|   

«عشاق نجمة» فلسطينيون يحبسهم «الربيع»

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: سوسن جميل حسن 

تعيد الكاتبة الفلسطينية سلوى البنّا في رواية «عشاق نجمة» (دار الآداب) القضية الفلسطينية إلى ساحة الوعي، وتجعلها البوصلة التي توجه الضمير العربي، رابطة ما يحدث اليوم في منطقتنا العربية بمؤامرة دولية تديرها أيادٍ صهيونية، يمثلها موسى، معاون السجان الواوي، والذي ينكشف أخيراً من خلال حبكة بوليسية ليتبين أنه «موشي».

تستهل الكاتبة السرد بمشهدية حكائية، يسرد فيها الفلسطيني العجوز «أبو المجد»، كما يناديه رفيقاه في الزنزانة، حكاية نجمة المتغلغلة في الضمير الفلسطيني الجماعي، باعتبارها حلم كل فلسطيني، وظلال كل فلسطينية. تقول الحكاية: إن نجمة عمرها من عمر شجرة الزيتون التي زرعها والدها عندما أخبر بولادتها، وقد زفت وعريسها الزين تحت جذعها، الذي كان الفارس الموعود لصباح لا نعيب بوم فيه ولا سواد غربان ولا ثعالب أو أفاعٍ، وأن شروقه يتم في اللحظة التي يتحد فيها الزين بنجمة، فكان لا بد من اصطياده قبل الوصول. زحف مضرجاً بدمائه ووصل زيتونة الحبيبة، عانقها وأطلق النداء فخرجت العروس، وصلت والتحمت بجذع الزيتونة، ولا تزال.

كان ذلك منذ آلاف السنين. يقولون: إن وجه نجمة يفيض في هذه الأطياف والألوان، وإن في وهجه يكمن سر الحياة، كما يختبئ خلفه مفتاح الموت أيضاً.

هذا هو سر نجمة التي تخطف «أبو المجد» في غيبوبة كلما استبدّت به الأسئلة وحاصرته، فيناديها بين الصحو والغياب: يا نجمة. ولكل من المخطوفين الثلاثة نجمته، إنما كل النجمات تدور في فلك نجمة أبو المجد.

 

ضياع الأمانة

يمتد زمن السرد داخل زنزانة يسكنها ثلاثة معتقلين ينتظرون حتفهم من دون أن يعرفوا شيئاً عن تهمهم ولا عن المعسكر، أو المسلخ كما يسمونه في ما بينهم، وأزمنة أخرى ترجع بالسرد إلى ماضي كل واحد فيهم لتظهر خيباته وانكسار أحلامه وطموحاته وكيف وقع بين أيدي أولئك المقنعين ثم اجتمعوا في هذه الزنزانة.

أبو مجد العجوز الفلسطيني، ولد لأب من نابلس (فؤاد) وأم من يافا (سلمى)، ولم تكن ظلال نجمة غائبة عن قصة زواجهما. والد سلمى، الحاج إبراهيم، كان قد هُجّر من يافا عندما غادرها أهلها معتقدين أنهم سيعودون بعد أيام قليلة، فلم يأخذوا معهم أكثر من مفاتيح بيوتهم وبعض الصور. ذاق مرارة النزوح وذلّ الأقربين بعدما كان ملاّك بيارات، فقرر العودة والبحث عن صديقه الحاج زكريا في نابلس، لكنّ صديقه كان قد مات، وتزوج فؤاد من سلمى.

كان فؤاد شخصاً صارماً متجهماً، بينما ســلمى رقيقة مبتسمة، وكان ابنهما مجد دائم السؤال عن سرّ هذه العلاقة، وهل سلمى تحب فؤاد؟ اختار فؤاد طريق الكفاح المسلّح بعد اعتقاله لمــدة عام إثر التظاهرات ضدّ زيارة بورقيبة إلى فلسطين عام 1965، ثم استــشهد ولم يبقَ منه غير قطعة معدنية هي «شعار العاصفة». فأضيف إلى الصندوق الذي جمعت فيه نجلا- جدة مجد لأمه- الأمانة التي تحمل سرّ القضية ورمزيتها، مفاتيح البيت اليافاوي وصور العائلة، ومن بينها صور خاله عطية، البطل الذي استشهد مع زوجته الحامل بابنهما الأول في مذبحة دير ياسين.

كان مجد الذي كبر على حكايات البطولة والأمانة والتضحية في سبيل فلسطين تحكيها له جدته قد حُمّل أمانة ثقيلة أرّقته طويلاً. كان يكبر وتكبر أسئلته معه، وعندما أحب سعاد التي تخصصت في العلوم السياسية وعملت كناشطة قبل أن تتزوج من دببلوماسي فلسطيني، عارضت نجلا ارتباطه بها، لكنّ خيبته الأكبر كانت في ردّ سعاد نفسه: «الحب شي والزواج شــي». ليتساءل في ما بعد: «ما دام هناك طريق آمن إلى نجمة، فلماذا اختار فؤاد طريقاً محفوفاً بالمخاطر؟»...

بعدما سافر مجد خارج فلسطين ليعمل في دولة أفريقية حيث يتزوج من دلال، اعتبرت أمه نجلا وجدّته، وهما المرأتان المؤثرتان في حياته ونشأته، أنه خان الأمانة، بينما كان يرى أنّ من هم في الخارج يمكن أن يخدموا القضية أيضاً، حتى وصل به الأمر إلى الزنزانة.

