|   

أطفال لا يتكلّمون لغتهم إلا حين يغضبون

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: برلين - يارا وهبي 

اللغة العربية، في بلاد الغرب، هل هي تحدٍ أضافي أمام الأهل المهاجرين أم مشكلة عويصة تواجه الجيل الجديد الذي ولد في ألمانيا مثلاً؟ وهل الحفاظ عليها يعني الحفاظ على الوطن المهجور؟ والإبقاء على صلة بالأهل والأجداد؟ وكيف يمكن للغة العربية أن تحيا في بلد لا يتقنها أبناؤه ولا يتحدّثون بها؟

يعاني المهاجرون العرب في ألمانيا، من مشكلة مزدوجة، هي تعليم أولادهم اللغة الألمانية، وتعليمهم العربية أيضاً في شكل صحيح، لكن الجيل الذي يكبر هنا، يعاني في أحيان كثيرة، من عدم إتقانه اللغتين، الألمانية والعربية.

إن تعليم لغة أو أثنتين للأطفال، يخضع إلى نظريتين متناقضتين، إحداهما تعتبر أن تعلّم لغتين في عمر مبكر، ليس بالأمر المحبب أو المفضّل، لأن الطفل سيتكلّم «سلطة»، كلمة من هنا وكلمة من هناك، وبالتالي لن يتمكن من إتقان أي منهما، بينما يرى خبراء أن تعليم الطفل أكثر من لغة في عمر مبكر مهم جداً، لأن عقله يكون كالأسفنجة القادرة على امتصاص كل شيء، ومن ثم سيكون قارداً في المستقبل على الفصل بين اللغتين. ووفقاً لهاتين النظريتين تتنوع نصائح المعلمين الألمان لأهل الأطفال العرب، إذ يوصي مدرسون كثر في الروضات بألمانيا، الأم أن تتكلّم العربية مع أبنائها في المنزل، وهم سيتولون تعليمهم الألمانية في صفوف الروضة.

وتقول إحدى المدرسات في هذا الصدد: «نريد أن يفصل الولد، وأن يتعلم لغته الأم تعلماً صحيحاً، وأيضاً فإن نطق الأحرف الألمانية، هو أصلاً صعب على الأطفال الألمان. ولاحظنا أن أطفالاً عرباً كثيرين يخلطون بين اللغتين، ولا يجيدون مخارج الحروف الألمانية، ما دفعنا إلى التفكير بأفضل الطرق، وهي الفصل بين المدرسة والمنزل في اللغة».

وتبدي إسراء وهي أم لطفل في الثالثة من عمره، حيرة شديدة، فابنها يتفوّه بكلمة عربية وأخرى ألمانية، ولم تجد وسيلة تمكّنه من الفصل أو لفظ جملة كاملة بالعربية، وأخرى كاملة بالألمانية!

في المقابل، تؤكد المهندسة أفنان السعدي المقيمة في ألمانيا منذ 12 عاماً وأم لأربعة أولاد، أنهم «يستسهلون الحديث مع أقرانهم، باللغة الألمانية، ويفهمون أيضاً ما أحدّثهم به بالعربية لكنهم يجيبون بالألمانية». هنا يجب على الأهل أن يلعبوا دوراً حاسماً مع أطفالهم وتحديداً في المنزل. وتلفت السعدي إلى «وجود نقص في الاختصاصيين الذين يمكن أن يعلّموا أطفالنا اللغة العربية قراءة وكتابة، والذين يجب أن يتقنوا اللغتين العربية والألمانية».

 

جيل لا يتقن العربية ولا الألمانية

تقول شادية أبو حمدان المعلّمة في مدرسة ينس يندال الابتدائية في برلين، أن المشكلة «تكمن في أن الأولاد يذهبون إلى المسجد لتعلّم اللغة. فيجيدون القراءة، وقراءة القرآن الكريم جيداً، لكنهم لا يجيدون التحدّث بالعربية، ولا ينجح أي منهم في تركيب جملة عربية واحدة. المشكلة التي بدأ الأهل يلاحظونها، أن التعلّم في المسجد يختلف عن تعلّم اللغة العربية للتحدّث بها».

ويؤكد كثر أن نشوء جيل عربي من لا يتكلّم العربية في شكل صحيح، وفي الوقت نفسه لا يتقن الألمانية. ويعاني من الإهمال المدرسي عموماً ومن القصور في العملية التعليمية، حتى أصبحت أمهات كثيرات يشتكين من أنهن لا يفهمن على أولادهن. فلغة التواصل بين الأم وابنها انقطعت، ما دفع بكثيرات، إلى تخصيص دروس عربية، أو توفير مدرّس عربي خاص لأبنائهن.

