إطار أسطورية الخبر مثل غيره من الأخبار الأسطورية التي ضمتها يومياته؛ في ما يخص القبائل المفقودة والهيكل وأسطورية التعريف بنفسه بأنه أخ لملك يحكم اليهود في خيبر وهي الأساطير التي سيطرت على الفكر اليهودي آنذاك.

على أية حال، تشير اليوميات إلى أنه في تلك الأثناء وبعد انتهاء زيارة وفد القبائل المزعوم أخبره كبير القوم من المصريين أنه رتّب له مرافقة قافلة تجارية متجهة إلى مصر، لأنه من الخطورة بمكان أن يسافر في رفقة إثنين من العبيد فقط. فأخذ طريقه إلى مصر التي وصلها في الرابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) 1523م. هذه كانت آخر أخبار سودان وادي النيل في مذكرات رؤوبين– باختصار- ولفهم تلك المذكرات جيداً يجب أن نضعها في إطارها ومضمونها التاريخي الصحيح. كما تنبغي ملاحظة أنه عقب محاكم التفتيش الإسبانية ونفي اليهود من مملكة فيردناند وإيزابيلا قامت حركات يهودية عدة في أوساط يهود الشتات، بخاصة في البرتغال وإسبانيا وكذلك في أوساط اليهود الذين بدّلوا دينهم بالمسيحية (وعرفوا بالمارون). وعلى رغم أن ديفيد لم يقل أبداً أنه مسيحي، إلا أنه ارتبط بصورة ما ببعض تلك الحركات اليهودية. وبالتالي فيرجح أنه كان يسعى إلى إيجاد حل للمسألة اليهودية بالتعاون مع سادة القرار الأوروبي الذين ربما طلبوا منه توفير معلومات عن تلك البقعة السحيقة وسط حركة الكشوف الجغرافية والتحدي العثماني آنذاك، والرغبة الصليبية في التوسع الاستعماري في الشرق وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى نكاية بالعثمانيين الذين توغلوا في أوروبا تزامناً مع سقوط الأندلس. يؤكد ذلك أنه إذا كان هدف رؤوبين الذهاب إلى البابا؛ فلماذا لم يذهب عبر سيناء والبحر المتوسط؛ الطريق المعروف؟ لا توجد إجابة غير الرغبة في الحرص والكتمان على ما كُلِفَ به في السودان الأوسط .

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

دراسة تحسم الجدل في شأن مضادات الاكتئاب وتؤكد فاعليتها  |  بتوقيت غرينتشالأمير هاري وميغن ماركل تلقيا رسالة ذات طابع «عنصري»  |  بتوقيت غرينتشفلوريدا تنفذ حكماً بالإعدام وتخفف آخر قبل تنفيذه بـ «ساعة»  |  بتوقيت غرينتشعلاج دقيق للسرطان يثبت فاعليته لدى 75 في المئة من المرضى  |  بتوقيت غرينتشالموت يغيب المخرج التونسي الطيب الوحيشي  |  بتوقيت غرينتشخمسة قتلى و15 مفقوداً في انهيار أرضي في إندونيسيا  |  بتوقيت غرينتشفيلم مرشح لأوسكار يواجه دعوى «سرقة أدبية»  |  بتوقيت غرينتشوالدا ميلانيا ترامب يحصلان على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة  |  بتوقيت غرينتشولادة وحيد قرن أبيض وثلاثة نمور بيضاء في حديقة حيوانات فرنسية  |  بتوقيت غرينتش6 روايات تتنافس على «الجائزة العالمية للرواية العربية»  |  بتوقيت غرينتش