|   

كم يصعب على الإيزيديين استعادة الثقة بمواطنيهم والجماعات المجاورة؟

بشر وخراف في سهول سنجار (رويترز)
إيزيدية تتأمل المصير (رويترز)
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: سعاد الوحيدي 

«أصعب ما عشته، أصعب ما عشته...»، تعذر على ليلى «الإيزيدية» أن تستطرد، وقد اختنقت بدموعها، وأخذت تبحث عن نفس ضاع مع كل ما ضاع. كانت تروي قصة دخول «داعش» قرية «كوتشو»، بعدما فرضوا سيطرتهم على كامل قضاء سنجار، (التابع لمحافظة نينوى المتاخمة للحدود مع سورية)، وفتكهم بالرجال، وسبي النساء، واستباحة كل شيء وفق منطق الغزاة. مع ذلك، فإن أصعب ما عصف بها، والذي يتعالى بوجعه فوق كل وجع، كما تقول، كان عجزها بعد ذلك بأسبوع، عن نجدة الطفلة ذات السنوات التسع، والتي سحبها جلاّدها من عندها عنوة، ودخل بها الحجرة، وأغلق الباب: «كان صراخها وهو يغتصبها، يشق باب السماء».

مثل هذا العصف جعلني، أنا الكاتبة، أعيش اصعب المواقف الوجودية التي واجهتني حتى الساعة، وأنا أقف على مسافة من «داعش» عند الحدود الشمالية من الموصل. كنت أرتعد فرحاً لقصف قوات الغرب لإدبارهم، وقد اختلط في رأسي الأمر: كيف يمكنني أن استوعب فرحاً عارماً بموت أبناء جلدتي، وأروع شبابها، لولا أنهم قد تحولوا إلى دواعش؟

< في هذا السرد (الذي يستند إلى وقائع الإبادة الجماعية التي تعرض لها إيزيدية العراق على يد «داعش») سأكتفي بنقل الصورة كما «قرأها» الضحايا مع تعديل في أسمائهن يقتضيه حفظ كرامتهن. ومن دون أن أنحو إلى تقديم تقرير «تأريخي» لوقائع اقتحام «داعش» ديار الإيزيديين، فثمة من يوثق لذلك. بل سيكون اهتمامي بالأحرى برصد «ذاكرة العنف»، وعصف وقعه على حال الناس. وكيف إن البشرية مع مطلع القرن الحادي والعشرين كان لها أن تشهد حالة استثنائية من التقهقر الخرافي نحو عصور ظلامية، تبتعد بتفاصيلها عما عرفته عصور ما قبل التاريخ.

تصف فيان دخيل النائبة عن الإيزيديين في البرلمان العراقي، وقائع اقتحام «داعش» سنجار فجر الثالث من آب (أغسطس) 2014: «لقد عشت ساعتها على الهاتف مباشرة هذه الكارثة على وقع صراخ النساء... اتصلوا بي لأن أرقامي كانت متاحة للإيزيديين اثناء الحملة الانتخابية، لذلك فزعت في قلب الليل لأصوات هواتفي ترن معاً... كانت النساء على الطرف الآخر يختنقن فزعاً... ويصرخن بتعابير تعني أن أبناء شعبي كانوا يقادون كالخراف...».

«وعرفت في ما بعد - تواصل نائبة الإيزيديين - أن الدواعش قد جمعوا أهالي المنطقة في ساحة المدرسة الرئيسة في سنجار، وفصلوا النساء عن الرجال...، وكان مصير الرجال القتل والذبح، قبل أن تُساق النساء كسبايا حرب».

