|   

تعدد الرؤوس حاصر الحكومة ومخاوف من «التمديد» للخلافات

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: بيروت - محمد شقير 

مع اطلالة العام الجديد يبرز السؤال عن «الأحوال السياسية» التي ستكون عليها حكومة الرئيس تمام سلام وما إذا كان في مقدورها تجاوز تنظيم الاختلاف بين أطرافها الرئيسين كأساس للخروج من إدارة الأزمة، خصوصاً ان رئيسها لا يترك مناسبة إلا ويعترف فيها بأن إنتاجيتها أقل من نصف طاقتها وهذا ما أدى الى «التمديد» للقضايا التي ما زالت عالقة، وأبرزها اصدار المراسيم التنظيمية لتلزيم التنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الخاصة وإيجاد حل بديل لمكب النفايات في الناعمة الذي لم تعد له قدرة على الاستيعاب وتسوية الخلاف على إعادة تلزيم الهاتف الخليوي. فضلاً عن ان الحكومة بقيت عاجزة عن التصدي للأعباء المترتبة على تدفق النازحين السوريين الى لبنان لافتقادها استراتيجية واضحة لاستيعابهم، مفضلة ان تنأى بنفسها عن هذا الملف، ولتراجع المجتمع الدولي عن التزاماته تقديم الدعم المادي الذي يتيح لها «تقنين» الأضرار التي لحقت بالاقتصاد اللبناني.

وتتخوف الأوساط السياسية المواكبة للأجواء السائدة داخل الحكومة من أن يشهد العام الجديد تمديداً للاختلاف المسيطر على مجلس الوزراء بسبب استمرار التجاذبات بين أعضائه، وتقول إن الإنجار الوحيد الذي يسجل للطبقة السياسية، مع توديع العام الحالي واستقبال العام الجديد، يكمن في أن الأطراف الفاعلين تمكنوا من توفير الأجواء لتأليف حكومة «المصلحة الوطنية» التي انتقلت اليها بالوكالة الصلاحيات العائدة الى رئيس الجمهورية في ظل تعذر انتخاب رئيس جديد.

لكن الأوساط نفسها تعترف بأن انتقال صلاحيات الرئيس الى مجلس الوزراء مجتمعاً أدى الى تأجيج الصراع داخل الحكومة بعدما منح الوزراء في الحكومة حق استخدام «الفيتو» الذي أعاق اتخاذ أي قرار ما لم يحظ بتوافقهم، ما يعني أن اعتراض أحد الوزراء يجمد اصداره، وبالتالي فإن عين الرئيس سلام بصيرة لكن يده تبقى قصيرة في التصدي للمشكلات وما أكثرها.

وتلفت الى ان استقرار الضرورة الذي تنعم به حالياً طرابلس لم يكن من صنع الحكومة فحسب، وإنما جاء نتيجة شعور جميع الأطراف فيها بالحاجة الماسة الى وضع حد للفلتان المتنقل في عاصمة الشمال لقطع الطريق على رهان المجموعات المسلحة على تحويلها منطقة حاضنة للإرهاب يمكن ان تتمدد في اتجاه مناطق أخرى في شمال لبنان.

وتؤكد هذه الأوساط أن الخطة الأمنية في طرابلس ما كانت لتشهد النور لو لم تجمع فاعلياتها على ان الوضع الأمني لم يعد يطاق، وتسارع الى تأمين الغطاء السياسي للجيش والقوى الأمنية لفرض الأمن بالقوة بعدما ثبت ان العشرات من الخطط الأمنية السابقة بقيت حبراً على ورق لأنها كانت تتوخى إعادة الهدوء اليها بالتراضي.

دور الحريري

ولا تقلل الاوساط من الدور الذي لعبه زعيم «تيار المستقبل» الرئيس سعد الحريري في وقوفه الى جانب الجيش، أكان ظالماً أم مظلوماً، لأن ما يهمه عدم التراجع عن تطبيق الخطة الأمنية بالتوازي مع خطة مماثلة أُعدت لمنطقة البقاع الشمالي، وحل أي إشكال يمكن ان يترتب على تطبيقها.

وتعتقد الأوساط عينها ان الخطة الأمنية التي نفذت في طرابلس أسقطت الاتهامات التي أخذ يروّج لها البعض في قوى 8 آذار من ان «تيار المستقبل» يوفر الغطاء لزعماء المحاور في تماديهم في تهديد السلم الأهلي.