 

عشق القضية

والمعتقل الثاني هو لؤي، الرجل الجزائري ثائر تربى على رمز بن بللاّ وغيفارا، وقع في هوى الشام وكانت القضية الفلسطينية تعيش في دمه. أقام في المعتقلات لعشر سنوات بتهم مختلفة تتنوع بين إثارة الشغب والإخلال بأمن الدولة، وآخرها وأخطرها إسقاط النظام. تسلل إلى سورية ليكون له دور في مساعدة أهلها في نكبتهم، لكنه وقع في أيدي الخاطفين. أمّا سامي، الشاب اللبناني الشيوعي كأبيه، فأُنقذ من محاولة انتحار بعدما خسر حبيبته الفلسطينية جنى، وهي تعيش مع أسرتها في أحد المخيمات، ولكن تم تزويجها إلى ثري خليجي بعمر والدها. ومن ثم يتهاوى تمثال والده عندما أحضر له صبية «رفيقة» لتعرض عليه جسدها كعلاج من خيبته، فتتلقفه أيدي دعاة السلفية الجهادية من الجامع حيث أٌخضع لجلسات تأهيل فكري ديني، ووُعد بحوريات الجنة كمكافأة للجهاد، قبل أن تتمّ إحالته إلى معسكر التدريب على السلاح حيث هرب في لحظة تقاطع نيران ليقع في أيدي أفراد العصابة المقنعين ويساق إلى «المسلخ».

يضم المعتقل أيضاً شخصية الواوي، وهي الشخصية التي أبدعت سلوى البنا في رسمها، مع الإشارة إلى أن شخصيات الرواية كلها مشغولة بمهارة واضحة، فهي تنهض وتكتسي ملامحها وتفرض مزاجها النفسي بلا تلف. الواوي، ذلك الشخص الذي اغتصبت طفولته وانتهكت مرتين، مرة عندما أعدم والده العريف في أمن الدولة لأنه رفض أن ينفذ الأوامر ويلوث يديه بدم بريء.

ومرة أخرى حين تركته أمه عند خــاله ورحلت ليجد نفسه عرضة للإهمال والذلّ في بيت خاله، مما دفعه إلى الهرب وهو في العاشرة. حينذاك أمســكت به عصابة من المجرمين الذين سلــبوا منه هويته، بما فيها اسمه، ليصير الواوي بدلاً من عبد الإله، ويتعرض للاغتــصاب الجنسي، ويجبر على رفع الجثث المكومة في المعتقل ورميها في شاحنة، إلى أن ينتفــض في لحظة ما لكرامته، ويدرك ذاته المهدورة فينبش في أرشيف المعتقل ويقرر أن يهرّب السجناء الثلاثة.

ذاك الأرشيف كان في غرفة وصل إليها لواوي عبر الأنفاق والسراديب، فسرق الملفات وأعطاها للسجناء، ليكتشف كل واحد منهم أنه يعادل مبلغاً، وكان أغلاهم ثمناً هو أبو المجد الفلســـطيني، ثم سامي اللبناني، وبعدهما لؤي الجزائري. يقول أبو المجد: «هذا المكان ليس مسلخاً تديره عصابة من قطاع الطرق فقط، وإنما منظمة دولية. فلكل من نزلائه ملف دقيق يحوي أصغر التفاصيل».

وبحبكة بوليسية شيقة، تبدأ أخيراً رحلة التهريب التي يقضي خلالها الواوي، وينكشف أمر موشــي، الذي يقــضي بدوره أيضاً بينما ينتظر الطائرة التي ستتسلّم الرهينة الفلسطينية مقابل مكافأة يحصل عليها.

في النهاية، ينجو الثلاثة، وعندما يفتح أبو المجد عينيه يشعر بأنه على بعد خطوات من نجمة ويصرخ: «أنا هنا يا نجمة». ويردد بفرح طفولي: «الأمانة لم تضع يا نجلا». ثم يغني الثلاثة «العتابا».

«عشاق نجمة» رواية مشغولة بشغف فلسطيني، وبلغة جميلة وأسلوب شيق وشخصيات مؤثرة، وحبكة بوليسية تزيد من غوايتها.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
   

أعمال الفنان الإيطالي الشهير مايكل أنجلو في عرض موسيقي بروما  |  بتوقيت غرينتشالأبقار قد تصبح أكبر الثدييات حجماً خلال قرون قليلة  |  بتوقيت غرينتشقتل طليقته ثم انتحر في بث مباشر على «فايسبوك»  |  بتوقيت غرينتشتنفيذ حكم الإعدام في مدان عمره 83 عاماً في الولايات المتحدة  |  بتوقيت غرينتشانفجار وحريق في مصفاة «فاليرو» بتكساس سيتي  |  بتوقيت غرينتشزلزال يضرب منطقة قريبة من مفاعل نووي إيراني  |  بتوقيت غرينتشالاتحاد الأوروبي يحذر من المكملات الغذائية التي تحتوي على الشاي الأخضر  |  بتوقيت غرينتشمهرجان دبي السينمائي كل عامين بدلاً من كل عام  |  بتوقيت غرينتشإدارة الطيران الأميركية تأمر بفحص محركات طائرات  |  بتوقيت غرينتش«ناسا» تطلق صاروخاً من فلوريدا لرصد المزيد من الكواكب  |  بتوقيت غرينتش