احتاج الأمر الى وقت، حتى تمكنت السلطات العراقية من معرفة حجم الكارثة، وعدد من ساقه هؤلاء الى مذابح القرن/ أو الى سوق النخاسة. يشرح لنا في هذا الخصوص الدكتور نوري عثمان عبدالرحمن السنجاري، (وهو من مسلمي سنجار) رئيس قسم التنسيق والمتابعة في رئاسة مجلس الوزراء، والمسؤول عن ملف اللاجئين الإيزيديين لدى حكومة إقليم كردستان: «ما زالت إشكالية حصر عدد الضحايا أمراً عسيراً حتى الساعة. خصوصاً أننا نعتمد في بحثنا على سؤال الناجين من الإيزيديين ممن تمكنوا من الإفلات من جحيم «داعش»، عن عدد المفقودين من أسرهم؟ وهل لديهم علم بقتلهم أو باختطافهم، او عدد السبايا من النساء؟ وهل تمكن بعض الغائبين من الاتصال بهم. وعلى رغم أن الأرقام المبدئية مفجعة، إلا أننا نأمل أن يكون هناك بعض من الإيزيديين قد تمكن من الاختباء في مخيمات اللاجئين في سورية او تركيا، وأننا فقط لم نتمكن من الوصول إليهم حتى الآن». وهو يشدد على أن مهمات فريقه تنصبّ ليس فقط على نجدة الناجين، ولكن بالدرجة الأولى على تحرير كل أسير وكل سبية.

الشيخ شامو، ممثل الإيزيديين في برلمان إقليم كردستان، يشدد من طرفه على أن ما أصاب الإيزيديين على يد الدواعش من قتل وفتك، واستباحة للأعراض، و «التصرف بحرائرنا كسلع تُباع وتُشترى، من شأنه أن يزعزع خريطة السلام في المنطقة، وفي العالم... حيث يصعب على الإيزيديين اليوم أن يستعيدوا علاقات الثقة مع جيرانهم العرب بعد ما أصابهم من إبادة. هذه التي تمت في صمت قاتل، ومن دون أن يتدخل أحد لنجدتهم». وتوقف الشيخ شامو بأسى أمام مأساة عشرات الآلاف من الإيزيديين الذين تمكنوا من الفرار نحو جبال سنجار، حيث الطبيعة الوعرة بإطلاق، وحيث يتهدد البرد والجوع واليأس هؤلاء ممن يعيشون في ظروف شديدة البؤس والخطورة. «حيث يصعب الوصول الى هذه المناطق الجغرافية الوعرة إلا بالطائرات، والتي تلقي اليهم – عندما تسمح الظروف - ببعض ما يسد الرمق او البرد... غير أن الأحوال الجوية قد تمنع الطيران لأيام أحياناً... هناك من يموت ويولد في حضن القلق والجوع والبؤس، وكأنهم يقتلون مرة أخرى، بعد أن تمكنوا من الإفلات بمعجزة من براثن الدواعش».

هذه الجبال الخرافية الوعورة التي يشير اليها الشيخ شامو تمثل الحدود الطبيعية التي تفصل بين سهول سنجار، موطن الإيزيديين التاريخي منذ فجر التاريخ، وبين إقليم كردستان العراق ذي الكيان الفيديرالي. وعلى رغم أن الإيزيديين، وبعض المسلمين من السنّة والشيعة من سكان هذا السهل، هم أكراد، إلا انهم يتبعون سياسياً الحكومة المركزية في بغداد. الأمر الذي جعل من هذا السهل منطقة تنازع «فيديرالي»، بين بغداد وأربيل قبل طوفان الدواعش.

وبالتالي، فإن خط الدفاع العسكري، إن صح التعبير، الذي كان يحمي هذا السهل في وجه التهديد الممكن، كان يتكون من أفراد الجيش العراقي من أهل المكان، الإيزيديين او المسلمين «الأكراد». بينما تمركز خط الدفاع الفيديرالي الكردي من البشمركة عند المناطق المتاخمة لجبال سنجار، وعلى امتداد الحدود الفيديرالية بين إقليم كردستان والعراق.

وفق هذا المعنى، يمكن أن نتصور كيف سيقع هذا السهل بسرعة كبيرة بين طرفي كماشة من الجبال الوعرة شمالاً، وتهديد «داعش» جنوباً... مع عتاد وزاد لن تكفي لساعات. مع ذلك استمرت بغداد وأربيل تؤكدان للإيزيديين - وفق ما تشرح النائبة فيان دخيل - أنهم ليسوا محل خطر، وأن برنامج الدواعش لا يقصدهم، ولن يقصدهم. وهو الأمر الذي تصفه بالخطأ الاستراتيجي الفادح. حيث سرعان ما سيقرر الدواعش، وقد كانوا على مشارف بغداد، تغيير خط سير هجومهم، ويستديرون في سرعة خارقة ومفاجئة نحو الخط الخلفي، حيث مناطق الإيزيديين.