وترى ان الخلل في تطبيق الخطة الأمنية لم يكن طرابلسياً هذه المرة، إنما في تعذر تحويل منطقة البقاع الشمالي الى نسخة طبق الأصل عن طرابلس التي تنعم حالياً بالاستقرار، وهذا ما يدفع بـ «حزب الله» الى التعاون مع القوى الأمنية لإنهاء ظاهرة مجموعات الخطف طلباً للفدية، خصوصاً ان وفده الى الحوار مع «المستقبل» يشارك الأطراف الآخرين في شكواهم من الفلتان في هذه المنطقة الذي كان وراء الشلل الذي أصاب الحركة الاقتصادية فيها.

كما ان تطبيق الخطة الأمنية في طرابلس أدى الى إطباق السيطرة على بعض الأحياء فيها التي كانت مصدر شكوى أهالي عاصمة الشمال من تحويلها جزراً أمنية يستحيل على الجيش الوجود فيها، إضافة الى إطباقه السيطرة على منطقة جبل محسن منهياً بذلك خطوط التماس التي كانت قائمة بينها وبين باب التبانة وأحياء أخرى في طرابلس. وما اضطرار النائب السابق علي عيد وابنه رفعت الأمين العام للحزب «العربي الديموقراطي» للجوء الى سورية، وهما من ابرز المطلوبين في تفجيري مسجدي السلام والتقوى، إلا تشديد على ان لا مفر من ملاحقة جميع العابثين بأمن طرابلس.

وتؤكد الأوساط ان عودة الأمن والأمان الى طرابلس بعد أكثر من ربع قرن من الفلتان الذي كان يهددها من حين الى آخر أدت تلقائياً الى إسقاط المخطط الذي كان يرمي الى تحويلها بؤرة للقتال امتداداً للحرب الدائرة في سورية.

وتضيف ان الخطة الأمنية في طرابلس ما كانت لتنجح لولا إصرار وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، ومن خلال «المستقبل»، على تنفيذها من دون مراعاة لزعماء المحاور واستعداد الجيش اللبناني، ومعه القوى الأمنية الأخرى، لوقف مسلسل الاستنزاف الذي كان يستهدفه وأدى الى سقوط عشرات الشهداء والجرحى في صفوفه.

إسقاط الإمارة

وتجزم هذه الأوساط أيضاً بأن إنهاء الجزر الأمنية في طرابلس وإعادة بعض مناطقها الى أحضان الدولة ساهما الى حد كبير في إحباط محاولات المجموعات الإرهابية من «داعش» و «القاعدة» وامتدادات جبهة «النصرة» إقامة «إمارات» ما بين مناطق عكار والضنية والمنية يمكن ان تتمدد في اتجاه طرابلس، عبر رهانها على ايقاظ الخلايا المسلحة النائمة فيها تمهيداً للإعلان عن إقامة إمارة إسلامية عاصمتها طرابلس.

لكن حساب هذه المجموعات الإرهابية كان في غير محله، لأن الجيش سارع الى تنفيذ حملات دهم استباقية لخلاياها النائمة ما بين الضنية والمنية قوبلت بدعم غير مشروط من الرئيس الحريري وفاعليات طرابلس من سياسية وروحية أريد منه تمرير رسالة لبعض الأطراف في الداخل والخارج بأن عاصمة الشمال ستبقى حاضنة الاعتدال والتعايش الإسلامي - المسيحي وأن هناك من أخطأ في قراءته المزاج الطرابلسي.

وفي هذا السياق، تردد أن عمر ميقاتي ابن أحمد ميقاتي الذي أوقفه الجيش في منطقة الضنية أخضع لمحاكمة سياسية من جانب «داعش» لأنه اتخذ قراره من دون العودة الى القيادة وأمر بعض المجموعات المسلحة التابعة له بالتحرك انتقاماً لتوقيف والده الذي يعتبر المشغل الرقم - 1 - للخلايا الإرهابية في الضنية.

كما تردد ان رد فعل ميقاتي على توقيف والده أدى الى إحباط مخطط «داعش» لإقامة إمارة إسلامية تنطلق من الضنية في اتجاه عكار وطرابلس عندما تنضج الظروف أسوة بالمخطط الذي كان يراد له من خلال الاعتداء الذي استهدف الجيش في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بقيادة «فتح الإسلام».

