|   

سورية «بلدنا الرهيب» في «موكب الربيع»

لواء اليازجي والتنويه بفيلمها
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: نانت (فرنسا) - ندى الأزهري 

إن لم يكن ربيعاً عربياً فهو ربيع للسينما على أية حال، هذا ما تثبته الأفلام العربية التي عرضها مهرجان نانت الفرنسي للقارات الثلاث، أفلام قد لا تكون على علاقة مباشرة بـ «الربيع العربي»، لكنها صدى للواقع العربي اليوم.

سنوات أربع مرت على «الربيع العربي»، على هذه «الموجة الاستثنائية للرفض»، فماذا رأينا على شاشاتنا من كل هذه الاحداث والتطورات التي صُورت معظم الأحيان وكأنها نوع من «العرض»؟ وأيّ شيء منها يبقى في الذاكرة، بخلاف الصور الصادمة، وأين نحن مما يجري اليوم؟ يتساءل جيروم بارون المدير الفني لهذا المهرجان الدولي مشيراً إلى أن ثمة نظرة بالغة العمومية في الغرب لما يجري، نظرة يهزمها «الواقع المعقد على الأرض». سعى المهرجان بتظاهرته التي أطلق عليها «موكب الربيع» الى النظر من «وراء الكتف»، من خلف الظاهر، لرؤية الواقع الفوري مراعياً البعد عن العموميات كي تأخذ الأشياء حقها، وكي تبرهن السينما من جديد أنها أكثر من كونها فناً.

عرض المهرجان الذي يختتم تظاهرات العام، اثني عشر فيلماً وثائقياً من البلاد العربية في «موكب الربيع» هذا، ثلاثة من سورية وفيلمان من كل من الجزائر ولبنان وتونس وواحد من العراق ومصر والسودان. تواريخها متعددة من 2011 ولغاية 2014.

 

سورية بلدنا... الرهيب

«الصور لا تكفي» للحديث عن بلدنا الرهيب، و «على السينمائي ان يرفقها بقصة». هذا ما فعله المخرج السوري محمد علي الأتاسي بصور الناشط زياد حمصي، ليخرج فيلمهما القاسي الوقع على كل سوري. «بلدنا الرهيب» فيلم تتهافت عليه المهرجانات العربية والعالمية والعروض الخاصة والعامة، هو ليس للحديث عن سياسة منحصرة اليوم بموالاة ومعارضة، إنه اقتراب حميمي من «إنسان»، من مبادئه، ورسالته في الحياة... مناضل قضى سنوات من عمره في سجون النظام وها هو اليوم ملاحق منه من جديد، ولكن أين المفر؟ فبين النظام والمتطرفين وأولئك الأشد تطرفاً، أين يقف المثقفون وقبلهم الناس العاديون، ولكن أيضاً المقاتلون الذين رموا السلاح؟ الكاتب السوري ياسين الحاج صالح كان قرر بداية الثورة البقاء في البلد ليكون في قلب الحدث و «ليرى سورية وهي تتغير بعدما قضى نصف قرن من عمره فيها وهي لا تتغير»، كما يقول. تتابعه عدسة الناشط زياد حمصي في رحلته بين المدن والبلدات السورية، من الغوطة الشرقية إلى دوما فالرقّة، حيث أنقاض مريعة وحيث لا شيء «يمت الى البشر بصلة»، وحتى حين لم يعد لرحلته تلك من معنى، لم يعد بوسعه سوى المضي فيها... لقد انتهى به الأمر وبعد ثلاث سنوات ونصف سنة من البقاء وزوجته سميرة في البلد ليعايشا ما يعايشه الآخرون، للخروج من بلده «الرهيب». واليوم اختطف متطرفون زوجته ورفيقتها في النضال رزان زيتونة اللتين كانتا مصرّتين على البقاء في دوما لمساعدة الناس.

لم يكتب محمد علي الاتاسي سيناريو، كما قال في ندوة أجراها المهرجان بحضوره وحضور صاحبة «مسكون» لواء يازجي ومخرجة» لوبيا حمرا» الجزائرية ناريمان ماري. هو لم يكن يعرف أنه سينفذ فيلماً، طلب من الناشط زياد حمصي تصوير ياسين الحاج صالح في سورية أثناء الأحداث، زياد تجنب الصور الجاهزة التقليدية وحين تسلّمها المخرج لمس فيها «شيئاً ما»، رابطاً يتكون بين الاثنين فقرر متابعة التصوير «وعبر الصداقة التي نمت بين ياسين وزياد تغير الكادر وبات أكثر حميمية ولم يعد مثل لقاء صحافي بارد». يرصد الفيلم تحولات الشخصيتين نتيجة ما يصادفهما من ظروف ولقاءات. زياد تحول من مصور إلى شخصية في الفيلم والحاج صالح بدا أكثر تعباً وقلقاً وحساسية. في الفيلم ثمة حديث عن العنف من دون ابرازه، وثمة ابطال منكسرون في ظل وضع شديد التعقيد لا إجابات مبسّطة له. أظهر الفيلم بلقطات ومشاهد قصيرة ومعبرة ما يعايشه السوري يومياً، وسجّل أيضاً غير الحوار مع ياسين حوارات ومواقف عدة مع هؤلاء الذين مرّ بهم الكاتب في حياته اليومية، من سوريين مقاومين للحصار، مهجّرين... وأناس عاديين.