وفي الوقت الذي يمكن أن نصف فيه معارك الجيش العراقي في سنجار «من الإيزيديين والمسلمين» ضد هجوم «داعش» بالمقاومة الباسلة، إلا انها لم تصمد لأكثر من ساعات، وفق ما يؤكد جنرال إيزيدي في الجيش العراقي.

لعل هذه الساعات المنفلتة من رحمة القدر، هي التي اتاحت لبعض العائلات الإيزيدية القريبة من الجبل، فرصة الفرار نحو الطرف الآخر بحثاً عن حماية البشمركة. بينما ستقع القرى القريبة من خط التماس مع «داعش» بسرعة رهيبة في براثن هؤلاء.

 

بسرعة الجراد

تصف لنا ليلى، صبية التاسعة عشرة، والطالبة في السنة الثانية في كلية الاقتصاد، المشهد الذي سيعيشه أهل المكان في صوت تكسرت في ارتعاشته المفردات، بأن الدواعش، «بعد سحقهم المقاومة العسكرية المتواضعة، انتشروا بسرعة الجراد ينتهكون المنازل، ويجرجرون الناس، شباباً وكهولاً، رجالاً ونساء وأطفالاً، ويدفعونهم بعنف، نحو ساحة المدرسة المركزية في المدينة».

وتواصل بعد هنيهة من صمت كاسح: «كانوا ينتزعون من كل فرد كل ما يملك من مال او ذهب أو هواتف... لا شيء يبقى للمرء غير قلبه الموجوع، وحيرة كونية ساحقة. ثم اخذوا يفصلون النساء عن الرجال. (كانوا يعتبرون طفل العاشرة ضمن الرجال). بينما تركوا ما دون سن العاشرة مع الأمهات. بعدها طلبوا منا، نساء وأطفالاً، الصعود الى الطابق العلوي، وساقوا جميع الرجال الى مصير مجهول».

ما لم تعرفه النساء حينها أن طريق هؤلاء كان قد ساقهم الى نهاية بائسة، أعادت البشرية مسافات ضوئية الى البربرية، إذ قام الدواعش بتوزيع الرجال على الأركان الأربعة للبلدة... وكأنهم أرادوا أن يوظفوا الموت لرفع جدار من الرعب، «حيث قاموا بقتلهم جميعاً، قبل أن يهيلوا التراب على تلك الجثامين»، وفق ما يصف أحد الناجين بأعجوبة من احدى حفر الموت تلك.

بالقياس الى هذه الحقيقة، فإن النساء سيسوقهن الدواعش في حافلات نحو أماكن متتابعة، بأسرهن، أرامل وثكالى ويتامى... بعدما غاب الرجال في نفق الموت والفجيعة. مع ذلك، فإن الدواعش سينتظرون منهن أمراً آخر ... يجعل من تفاصيل ما سيتم نسجاً من أساطير الرعب، او تحايلاً خرافياً لاختراق البعد الرابع من الوجود، عبر بوابة الجحيم، او بوابة «العهر»... حيث سيتعامل الدواعش مع نساء الإيزيديين باعتبارهن سبايا حرب، وسيفتتحون بهذا الفوج الاول من الغنائم أول «سوق لما ملكت إيمانكم»، وفق ما يتبجحون به، وينشرونه على صفحات مواقعهم الدعائية.

تسرد مجدولينا، وهي فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، في المرحلة النهائية من الثانوي العلمي، أن الهجوم الداعشي على القرية كان سريعاً، «وقد غرر بنا بعض الجيران بأنه يكفي أن نرفع راية بيضاء على السطح لكي نوضح أننا مسالمون ولا نشارك في الحرب. وأن ذلك سيضمن ألا يحدث لنا مكروه... لكنهم خلال بضع ساعات كانوا يقتحمون المنزل اقتحاماً على رغم الراية البيضاء، وقد كسروا الأبواب والنوافذ ودخلوا من كل مكان، وأخذوا يجرجروننا جميعاً أباً وأماً وجدّة وأخاً وأختاً... نحو ساحة المدرسة وسط المدينة. حيث سبقنا هناك الكثير من الجيران، قبل أن تكتظ بأهالي المنطقة».

