|   

كوباني حصان أردوغان ... وضحيته

رجب طيب اردوغان (رويترز)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: ريناس سينو 

الكرد يخسرون كل ما يكسبونه على طاولة المفاوضات هذا ما اشار اليه الدكتور عبدالرحمن قاسملو رئيس الحزب الديموقراطي الكوردي في ايران الذي اغتيل على يد المخابرات الإيرانية في فيينا عام ١٩٨٩، ويرى بعضهم ان ما يحدث في كوباني المدينة الكردية السورية هو عكس ما جرت عليه العادة للكرد اي انه فشل عسكري وليس سياسياً.

كوباني فرض عليها الحصار اكثر من ٦ اشهر وقد تم فصلها عن بقية المدن الكردية بعد ان فرضت «داعش» طوقاً من ثلاث جهات باستثناء الحدود التركية التي هي اصلاً مغلقة في وجه الكرد باستثناء المساعدات الإنسانية التي كانت تصل بين الفينة والأخرى، وما يحدث في كوباني هو نتيجة فشل في السياسات الكردية وبخاصة في ما يتعلق بالتحالفات حيث مازال الكرد غير قادرين على توحيد صفوفهم في مشروع واحد سواء على المستوى القومي او الوطني ولهذا الفشل اسباب تتعلق بتخندق السياسيين الكرد في تحالفات اقليمية ودولية وهو عائد الى قراءة خاطئة للمشهد السياسي الدولي.

وما يحصل في كوباني قد يكون بوابة لتغيير مسارات مهمة في عمق الأزمة السورية وتغير قواعد اللعبة ويبدو ان اللاعب الرئيسي في هذا التغيير هي حكومة رجب طيب اردوغان المتهم بتقديم الدعم لـ «داعش» وبخاصة بعد عملية إنقاذ الرهائن الأتراك وما شاب هذه العملية من غموض.

فللحكومة التركية حسابات ومصالح مختلفة عن التحالف الدولي، إذ إنها ترى أن الضربات الجوية لن تساهم في تسريع اسقاط النظام بل قد يستفيد النظام السوري منها وبخاصة في ظل عدم وجود بديل لدى المعارضة السورية لملء الفراغ الذي سيتركه تراجع «داعش» وبالتالي فهي ترى انه يجب ان يرافق القصف تدخل بري يؤدي الى فرض منطقة عازلة. وهذا ما اشار اليه اردوغان بوضوح عندما وعد بإعادة مليون ونصف مليون سوري الى داخل سورية وهو يدرك انه لن يجد افضل من الورقة الكردية للضغط على المجتمع الدولي وعلى راسها الإدارة الأميركية لتغيير سياساتها بخاصة بعد رد فعل المجتمع الدولي تجاه الاضطهاد الذي تعرض له الأيزيدين على يد «داعش». تركيا الآن على يقين تام من انه لا يوجد افضل من ورقة الأقليات لابتزاز المجتمع الدولي على غرار ما فعله النظام السوري. وتستغل تركيا حدودها الجغرافية مع سورية وملف اللاجئين السورين وترفض التخلي عن الأعباء الذي يشكله عليها سواء على الصعيد السياسي او الاجتماعي. وهي تدرك أن فرض منطقة عازلة لها فوائد عدة ومنها:

أولاً: سوف تسرّع في اسقاط النظام الهدف التي لا تنوي تركيا التخلي عنه، وهذا لا يصب بالكامل في رؤية الإدارة الأميركية التي ترى ان من شأن قيام منطقة عازلة أن يؤدي الى تقسيم سورية وبخاصة في ظل عدم وجود اي رؤية واضحة للمجتمع الدولي لسبل الحل في سورية.

ثانياً: تسويق نفسها لدى عامة الأكراد بأنها حامية للكرد وحقوقهم اكثر من الفرس والعرب، لإدراكها حجم وثقل الورقة الكردية وما ستلعبه من دور كبير في اعادة بناء الشرق الأوسط الجديد وبخاصة بعد خروج الورقة الفلسطينية من يدها وفشل حلفائها في مصر من الاستمرار في السلطة.

ثالثاً: المكاسب التي ستحصل عليها تركيا في مفاوضاتها مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبدلله اوجلان اذ انها ترى ان من شأن ذلك ان يقوي من موقفها التفاوضي لفرض شروطها وصولاً الى الدولة التركية الحلم لأردوغان في عام ٢٠٢٣.

الحكومة التركية فشلت قبل عام من تحويل سري كانيه المدينة الكردية في الشمال الشرقي الى حصان طروادة وهي ترى ان فرص النجاح في كوباني هي اكبر، فهي تدرك ان حلفاء حزب الاتحاد الديموقراطي غير قادرين على ايصال اي نوع من الدعم او التدخل البري في ظل الحصار المفروض على كوباني ما يصعّب من مهمة ايصال المساعدات العسكرية. وأيضاً انّ تدخل طائرات التحالف لن يساعد على الحد من خطر «داعش»، لذلك ليس امام حزب الاتحاد الديموقراطي سوى تركيا لطلب المساعدة وهو ما حصل بالفعل عندما توجّه صالح مسلم الى انقرة لطلب مد يد العون. علماً أن طلب الأتراك من صالح مسلم قطع علاقته بالنظام السوري لم يكن من باب الترفيه السياسي ولا مستغرباً لدى المتتبّعين فهي تسعى جاهدة ومنذ زمن الى سحب ورقة الأقليات من يد النظام وهذا بدوره سوف يؤدي الى اخراج الورقة الكردية من يد التحالف الإيراني - السوري، ما يجعل حزب الاتحاد الديموقراطي في مواجهة مباشرة مع النظام السوري ما يؤدي بدروه الى قصف المدن الكردية على غرار المدن الأخرى معتمدين على همجية النظام في قمع معارضيه وهو ما تســعى اليه تركيا.

هذا السيناريو سيجعل الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي يعيدان التفكير في مواقفهما تجاه الأزمة السورية ويؤدي في نهاية المطاف الى القبول بفرض منطقة عازلة لحماية الكرد على غرار ما حصل لكرد العراق في عام 1991.

ولا يبدو ان الحكومة التركية مهتمة كثيراً بوضع المدنيين وبخاصة بعد تم تهجير جميع المدنيين من قراهم باتجاه الحدود التركية، وبالتالي فإن الضحايا من المدنيين لن يكونوا بالحجم الذي سيشكل ضغطاً على تركيا من قبل الرأي المحلي والدولي.

وهنا لا بد ان نعيد السؤال عن العلاقة بين حكومة اردوغان وتنظيم «داعش» بخاصة بعد عملية تحرير الرهائن الأتراك، اذ يتساءل كثيرون عن الثمن بعدما كثر الكلام عن دخول اكثر من ٢٠ سيارة من معبر تل ابيض الحدودي السوري والذي يسيطر عليه «داعش» قبل اعلان الإفراج عن الرهائن الأتراك بيومين.

وكما يدفع الى التساؤل عن وضع الجنود الأتراك الذين يحمون ضريح السلطان سليمان؟ هل هم الآن رهائن ام ان لهم حسابات مختلفة لدى «داعش» والحكومة التركية؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.