|   

ويليام رايش والتحليل النفسي

النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: زيزي شوشة 

«إن كنا نريد ولادة الإنسان الحقيقي للمرة الأولى في التاريخ، يجب إلقاء جميع المواد في سلة المهملات والبدء بتدريس علم رايش. لقد قام هذا الرجل بشفاء آلاف الأشخاص الذين كانوا يعانون من أمراض مستعصية، لكنهم لم يروا ذلك ولا يريدون أن يروا أصلاً، لا في زمنه ولا اليوم، إنه واحد من أعظم العلماء الثائرين على مر التاريخ وقد بقي منسياً». آثر الكاتب العراقي قيس جواد العزاوي أن يختتم الطبعة الثانية لكتابه «رايش والتحليل النفسي... أضواء على سيرته الذاتية والعلمية» الصادرة حديثاً عن دار «آفاق» في القاهرة، بعد تنقيح الطبعة الأولى وإضافة فصل جديد لها، بتلك العبارة للبروفيسور برند سينف التي تعكس حجم مأساة الطبيب وعالم النفس ويليام رايش الأكثر توهجاً وجدلاً منذ مولده في آذار (مارس) 1897 في مدينة دبروشنيكا في ولاية جاليسي التابعة لإمبراطورية النمسا آنذاك وحتى وفاته في أحد السجون الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1957.

حاول العزاوي في طبعته الجديدة أن يتطرق إلى أكثر المناطق الشائكة في حياة رجل ظل يبحث طوال حياته عن وسائل لخلاص الإنسانية من بؤسها وعسرها، تلك المناطق المتعلقة بموقف رايش من الفرويدية والماركسية، اللذين كانا سبباً رئيساً في تعاسته وحرق كتبه وهدم مختبراته العلمية وطرده ونبذه من كل دول أوروبا، حتى موته سجناً، إلا أن الكاتب العراقي الذي ظل عمراً طويلاً يبحث وينقب حول مشروع رايش العلمي، لم يترك إجابات حاسمة عن الأسئلة التي أثيرت حول صاحب «سيكولوجية الجماهير الفاشية».

لم يكن انضمام رايش إلى حركة التحليل النفسي حدثاً عادياً، بل إن انتماء طبيب يساري في الثالثة والعشرين من عمره لحركة تضم كبار البرجوازيين، أحدث ثورة عارمة داخل الحركة الكهنوتية، لكن تلك الثورة كانت لها عواقبها الوخيمة على حياة الباحث الثائر، ظهرت بوادرها حين بدأ رايش في اختراق المحرمات الكلاسيكية للتحليل النفسي، بل بالأحرى حين بدأ في تسييس علم التحليل النفسي.

ويوضح العزاوي ملابسات قصة رايش مع الجمعية الدولية للتحليل النفسي قائلاً: إن رايش دخل حركة التحليل النفسي شاهراً سلاح التحرر الجنسي، ما جعل فرويد يعتبره رأس الحربة التي يشهرها في وجه الخارجين عن النظرية الجنسية، تحديداً مع المحللين آدلر ويونج اللذين أنكرا أهمية الدافع الجنسي في تكوين الأمراض النفسية، على عكس فرويد الذي كان يؤمن بذلك. في تلك الفترة كان رايش بالنسبة إلى فرويد نموذج الشاب الطموح القادر على التحدي والمتمكن في الوقت نفسه من استخدام منهج التحليل النفسي تاريخياً وثقافياً، لكن هذا الاحتفاء به من جانب فرويد لم يدم طويلاً. فبعد أن كان رايش مسؤولاً عن الحلقات الدراسية لتكنيك التحليل النفسي عند فرويد لسنوات عدة صار شخصاً منبوذاً من جانب الأخير، وفق العزاوي.

يرى الكاتب العراقي أن الأسباب الحقيقية وراء قطيعة فرويد لرايش، هي أسباب شائكة، تضافرت فيها العوامل السياسية والعلمية لتشكل معاناته الأبدية، إذ يقول: إن رايش لم ينتبه إلى طقوس حركة التحليل النفسي التي حوَّلها فرويد إلى حركة كهنوتية هيراركية، منصّباً نفسه سيداً على أعضائها، ومن ثم يجب طاعته وعدم الخروج عليه، وراح رايش يؤسس لحركة استقلالية نظرية، من خلال الدفاع عن أطروحاته التحليلية في كتبه «وظيفة الأورجازم، تحليل الطبع، الثورة الجنسية». هذه المؤلفات كانت نقداً كبيراً للأخلاق البرجوازية، بل أحدثت ثورة حقيقية في وجه الثقافة الأبوية الرعوية التي كان يراها رايش محاولة للإبقاء في شكل متعمد على أدوات القهر والكبت ومسببات الأمراض النفسية.

ويضيف العزاوي أن أطروحات رايش بدأت تزعج المحللين الأرثوذكس الذين أصبحوا يتكتلون ضده ويحرضون فرويد عليه، رغم أن الأخير - وفق تعبير الكاتب- لم يكن بحاجة للتحريض، إذ أزعجته زيارة رايش للاتحاد السوفياتي عام 1929 وراح يؤكد أن ولاء رايش هو للبلشفية لا للتحليل النفسي، ومن ثم لا يحق له أن يتكلم باسم هذا العلم.