رحلة الجحيم ستبدأ بالنسبة الى مجدولينا هنا. فهي، ومن دون أن تدري حتى ساعة لقائي بها في مخيم خانكي على مسافة من دهوك، بشأن مقتل رجالات بيتها، ستُساق عبر طريق ملتف، لإستراتيجية دفاعية بذاتها في ذهن الدواعش، عبر الموصل، وتلعفر، ثم نحو الرقة. حيث ستجد نفسها مع عدد من الصبايا في قاعة كبرى في مبنى رئيس، يبدو انه يُوظف كمركز رسمي لقيادات «داعش» في سورية. هنالك سيُجلسون الفتيات على سجاد مزركش ببعض الألوان، والتي كانت في بهجتها تشكل استفزازاً خارج النسق. وقد توزعت بعض الوسائد التي ما فتئت تئن من وجع الصبايا. وكان عليهن الانتظار حتى يدخل أحد الدواعش ليختار من بينهن من سيشتريها «جارية» له.

 

شراء وبيع

توضح مجدولينا أمام إلحاحي عن معنى «شراء /وبيع»، وكيف يجعل الداعشي من الصبية «ملك يمين» مباحاً لشبقه الشخصي: «كانوا بملابسهم المميزة التي تشبه ملابس الافغان، واللحى المهملة المبعثرة على وجوه كالحة، تكتسيها في لحظات الاختيار ملامح شهوة شيطانية، يدخلون ويتوقفون بعناية لاختيار تلك التي تروق لهم. ثم يتحدثون عن الثمن الذي سيعطونه مقابل هذه الغنيمة. قد يكون عشرة دولارات او مئة... او عملة عراقية. وكانوا يدفعون المبلغ، ونحن نشاهدهم يفعلون ذلك وينطقون به. حيث كان الواحد منهم يقول مثلاً: إنني أريد أن اشتري هذه بمئة دولار...».

وتواصل: «لم تكن لأي منا القدرة على المقاومة، كانوا يضربوننا بأعقاب البنادق او بأرجلهم حتى ننصاع، ونغادر مع الداعشي الذي يكون قد اشترانا». أما الذي اشتراها فقد كان أسترالي الجنسية، قايضها بمسدس، وأخذها معه الى بيت كبير في الرقة... سرعان ما ستكتشف أن استرالياً آخر، وزوجته (الأسترالية) يستخدمان الطابق العلوي منه... وحيث اشترى الآخر اربعاً من الإيزيديات، سيكون لها معهن شأن الفرار.

الإشارة الى هذا الأسترالي تقود الى السؤال عن جنسيات الدواعش الذين يقاتلون في صفوف هذا التنظيم، والذين يتعاملون مع سوق النخاسة باسم الاسلام في ما يتعلق بمبحثنا هنا. وتجيبنا أزادي، ذات الرابعة والعشرين من العمر، مدرّسة في ابتدائية سنجار، والتي التقيتها في بيت متهالك في بادرعا، عاصمة الإيزيديين ومقر أمرائهم، حيث تسكن مع شقيقها الناجي الوحيد من المجزرة نتيجة وجوده في دهوك كعامل في قطاع البناء، وحيث توجد مع بعض الناجيات من جحيم الدواعش من نساء عائلتها: «كان يتوافد علينا من غير العراقيين، سعوديون وليبيون وأفغان وإنكليز وفرنسيون... من اليمن ومن الخليج والصين والشيشان ومن تركيا ولبنان... وكان من بينهم أكراد ايضاً من جيراننا المقربين».

الإشارة الى ليبيين كزبائن لسوق النخاسة اخترقت مسمعي مثل سهم حارق، ووددت لو كان الأمر مجرد غلطة في التعبير، حيث يصعب تصور أن ينزلق رفاقي في معارك التحرير ضد الطاغية القذافي في الأمس، والذي كان أبشع من وظف سلاح الاغتصاب لقمع ثورتنا ضده، الى منزلقات تجعل منهم طغاة بدورهم، ومغتصبين مثله يحللون ما حرّم الله، وباسم الإسلام. وكان عليّ الانتظار حتى عودتي الى أربيل ليتأكد لي الأمر... وذلك بعدما استجبت دعوة سيدة إيزيدية كانت تبحث عن لقائي لأنني ليبية!

