|   

أميركا «المتدخّلة» قادرة على تحقيق تسوية في المنطقة العربية

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: سام منسى 

بات الحدث العراقي أو ما يصطلح على اعتباره المفاجأة في المنطقة جراء سيطرة «داعش» والموالين لها على مناطق واسعة منه، يتصدر العناوين الرئيسة واهتمام صناع القرار في المنطقة والعالم. لا يمكننا توقع تداعيات ما يمكن وصفه بانتفاضة اهل السنة في العراق وفي المنطقة عموماً، إنما من الممكن البحث في الأسباب الكامنة وراءها ووراء تحولها إلى جهاد متشدد عنيف وفي سبل معالجتها تلافياً لتمدد هذا التيار الظلامي وحجبه قوى سياسية واجتماعية أخرى تشكل غالبية الناس في منطقتنا. يعود المشهد في العراق اليوم وفي سورية قبله إلى أسباب كثيرة داخلية وخارجية، منها ما هو مستجد ومنها ما هو قديم وكامن.

أول الأسباب المحلية - الإقليمية المستجدة هو الحدث السوري، ومحاولات النظام الحثيثة لعسكرة الحراك الشعبي اولاً، وتطييفه ثانياً وتحويله ثالثاً الى حرب مذهبية ضد الإرهاب.

باعتراف غالبية السياسيين والمراقبين في الداخل والخارج، يعد النزاع السوري الأكثر دموية في منطقة الشرق الأوسط منذ اكثر من قرن، ان لجهة حجم ونوع العنف المستخدم، أو لجهة التجاهل الدولي بل التسامح غير المسبوق مع نظام مذهبي أقلي، وصل إلى السلطة بانقلاب ومارس التسلط على الأكثرية السنية لأكثر من 40 سنة، ويمعن حالياً في قتل شعبه باستعمال الطيران والصواريخ والدبابات والأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة.

وهناك دول مثل ايران وروسيا بالدرجة الأولى والعراق ولبنان بالدرجة الثانية، تساعد على سحق حراك شعبي بدأ غير مسلح، في عملية إبادة بواسطة كل الأسلحة المتوافرة.

لا يغيب عن الذاكرة أن منطقة الشرق الأوسط تشهد منذ انتصار الثورة الإسلامية في ايران في العام 1٩٧٩، تنامي ظاهرة الإسلام السياسي او ما سماه بعضهم «الحالة الإسلامية». وفي هذا السياق ينبغي ان نشير إلى ان دولاً اخرى في المنطقة لم تقصّر في تشجيع التشدد والأصولية في الضفة الأخرى، كما ان تصدير ايران ثورتها وإسلامها السياسي حفّز التشدد السني وأيقظه.

الدور الإيراني الذي بدأ مع الثورة ولم يتراجع حتى اليوم، مر بمراحل كثيرة من صعود وهبوط وركود، انما القراءة الهادئة لهذا الدور تشي بالتوسع.

صحيح أن النظام الإيراني «تجرع كأس السم» مع نهاية الحرب الإيرانية العراقية التي امتدت ثماني سنوات، انما لم يتوقف يوماً عن التمدد باتجاه الأقليم بعامة والبيئات الشيعية بخاصة من الخليج العربي الى لبنان. ونجح بواسطة حليفه الرئيس في المنطقة النظام السوري في التسلل الى الوسط الشيعي وبناء اكبر وأقوى ميليشيا مسلحة، «حزب الله»، على حساب القوى والقيادات الشيعية المحلية وعلى رأسها الإمام موسى الصدر الذي غُيّب في ظروف غامضة في ليبيا الحليف اللصيق بسورية وبمنظمات فلسطينية وبإيران وثورتها لاحقاً. وقد بدأت تجليات التوغل الإيراني باتجاه لبنان وسورية منذ الثورة في العام 1٩٧٩ مع عمليات خطف الأجانب التي اختلطت فيها منظمات تحمل في كل مرة اسماء وعناوين متغيرة، وتحركها وتمولها سورية تارة وسورية وإيران تارة اخرى.