تصاعدت وتيرة الأزمة حين أصدر رايش كتابه «الشخصية المازوخية» رافضاً فيه غريزة الموت، التي اعتبرها فرويد سبباً في معاناة الإنسان، بل أكد أنها مفهوم مضاد للتحليل النفسي، وأشار في كتابه إلى أن التحليل النفسي، بفضل اكتشافات فرويد واعترافه بغريزة الموت، أصبح مستسلماً لمقولاتٍ يائسة تؤكد أن البؤس ملازم للحياة، وأنه لا نتيجة ولا أمل في التغيير، ومن ثم ليست هناك حاجة لقيام الثورات الاجتماعية. واعتبر رايش أن تعليق فرويد البؤس الإنساني على مشجب البيولوجيا ليس إلا هروباً، ليصل إلى نتيجة حاسمة وهي أن فرويد وضع مكانته العلمية لخدمة أيديولوجيا محافظة، وحوَّل تطور التحليل النفسي إلى نظرية معادية للجنس، ليس بسبب موقفه المتحفظ من التحرر الجنسي، ولكن خوفاً من التداعيات السياسية.

لم تكن توجهات رايش السياسية أقل وطأة على مسيرة حياته البائسة، من خلافاته العلمية مع فرويد، بل على العكس، فقد صاغت تلك التوجهات حياته المطرزة بالمعاناة، حتى ودع العمل السياسي نهائياً ونبذ التحليل النفسي ووسائله وتقنياته. فبدلاً من اعتماد مذهب الوقاية من الأمراض من خلال تحسين البيئة الاجتماعية أو النضال الطبقي الجذري، ذهب إلى البيولوجيا، والمختبرات، محاولاً إيجاد علاج لبؤس الإنسانية.

ويستفيض العزاوي في إبراز تفاصيل تلك الفترة، إذ يقول: إن نشاط رايش السياسي انعكس على حياته العلمية، فأصبحت أطروحاته النفسية ذات مغزى اجتماعي، فضّل العمل في صفوف الطبقة الكادحة وصار مترجماً حياً للبؤس النفسي والسياسي والاقتصادي للجماهير، ونقل محاضراته إلى أبواب المصانع وفي العيادات النفسية المجانية التي افتتحها، وبات نضاله ضد القمع الجنسي موازياً لنضاله ضد القمع الطبقي، وأصبح نموذجاً رائداً لما يمكن أن تقدمه الماركسية والفرويدية للجماهير المضطهدة، لكن تلك النشاطات، وفق العزاوي، أزعجت الحزب الشيوعي النمسوي، الذي رأى أن رايش تسبب في إبعاد الشباب الشيوعيين عن العمل الحزبي، واشتعلت الأزمة حين زار الاتحاد السوفياتي عام 1929، إذ اعتبر الحزب أن هذا تجاوز منه، وعلى الفور صدر قرار بطرده من الحزب، وحرق كتبه وهدم مختبراته، لينزح إلى برلين وينال المصير نفسه هناك، فيطرد من الحزب الشيوعي الألماني بعد صعود النازية وتحرق كتبه، وتوزع المنشورات والمقالات التي تنهش في سمعته العلمية والإنسانية، ويفصل نهائياً من الجمعية الدولية للتحليل النفسي.

ظل رايش مشرداً بين دول أوروبا التي نبذته، حتى استقر في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنه لم يهنأ باكتشافاته العلمية هناك، حيث قامت جمعية الأطباء والمحللين الأميركية بشن حملة ضده تدين أبحاثه وتطبيقاته حول طاقة الأورجون مدعية تأثيرها في صحة المرضى، حتى ألقي القبض عليه، ليسجن في 12 آذار (مارس) 1957، ويقدم طلباً إلى رئيس الولايات المتحدة بإعفائه من السجن، ويتوقع أن يطلق سراحه في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر)، لكن قلبه يتوقف في الثالث من الشهر نفسه، تاركاً خلفه حياة حافلة بالتشرد والاكتشافات والألغاز.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
  1. Alternate textمحمد حسين الشيخ

    الكاتبة المتميزة زيزي شوشة... كتابة مبدعة تليق بعبقري مثل ويليام رايش

    الثلاثاء 03 شباط 2015 7:45 ص


ترامب يدعم الاتفاق بين «ديزني» و«فوكس» لشراء وحدتي الأفلام والتلفزيون  |  بتوقيت غرينتشفرنسا: مقتل أربعة تلاميذ وجرح 20 في تصادم بين قطار وحافلة  |  بتوقيت غرينتشجراح بريطاني يقر بحفر اسمه على كبد مريضين  |  بتوقيت غرينتشدوين جونسون يدشن نجمته على جادة المشاهير في هوليوود  |  بتوقيت غرينتشبريطانيا تستعين بشركات لمكافحة التجسس الإلكتروني  |  بتوقيت غرينتشعودة ثلاثة رواد من محطة الفضاء الدولية إلى الأرض  |  بتوقيت غرينتش«نشيد للبحر» معرض أعمال فنية لمعتقلي غونتانامو  |  بتوقيت غرينتش«ألكسو» تهنّئ السعودية بتسجيل «القط العسيري» على قائمة التراث الثقافي  |  بتوقيت غرينتشالقبض على أخطر المهربين البرازيليين في براغواي  |  بتوقيت غرينتشتزايد نسبة التفاوت الاجتماعي في العالم  |  بتوقيت غرينتش