عندما التقيتها، في مجمع للعائلات الإيزيدية النازحة شمال أربيل، وجدت أمامي إمرأة حسناء تكللت بالوجع، وقد احمرّت حدقتاها من بكاء لا يكف، وبدت واهية كمن ينتظر الموت. إلا أنها نهضت بقوة من مجلسها فور دخولي، لتمسك بيدي في صلاة صامته، قبل أن تقول: «أناشدك الله أن تخبري السلطات الليبية. لقد اشترى أحد الدواعش الليبيين إبنتي، وهو سيأخذها إلى هناك». وشرحت لي أن ابنتها، بعد غياب اكثر من ثلاثة اشهر، اتصلت بها لتخبرها أنها اخيراً حلّت بيد داعشي ليبي، اشتراها ليأخذها الى ليبيا، وأنها كانت على استعداد لذلك شرط أن يترك معها ابنها. إلا أن التواصل معها انقطع من جديد من دون أن تدري اليوم مصير ابنتها، أو مصير حفيدها.

يبدو الامر مفجعاً في تفاصيله تلك. إذ إن المرأة الإيزيدية قد حُولت وفق هذا المعنى الى جارية يملك المُشتري حق التصرف بها، وبمقامها او تنقلها... على النحو الذي يُمكن أن نتوقعه بالنسبة الى السيدة مريم بابا الشيخ، زوجة شقيق بابا الشيخ الزعيم الروحي للإيزيديين، وإحدى رائدات النضال النسوي في العراق، قبل داعش وبعده، «أن تُقاد الإيزيدية نحو بلدان الخليج، أو نحو بلدان شمال افريقيا، أو أوروبا. الامر الذي يدعو إلى ضرورة أخذ التدابير الدولية اللازمة لمنع هذه التجارة البائسة بالرقيق الأبيض».

 

العنف الجنسي سلاح حرب؟

على رغم جنوح بعض التحليلات الى اعتبار سبي «داعش» النساء آلية من آليات الاذلال والضغط العسكري على الإيزيديين، إلا أنها سرعان ما تنهار أمام طبيعة الروايات التي تنقلها الناجيات عن هذا الجحيم... وكيف أن الوجهة التعبوية الوحيدة الممكن استخلاصها في هذا السياق، هي تلك الذاهبة الى غواية المزيد من الشباب الأغر الذي يرى في أمجاد «دولة الاسلام» استباحة أموال الأعداء وأعراضهم.

ومن دون الدخول هنا في مشروعية وصف الإيزيديين بالعدو، إلا أن اعتبارهم من طرف «داعش» كفرة من دون دين (وهو تصور خاطئ بحق هذه الملة الموحدة) يسمح للدواعش باستباحة نسائهم كمتاع جنسي لا غير... فهي تتحول الى سبية يجوز للمقاتل وطأها وبيعها او تقديمها هدية. وهي تنتقل في هذا السياق من يد الى يَد (او من فرج الى فرج) كمتاع ُُُيُمتلك ويباع ويُشترى ويُقدم هدية، حيث تتحول الهدية الى «ملك يمين» فور القبول. وتبيح فتاوى قادة داعش «الاستمتاع» بهذه «الملكية» من دون قيد او شرط، ومن دون تحديد عدد مرات هذه المتعة، او زمنها (إلا شرط انتظار حيض المتزوجة، وذلك للتأكد من كونها غير حامل من سواه).

وفي هذا السياق، يبيح فهم «داعش» للإسلام وطء الطفلة «إن كان جسدها يقبل الوطء»، وهو التعبير البربري الذي يحتاج الى وقفة بذاته، حيث لا تحدد كتب الطب متى يسمح جسد الطفلة بأن يطأها رجل بالغ؟! لكن الفكر الداعشي يكتفي بالقول إن في حال تعذر ذلك - أي لا يسمح جسد الطفلة بمثل هذا الاغتصاب المفجع - فإنه يجوز لـ «سيدها» الاستمتاع بها، من دون ولوج.