وتبدي الأوساط ارتياحها الى التنسيق العملاني والمعلوماتي بين مخابرات الجيش و «شعبة المعلومات» في قوى الأمن الداخلي الذي كان من نتائجه توقيف العشرات من المجموعات المسلحة، إضافة الى دور المديرية العامة للأمن العام. وتقول ان هناك من حاول أن يظهر وجود حالات من التناقض والمنافسة بين القوى الأمنية، لكن القيادات الأمنية لم تأخذ بـ «رغبات» بعض الأطراف المحليين الذين سعوا الى إخضاع الأجهزة لمسلسل التجاذبات السياسية.

لذلك، فإن التحسن الملحوظ الذي طرأ على الوضع الأمني في الشهور الأخيرة ، وبغطاء رسمي وسياسي، أدى الى تراجع أطراف رئيسين في «8 آذار» عن اتهامها «المستقبل» ومن خلاله المملكة العربية السعودية بأنهما يموّلان الإرهاب ويوفران له الدعم المالي والسياسي... وإلا لماذا سارع هؤلاء الأطراف الى الإشادة بدور الحريري في طرابلس؟ إضافة الى ان الحملة التي استهدفت السعودية لم تكن في محلها، ليس لأنها وبناء لأمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خصصت 4 بلايين دولار، ثلاثة منها لدعم الجيش من خلال الاتفاقية التي أبرمتها مع فرنسا وبليون كلف الحريري شخصياً أن يشرف على إنفاقه لمصلحة الجيش والقوى الأمنية، بل لأن السعودية تقف على خط واحد مع لبنان في مواجهة الإرهاب.

ويفترض أن تشكل بداية العام الجديد باكورة لرفد المساعدات للجيش والقوى الأمنية الأخرى، علماً ان تراجع البعض عن اتهام السعودية بدعم الإرهاب وتمويله أوقعه في تناقض مع نفسه، ليس لأنه بدّل رأيه فيها فحسب، وإنما لأنه أقر بدورها في الحفاظ على أمن لبنان واستقراره من مواقع الشراكة بين البلدين في مكافحة الإرهاب والتصدي له.

وعليه، هناك من يعزو الدعم السعودي غير المشروط للقوى الأمنية والذي كان لرئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان دور فيه قبل أن ينهي ولايته الرئاسية، الى ان هناك ما يشبه الإجماع على ان الضرورة الراهنة تقضي بوجوب الاستثمار في الأمن في ظل انسداد الأفق أمام التوصل الى مخرج ينهي الشغور في رئاسة الجمهورية، لأن غياب مثل هذا الاستثمار من شأنه أن يشرّع الأبواب في لبنان أمام المجموعات المسلحة في ظل تعذر انتخاب رئيس جديد يعيد الانتظام الى مجرى مؤسسات الدولة، أي رئاسة الجمهورية.

الشغور الرئاسي

ويبقى الشغور في الرئاسة قائماً حتى إشعار آخر وهذا يتطلب أولاً الإبقاء على شبكة الأمان لحماية البلد ريثما تسمح الظروف الخارجية من دولية وإقليمية في إنتاج تسوية داخلية، خصوصاً أن غياب الرأس الواحد حول السلطة الإجرائية الى مجموعة من الرؤوس يحاول كل منها تجيير صلاحيات الرئيس لمصلحته بينما المطلوب جمعها لملء الفراغ الذي يقود عملياً الى رفع مستوى الإنتاج الحكومي الذي لم يتحقق حتى الساعة...

أما القول - وفق هذه الأوساط - إن لا بد من تعليق أهمية غير مشروطة على الحوار بين «المستقبل» و «حزب الله» برعاية رئيس المجلس النيابي نبيه بري فيتعارض مع واقع الحال، لأن ما يتوخاه الجميع من هذا الحوار أن يخرج بنتائج متواضعة يمكن توظيفها لتنفيس الاحتقان السنّي - الشيعي الذي من شأنه ان يبقي البلد، ولو من موقع الاختلاف، على «قيد الحياة» الى حين تسمح الظروف بانتخاب الرئيس.

كما ان الحوار بين رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون وبين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع لن يكون أحسن حالاً من الحوار الأول، وسيؤدي في حال حصوله الى إنهاء القطيعة بينهما من دون أن يدفع لإيجاد مخرج لإنهاء الشغور الرئاسي، خصوصاً أن عون ليس في وارد الانسحاب لمصلحة انتخاب رئيس توافقي.