أعطى الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1٩٨٢ الحراك والنفوذ الإيراني شكله النهائي عبر «حزب الله». وفقط حتى لا ننسى، نذكّر بتفجير المارينز والقوة الفرنسية في اطار القوات المتعددة الجنسية في لبنان كما بتفجير السفارة الأميركية في عين المريسة في بيروت عام 1983. التمدد الإيراني في لبنان الذي صار اسمه «حزب الله»، وصل الى ما هو عليه الآن مروراً بأحداث جسام زلزلت الحياة السياسية والاجتماعية في هذا البلد: اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، احداث ٧ ايار (مايو) ٢٠٠٨، الاعتصام في وسط بيروت التجاري، اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، مروراً بحرب العام ٢٠٠٦ مع اسرائيل حتى وصلنا الى شغور منصب رئاسة الجمهورية. اما في المنطقة فالدور الإيراني ليس بعيداً من التفجيرات التي اتهم بها «حزب الله» في الخبر السعودية، وكذلك محاولات تحريك البيئة الشيعية في السعودية وأحداث البحرين والموقف الإيراني من الجزر الإماراتية والدعم الإيراني للحوثيين في اليمن.

لن نهمل تسليم العراق الى ايران بسبب الأداء الأميركي المتردي بدءاً من الغزو في العام ٢٠٠٣ حتى خروج اميركا منه في العام 2011، وهو ما أدى الى نقل الاستبداد الصدّامي «السني» الى استبداد «مالكي» شيعي. ان مقاربة توثيقية وقراءة مبسطة للمواقف الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية من الدول العربية، تدل دون اي التباس على اهداف ايران الإقليمية، وكلها تصب في إذكاء الثورات المذهبية في منطقة لا تحتاج إلى الكثير حتى تشتعل.

وكما ان الحدث السوري هو من الأسباب الرئيسة الداخلية والإقليمية المستجدة، كذلك موقف الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة من الحرب الدائرة في سورية هو من الأسباب الخارجية المستجدة. ولا بد أن هذا الموقف استفز ويستفز يومياً مشاعر غالبية السوريين والعرب في الإقليم. وقد ذكّر جون بونر رئيس مجلس النواب الأميركي وفي صدد رفضه التعاون الأميركي مع ايران بشأن احداث العراق، الإدارة الديموقراطية بدور ايران وسورية في تغذية الإرهاب على مدى سنوات وسنوات، وبدور ايران اليوم في سورية والعراق. أما السبب الثاني الخارجي فهو ان الغرب والولايات المتحدة لم يقتصر تسامحهما مع ايران على الشأن السوري بل ينسحب طبعاً على الشأن العراقي منذ ما قبل الغزو في العام ٢٠٠٣.

منذ أن أعلنت أميركا الحرب على نظام صدام حسين من ضمن حربها الشاملة حينذاك على الإرهاب، اعتقد الكثيرون أنها تخطئ الهدف إذ كان العراق وقتها يشكل الحلقة الأضعف بين الدول الراعية للإرهاب كإيران وسورية وليبيا. ومع نهاية هذه الحرب، بدا أن الولايات المتحدة تقدم إلى إيران هدية مجانية بإسقاط نظام صدام حسين وإعلاء شأن «حزب الدعوة» الشيعي الإيراني، كما بدا في عام 2006 جراء تداعيات الحرب مع اسرائيل أن هذه الأخيرة تمنح «حزب الله» الشيعي الإيراني شرعية سنية عربية وتجذر تالياً سطوته في لبنان وتسلمه مقاليد القرار السياسي والعسكري فيه.

واشنطن دعمت ايضاً نوري المالكي على حساب اياد علاوي الذي حظي بأكثرية نواب المجلس في الانتخابات قبل الأخيرة. يومها لم تكترث الإدارة الأميركية للأكثرية والعملية الديموقراطية بل أيدت تولي المالكي رئاسة الوزراء لولاية ثانية، وقد تؤيده هذه المرة ايضاً للحكم ولاية ثالثة. إلى هذا، باتت واشنطن مهووسة بما اصطلح على تسميته الإرهاب القاعدي السني، وهذا حق لاسيما بعد احداث ايلول (سبتمبر) ٢٠٠1 وتفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك. إلا أنها تغاضت، عن قصد او غير قصد، عن دور ايران في دعم ارهاب آخر حصد ارواحاً اميركية في اكثر من مكان لا سيما في لبنان (تفجيرات المارينز والسفارة الأميركية)، وعن إرهاب «عصائب أهل الحق» و«حزب الله» والأدوات الإيرانية الأخرى في الحرب الدائرة في سورية.