وما يمكن الجزم به هنا، من دون الحاجة الى الخوض في فداحة مثل هذا الاعتداء المرضي (البيدوفيلي) على طفلة، سواء أكان ذلك بمجامعة كاملة، أم بمجــرد استمتــاع «مـن نوع آخر»... إن مثل هــذا المشهد الذي ترتعد له مفاصل الحروف، لا يخدم أي استراتيجية حربية أو تعبوية... ولا يتعدى كونه تجسيداً مريعاً للمستوى الحضاري لأفراد «داعش»، وآلية فجة لإشباع شهوات جنسية «معتادة أو بيدوفيلية»، يغذيها ذلك الشعور المفجع من «العزة بالإثم».

وسينصبّ تحليلنا هنا على الصورة المنظورة من طرف الضحية، مقابل فداحة «المبررات» التي يستند إليها الدواعش في كل ما يذهبون إليه من عنف جنسي، ومرادفاته من أفعال قهر وظلم وعبث مجاني ضد النساء... ومراجعة اقحامهم الدين لتبرير «جرائم» ضد الإنسانية، ترفضها كل الأعراف والأديان والقوانين. وكيف أن الإسلام بريء من كل ما يجدّفون.

تروى آسيا (صبية في جمال شرقي عذب التقاطيع)، أنها وجدت نفسها بعد رحلة من العذاب داخل بيت في الموصل مكون من أكثر من دور، يبدو أنه لعراقيين شيعة تركوا المدينة فراراً من «داعش». وكانت قد وصلت المكان في حافلة مع حوالى مئة عذراء، (بعد فصلهن عن النساء المتزوجات)، عبرت معهن أكثر من محطة، حيث ستجد أمامها أعداداً أخرى من الإيزيديات العذارى في هذا البيت... وقد دُفعت دفعاً للصعود الى الدور الثاني، ليكتظ المكان بمن فيه. وأصبح من الصعب عليهن التحرك، أو حتى مجرد رفع اليد لمسح الدموع. وكان الوصول إلى دورة المياه يتم - كما تصف - وفق آلية تدافع دوري، لا يمكن التعبير عنه بكلمات.

وقد بقين على هذا الوضع قرابة ثلاثة أيام، كان الدواعش خلالها يُنزلون كل مرة عدداً من الصبايا الى قاعة في الدور الأرضي، كانت على ما يبدو غرفة الاستقبال في ذلك البيت، ليختار «الدواعش» من بينهن من ستصبح باسم الإسلام «ملك يمين». وعندما حان دور آسيا في الهبوط مع عشر أخريات، بأعمار تتراوح بين التاسعة والسابعة عشرة، الذي هو عمر آسيا، وجدت زمرة من الدواعش من مختلف الأعمار، بين العشرين والستين على الارجح وفق تصورها... والذين اخذوا يكبّرون في فحيح شبق عندما اطلت الصبايا الشاحبات والمنهكات هماً وألماً وتعباً. وكانت المجموعة المسلحة التي ما فتئت تقودهن في مشوار العبودية تدفعهن دفعاً، وتضربهن بأعقاب الأسلحة التي لم تفارق أكتافهم وأيديهم... بينما أخذ الجالسون بالنطق بكلمات فجة عن عظمة الاسلام الذي منحهم هذه الإمكانية «المتعالية الوصف» للمتعة الحلال.

ثم اخذوا في التفكّه والتهكم على جمال هذه الجارية او تلك، ومن يكون له الحق في هذه او تلك. وانتهوا في ما بينهم الى اختيار أسلوب القرعة. هكذا منحوا آسيا رقماً، ورفيقاتها بالمثل، وتوزعت الأرقام الموازية بين الدواعش الذين قدموا لشراء الفتيات.