السينمائيون السوريون اليوم يشغلهم هاجس الحديث عن السوريين العاديين، فلا احد يتحدث عن هؤلاء وهم ليسوا مجرد جثث وأرقام، وعلى السينما، خلافاً للإعلام، أن تقدم سرداً مختلفاً وتظهر خصوصية الفرد السوري.

 

نوع آخر من السوريين

وهذا ما تفعله لواء يازجي في فيلمها «مسكون»، إذ تنقل معاناة من نوع آخر للسوريين. تطرح العلاقة التي تربط المرء بأمكنته وأشيائه، ما سيأخذه معه لحظة الرحيل عن البيت وما سيندم في ما بعد على تركه. تحادث مجموعة سوريين محاصرين، أو على وشك الرحيل أو بعد تركهم ما قضوا العمر في اقتنائه... حوارات مباشرة أو عبر السكايب عندما يفرض القصف والحصار على الناس البقاء في أماكنهم، حوارات حميمية متنوعة وغنية تبدي تعلق إنسان بشيء، بمكان قد لا يدرك إلا بعد فقده، تكشف مشاعر متوارية في الأعماق لا تظهرها إلا ظروف شديدة القسوة، تقترح ما لا يخطر ببال رجل كهذا فكر في فعلي نزح ولجأ، إذ يجب في رأيه أن يكونا مبنيين للمجهول «فلا فاعل حقيقياً لهما ولا يتمان بإرادة من فرضا عليه»!

من الجزائر يأتي «لوبيا حمرا» لناريمان ماري، فيلم شاعري حسي ولكن أيضاً عنيف بإيحاءاته، الحديث عن الحرية بأسلوب رمزي اعتمد التشكيل في تركيب المشهد، والأسلوب الحر في البناء السردي فلا خط درامياً صاعداً. المخرجة رغبت في أن تثير قضية تحرير الجزائر بأسلوب بعيد عن الواقعية وقسوتها، بحيث تدعو كل مشاهد للبحث في أعماقه عما يمكن هذه الاشارات في الفيلم أن تثير فيه من مشاعر.

ومن السودان فيلم مثير للدهشة وللإعجاب عن الموسيقى التي باتت اساس المقاومة، ووسيلة للحفاظ على الهوية في فيلم يكشف أبعاد صراع دائر منذ أكثر من ثلاث سنوات بين شمال السودان وجنوبه.

في «على ايقاع الأنتونوف» يتابع المخرج السوداني حجوج كوكا سكان النيل الأزرق وجبال النوبة في جنوب السودان، في مقاومتهم اليومية لقصف «طائرات الأنتونوف». المخرج التقى ناشطين وأناساً عاديين يعيشون حياتهم اليومية بإصرار عجيب ليس فقط على البقاء بل على التمسك بهويتهم وجذورهم الفنية وإرثهم الثقافي الغني المتمثل أولاً بالموسيقى الشعبية. الفيلم ليس مجرد وثائقي يحكي «قضية» النازحين والمهمشين بسبب العرق واللون، إنه السينما بكل غناها، بقصصها وحواراتها وصورها. حين يتجمع هؤلاء في مخيمات اللاجئين ببهجتهم وغنائهم الشعبي بعدما كسبوا يوماً جديداً من العيش، يغزون المشهد فتلاحقهم العدسة منجذبة إلى فنهم ومرحهم وكأنها تستمد من حيويتهم موضوعها. كاميرا حجوج التقطتهم بحساسية عالية، صورت بهجتهم التي تغلبت على كل محاولات قتلهم، وإصرارهم على البقاء والإبقاء على هويتهم وفنهم الشعبي رغم كل محاولات التهميش وعنصرية الشمال تجاههم.

ولا بد من كلمة أخيرة لهذا الفيلم العراقي الذي لا حوار فيه ولا كلام سوى انه مجرد «همس المدن»، فهل مدننا العربية تهمس؟ إنها تضج بهذه الحياة التي تتعبك حين تعايشها وتحنّ إليها حين تفقدها. التقط المخرج العراقي قاسم عبد بحساسية عالية على مدى عشر سنوات حياة الشارع في ثلاث مدن، رام الله وإربيل وبغداد. رصد يومي يثير في المتلقي أحاسيس عميقة وابتسامات مرة، فما بوسعه غير ذلك أمام لوحة في شارع في بغداد خطّ عليها «عراق، مستقبل واعد»!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

مشروع قانون فرنسي يقيد استخدام القصّر مواقع التواصل  |  بتوقيت غرينتشنجم «هوليوود» جون ترافولتا يستعرض مسيرته الفنية في الرياض  |  بتوقيت غرينتشسينما الواقع الافتراضي «واعدة» ولا تسعى لإقصاء السينما التقليدية  |  بتوقيت غرينتشسويسرا: قتيلين في حادث تصادم داخل نفق غوتهارد  |  بتوقيت غرينتشنصف سكان العالم لا يحصلون على خدمات صحية أساسية  |  بتوقيت غرينتش20 عازفاً بوسنياً يعزفون على آلة بيانو واحدة لدخول «غينيس»  |  بتوقيت غرينتشجنوب كاليفورنيا يواجه خطر انهيارات طينية بعد حرائق الغابات  |  بتوقيت غرينتشجزيرة جديدة في المحيط الهادئ قد توفر معلومات حول المريخ  |  بتوقيت غرينتشخطيبة الأمير هاري تقضي عطلة الميلاد مع الأسرة المالكة  |  بتوقيت غرينتش«تويتر» تضيف خاصية للربط بين سلسلة من التغريدات  |  بتوقيت غرينتش