السبب الخارجي الأخير، ولعله بأهمية الأسباب التي اوردناها، هو الفراغ الذي ولّده الانكفاء الأميركي عن قضايا المنطقة في زمن الإدارة الأوبامية. وكما في الطبيعة كذلك في السياسة، لا بد من ملء الفراغ، اما بعناصر الداخل او بقوى خارجية.

اوروبا لن تتحرك دون الحليف الأميركي، اما الدور الروسي فنتائجه معروفة وعانى العرب منها الكثير في السابق ونشهدها واضحة في مواقفه من الأزمة في سورية، كما في ملعبه الداخلي وعلى حدوده مع اوكرانيا، وسبق ان شهدناه في جورجيا في العام ٢٠٠٨. ولّد انكفاء الدور الأميركي الفاعل انطباعاً يسود المنطقة اليوم بأن اميركا تمارس ازدواجية المعايير او الكيل بمكيالين، ما أدى إلى تسعير التجاذب الحاصل في المنطقة وإلى التظاهر والممارسات الغريبة والشاذة الحاصلة، والتي حولت المنطقة الى منطقة خارج السيطرة او حتى «متوحشة». ما السبيل لمعالجة الوضع الراهن؟

اميركا قادرة على المساعدة لاسيما اذا شاءت ان تتدخل. والتدخل المقصود هو سياسي بهدف تحقيق تسوية شاملة في الإقليم في اطار خريطة طريق واضحة، تسوية تضم الحلفاء والخصوم برعاية اميركية لتطبيق خطة ابرز عناوينها:

-الولايات المتحدة تبقى على مسافة واحدة من الأطراف المتنازعة كافة. وفي هذا السياق لا يكفي اعتبارها ان المالكي منحاز بل ايضاً ينبغي الحذر من تفسير التعاون الأميركي مع ايران في الشأن العراقي بأنه انحياز إلى الشيعة ضد السنّة.

- ضرورة التشاور مع تركيا التي لديها حدود مترامية مع العراق وسورية، والتشاور مع كل من مصر والسعودية. لماذا؟ لأن دور مصر لا يمكن تعويضه والسعودية دورها رئيس وفعال في الشأنين السوري والعراقي. ومن شأن دور فعال لمصر والسعودية بدعم اميركي تجفيف منابع المتشددين ونزع صفة ممثلي الوجدان السني في المنطقة عنهم. ان رباعية ايران السعودية تركيا ومصر لا غنى عنها لتسوية مشاكل هذه المنطقة بما فيها الحرب في سورية.

-البحث ايضاً عن فرص تتيح انضمام روسية والصين في اطار ادارة هذه التسوية الجيوسياسية.

هل تبرهن الديبلوماسية الأميركية عن قدرة ومهارة في سياسة متوازنة ام انها ستؤكد الانطباع السائد لدى كثيرين في الداخل الأميركي والخارج ان هواه إيراني؟

الهرولة الى تسويات جزئية على غرار نزع سلاح الأسد الكيماوي وتسوية الملف النووي الإيراني، اذا تمت من دون التصدي للجشع الإيراني، لا تعالج مآسي ابناء هذه المنطقة ولن تنتج الا تنظيمات على غرار «داعش» وأخواتها. وهناك دولة واحدة تحتاج الى هذه التسويات الجزئية هي اسرائيل ولمدى قصير، على غرار قصر نظر الطبقة السياسية التي تحكم هذا البلد. الدور المطلوب من اللاعب الأميركي هو تأمين مصالح المنطقة ومصالح واشنطن والدول الغربية في تسوية دائمة تعي المشاكل الحقيقية وتسعى لإدخال المنطقة حقاً في القرن الحادي والعشرين رغم ان بعضها لم يدخل حتى الآن القرن العشرين.

 

 

* إعلامي لبناني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.