 

 

* باحثة ليبية. رئيسة «مرصد النوع أثناء الأزمات» Gender Obs - باريس. والنص حصيلة زيارتها كمراقب دولي مع آخرين إلى تجمعات الإيزيديين الناجين

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
  1. Alternate textسعدي عبد الله

    هنا بعض مغالطات في هذا التقريرأولا لم يكن هناك أي جندي من جيش العراقي في سنجار أومنطقة سنجار, قبل سقوط الموصل الجيش العراقي كان موجود في تلعفر قريب من سنجار ولكن هرب وترك تلعفر بعده سقوط الموصل بنحو شهر أكثر من مهاجمة داعش لسنجار. المنطقة سنجار خاضع تحت سيطرة القوات البشمركة الكردية منذ 2003 لأن سنجار جزء من الأراضي كردستان وأنها من مناطق متنازع عليها ضمن مادة 140 من الدستور العراقي ولكن للأسف البشمركة لم يتمكنوا من الدفاع عن سنجار لأن في ذلك الوقت البيشمركة لم يكن لديها أي أسلحة ثقيلة في حين أن داعش لديها كافة انواع الأسلحة الثقيلة أمريكية استولت عليها من الجيش العراقي. التقرير هو قطرة من المحيط من الجرائم داعش ضد الأكراد اليزيديين وشعب الكردي

    الجمعة 02 كانون الثاني 2015 1:50 ص

  2. Alternate textزهير عبدالله

    وحشيه خرافية ولكنها ليست الاولى في تاريخنا المجيد

    الجمعة 02 كانون الثاني 2015 4:49 ص

  3. Alternate textمهدي

    سعدي عبدالله لم يكن بالموصل أي سلاح ثقيل لتستولي عليه داعش وهذا ما صرح به الغراوي لقناة البغدادية أنه لم يكن بالموصل دبابة واحدة ..! الجيش العراقي لم يدافع عن الموصل لأنها مدينة تقتله منذ 11 سنة ولم تكن حاضنة له بل كانت حاضنة لداعش كما رأينا كيف استقبلوها ولكن قل لي لماذا تخلت البيشمركة عن الإيزيديين بسنجار وهم كرد وكانوا حاضنة للبيشمركة ولم تصادف البيشمركة حادثا واحدا بسنجار طيلة 11 عاما ؟ البيشمركة تخلت وغدرت بالإيزيديين بينما الجيش العراقي تخلى عن الموصل لأن الموصل أرادت داعش ولم ترده.

    الجمعة 02 كانون الثاني 2015 7:30 ص

  4. Alternate textهحمد شاكي

    هكذا هو كل تاريخنا. **** ***** ***** *****، هل فعلت اليهود بالعرب ما يفعله داعش والبعث العربي.

    الجمعة 02 كانون الثاني 2015 1:23 م

  5. Alternate textعربيه

    ما الذي يثبت صحة وصدق هذا الكلام في الواقع الاعلام خدم داعش بتأليف اكاذيب والان لا أحد يصدقهم الا *****.

    الجمعة 02 كانون الثاني 2015 4:03 م

  6. Alternate textعراقي

    هذه هي حقيقتهم وكل ما جاء في التقرير صحيح وهناك حالات لناجين اكثر مأساوية

    الجمعة 02 كانون الثاني 2015 9:00 م

  7. Alternate textخديده

    كل ما موجود صحيح ولكن هذا نقطة من بحر.

    الأحد 04 كانون الثاني 2015 1:26 م

   

السعودية تدعم «دول الساحل G5» بـ100 مليون يورو  |  بتوقيت غرينتشوليا العهد السعودي والإماراتي يلتقيان قيادات «التجمع اليمني للإصلاح»  |  بتوقيت غرينتشأميركا تعتزم تسليم الجيش اللبناني مروحيات هجومية  |  بتوقيت غرينتشالسلطات المصرية توقف ثلاثة من مؤيدي شفيق  |  بتوقيت غرينتشماكرون: الحرب على الإرهاب بلغت أوجها في منطقة الساحل  |  بتوقيت غرينتشالأمم المتحدة: استمرار تعذيب نزيل في غوانتانامو  |  بتوقيت غرينتشإيطاليا قد تجري انتخابات عامة في آذار المقبل  |  بتوقيت غرينتشخادم الحرمين وولي عهد أبوظبي يبحثان ملفي القدس واليمن  |  بتوقيت غرينتشالبرلمان الأوروبي يدعم بدء المرحلة المقبلة من مفاوضات «بريكزيت»  |  بتوقيت غرينتشمشاورات ألمانية جديدة لتشكيل حكومة ائتلافية  |  بتوقيت غرينتش