لذلك، فإن الحوار المرتقب بين عون وجعجع لن يؤدي الى التفاهم على سقف سياسي يؤمّن انهاء الشغور الرئاسي بمقدار ما انه سيقود الى كسر الجليد بينهما وإيجاد ناظم مشترك للعلاقات يتيح لهما التواصل من حين الى آخر، وهذا ما ينسحب على الحوار القائم بين «المستقبل» و «حزب الله» وسط توقعات بأن تبقى نتائجه في حدود تنفيس الاحتقان السنّي - الشيعي.

وهناك من يعزو السبب الى ان ملف الأزمة اللبنانية انتقل الى الخارج وأن الداخل اللبناني يشكل ملحقاً له وأن الانفراج ينتظر حصول حلحلة في المواقف الدولية والإقليمية لا بد من ان تنعكس ايجاباً على البلد... وأن ما يروج له خلافاً لذلك ينم عن رغبات لا يمكن صرفها سياسياً لإنهاء الشغور الرئاسي طالما ان القرار موجود في مكان آخر وهذا ما يعوق قدرة الإفراج عن انتخاب رئيس حتى إشعار آخر من صناعة وطنية ترجمة للبننة الملف الرئاسي.

كما ان البحث في قانون انتخاب جديد يمضي حالياً إجازة مديدة تتوقف مدتها على الإسراع في انتخاب الرئيس، لأن من غير الجائز إقرار هذا القانون في ظل غيابه.

وفي الختام، لا بد من التوقف أما قضية العسكريين المخطوفين لدى «داعش» و «النصرة» في ظل السرية التي يفرضها أعضاء خلية الأزمة برئاسة سلام على الاتصالات الجارية للإفراج عنهم لعل هذه «السرية» تؤمّن إقفال هذا الملف بعودتهم الى عائلاتهم.

كما لا بد من السؤال عن مدى قدرة الحكومة على ان تستقبل العام الجديد بحلّة سياسية تنهي المناكفات التي تعصف بمجلس الوزراء وتوفر الأجواء التي تسمح لها بأن «تدير الأزمة» في ظل الفراغ الرئاسي بذهنية جديدة تزيد من إنتاجيتها على رغم قصر اليد في المجال المالي. فهذه هي العيدية التي ينتظرها الجميع من الحكومة، خصوصاً ان معظم الخلافات داخلها ليست مرتبطة بالأزمة التي تمر بها المنطقة إنما في ان هناك من يريد ان يتصرف كأنه وحده الحاكم بأمر البلد.

أما ان ينظر البعض، كما تقول هذه الأوساط، الى صمود الحكومة على رغم ما فيها من خلافات، على انه إنجاز، فقد يكون صحيحاً من وجهـــة نظره لكنه غير منتج. ولا يمكن ضمه الى الإنجاز الأمني الذي ينعم به البلد ويكاد يكون الإنجاز الوحيد الذي يسجل في خانة الإيجابيات...

على كل حال، من غير الجائز تحميل سلام الذي كان شاهداً على المناكفات مسؤولية الإخفاق في التصدي للملفات العالقة، لأن ما يهمه توفير الحلول لها وهو كان عبّر في مجالسه الخاصة، ليس عن عدم رضاه على سير الأعمال فحسب، وإنما لوّح بالاستقالة واضعاً من يعوق إنتاجها أمام مسؤولياته.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 

مقتل اثنين في اشتباكات بمخيم عين الحلوة في لبنان  |  بتوقيت غرينتشقطع رؤوس تسعة جنود ومدنيين اثنين في هجوم جنوب ليبيا  |  بتوقيت غرينتشالتزوير يحيل قيادياً في وزارة الصحة الكويتية إلى التحقيق  |  بتوقيت غرينتشزعيما المعارضة الإيرانية «محميان» في ظل الإقامة الجبرية  |  بتوقيت غرينتش«توماس كوك» البريطانية تستأنف رحلاتها إلى تونس  |  بتوقيت غرينتشالشرطة الفيليبينية تطرق أبواب المنازل لإجراء تحاليل مخدرات  |  بتوقيت غرينتشالاحتلال الاسرائيلي يحرم 300 طفل فلسطين من التعلم  |  بتوقيت غرينتشملك الأردن يستقبل كوشنر ومسؤولين في الإدارة الأميركية  |  بتوقيت غرينتشواشنطن تربك كبير مستشاري ترامب في القاهرة  |  بتوقيت غرينتش«اسوشيتد برس»: إيران تقترب من إنجاز ممر بري إلى المتوسط  |  بتوقيت غرينتش