في حالات كثيرة يكون فيها أحد الطرفين عربياً والآخر ألمانياً، يشدد المسؤولون عن تحدّث كل طرف باللغة الأم الخاصة به، وألا يتم الخلط. فالأم مثلاً تختص بتوجيه الحديث باللغة العربية إلى ابنها والأب يتوجه بكلامه باللغة الألمانية. فلا خوف على الطفل الصغير طالما أنه يتابع تعليمه في المدرسة، في أن يتعلّم الألمانية في شكل صحيح. لكن المشكلة تكمن في أنه لا يتكلّم لغة أمه أو أبيه وهي العربية، وأثر ذلك في انقطاع التواصل مع الأقارب والأجداد. وقد أصبحت هذه الظاهرة تشكل هاجساً كبيراً بالنسبة لمهاجرين كثيرين، ممن طال بعدهم عن أوطانهم وباتوا يخشون أن تنقطع العلاقة بين أبنائهم وأهلهم، لا سيما مع فقدان لغة التواصل وهي العربية.

 

لا عزاء للأهل

إن أهمية اللغة العربية لا تنبع فقط من كونها، لغة الكلام والحديث، بل هي جزء من الموروث الثقافي للعرب، وفقدانها يعني فقدان هذا المكون، الذي يسعى مهاجرون كثر إلى الحفاظ عليه، بشتى السبل، وإن كانوا يتوهون في الطرق المؤدية إليه.

وفي الوقت الذي يرى الأولاد أن لا معنى لأن يُتعبوا أنفسهم في تعلم لغة، لن تفيدهم في العمل وتفتح أمامهم آفاق المستقبل، ولن تنمّي علاقتهم بالأصدقاء، يسعى أهالٍ إلى توحيد الصلات والصداقات مع بعضهم بعضاً، حتى يتآلف أولادهم ويجدون في اللغة العربية منفعة ما. وفي هذا الصدد تقول نجوى: «يبقى الأمر تحت السيطرة طالما أنني أختار صديقاتي اللواتي لديهن أطفال من عمر ابني، فيلعبون معاً، ويتحدثون ما يعرفونه باللغة العربية. لكن المشكلة تبدأ، عندما يكبر الأولاد ويستقلون بقرارهم في اختيار أصدقائهم وغالبيتهم ألمان. ولأنني لا أستطيع منعهم تنقطع السبل التي تجعلهم يتحدّثون بالعربية».

ويرى كثر أن انقطاع الحديث أو الرغبة في حديث الشباب العربي بلغتهم الأم، جزء من إعلان موقف، مفاده عدم الرغبة في التواصل مع هذا الموروث، الذي لا يتوقف الأهل عن التغنّي به. ويقول شادي وهو مهاجر فلسطيني في الـ20 من عمره: «اللغة هي فكر، أنا أفكر باللغة الألمانية لأني أعيش هنا». ويسأل: «ماذا ستفيدني اللغة العربية، لا أستطيع أن أفكر فيها. لذا ليس علي أن أشغل نفسي بقواعدها. وبصراحة ما يقوله أهلنا عن أهمية اللغة العربية أصبح بالنسبة إلينا موضة قديمة».

وتوضح سيدة أخرى متعجبة: «ابنتي لا تتكلم العربية إلا عندما تغضب، تبدأ بالصراخ والنحيب باللغة العربية، لا أعرف ممن تعلمت ذلك».

إن تعلّم العربية في بلد أجنبي أمر شديد التعقيد. كما يشكّل عدم تعلمها هاجساً عاطفياً للكثير من الأهل. فاللغة هي الوطن، الذي سنعود إليه على حدّ تعبيرهم.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
 

مهرجان الجونة السينمائي يكرم عادل إمام في افتتاح دورته الأولى  |  بتوقيت غرينتشفيروز تطرح «ببالي» عبر الانترنت  |  بتوقيت غرينتشالإعصار «ماريا» يقتل 25 شخصاً بعد اجتياحه جزر الكاريبي  |  بتوقيت غرينتشانهيار سقف الكنيسة الإثيوبية الملاصقة لكنيسة القيامة في القدس  |  بتوقيت غرينتشالمكسيك: يومان من البحث تحت الأنقاض عن طفلة غير موجودة أصلاً  |  بتوقيت غرينتشبعثة نيبالية لحسم الجدل في شأن ارتفاع قمة إيفرست  |  بتوقيت غرينتشوفاة مؤسسة شركة «لوريال» عن 94 سنة  |  بتوقيت غرينتشإجلاء الآلاف مع تزايد نشاط بركان في جزيرة بالي الإندونيسية  |  بتوقيت غرينتشارتفاع حصيلة ضحايا زلزال المكسيك إلى 272 قتيلاً  |  بتوقيت غرينتشأربعة جرحى بحادث تحطم طائرة خاصة في إسطنبول  |  بتوقيت غرينتش