|   

إضاءة ليبية من تاريخ فزان القريب

مشهد من غدامس - ليبيا
النسخة: الورقية - دولي
آخر تحديث: محمد بن غلبون 

هذا المقال ليس سرد حوادث تاريخية بل هو إضاءة من التاريخ القريب أرجو أن يجد فيها النشطاء والوطنيون في الجنوب الليبي تفسيرًا لكثير مما يجري حولهم، وشرحاً لخلفيات ما يُدفعون الى التعاطي معه، عساهم بذلك يتفادون الفخاخ ومواقع الزلل.

في تشرين الثاني (نوفمبر) 1953 سافر الملك ادريس إلى المغرب وبرفقته كل من الوزير الفرنسي مسيو دي بارسي والقنصل الفرنسي في طرابلس مسيو موري، وكان الغطاء الرسمي لتلك الرحلة هو زيارة آثار أجداده مولاي إدريس الأكبر ومولاي إدريس الأصغر في فاس والزرهون. وهناك رُتبت له مقابلة الشريف محمد بن عرفة الذي نصبته فرنسا سلطاناً على المغرب في آب (أغسطس) من تلك السنة بدلاً من قائد الجهاد المغربي من أجل الاستقلال الملك محمد الخامس الذي كان يعيش وأسرته في المنفى. كان ذلك اللقاء هو الوحيد الذي حظي به محمد بن عرفة مع أي زعيم عربي، وقد شجبته جامعة الدول العربية كما قوبل اللقاء بامتعاض الوطنيين المغاربة.

ذلك النهج الفرنسي في صناعة حليف تابع لفرنسا وتنصيبه في مناطق نفوذها هو تحديداً ما سعت الى تطبيقه في الجنوب الليبي قبل نحو سبعين سنة لضمان تبعيته لها، وليكون امتداداً لمستعمراتها في ما كان يعرف بـ «أفريقيا الأستوائية الفرنسية»، وذلك عقب غزوها للإقليم وطرد القوات الإيطالية منه واستعادة سيطرتها عليه في كانون الثاني (يناير) 1943 بمساعدة المجاهدين الليبيين اللاجئين في تشاد والنيجر تحت إمرة أحمد سيف النصر الذي كلفه السيد ادريس بالتعاون مع قوات فرنسا الحرة لدحر المستعمر الإيطالي عن فزان ضمن الاتفاقية التي أبرمها السيد مع الحلفاء.

كادت فرنسا أن تنجح في ذلك المسعى عندما تمكنت من إغواء عمر سيف النصر، ووعدته بجعله حاكماً تابعاً لها يتمتع بحمايتها ونفوذها بعد عزل فزان عن بقية التراب الليبي. وقد حاولت فرنسا قبل ذلك إغراء الزعيم الوطني أحمد سيف النصر بهذا العرض وخلعت عليه لقب باي فزان وطبعت صورته على طوابع البريد لكنه رفض مفضلاً مصلحة الوطن.

تسبب ذلك المسعى في عرقلة جهود سيدي ادريس لتحرير فزان من الفرنسيين وضمها للمملكة الليبية المستقلة، وإعاقة جهوده المدعومة من بريطانيا والدول الحليفة التي صارت تدين له بما قدمه لها من مساعدات عظيمة خلال الحرب العالمية الثانية.

ولم تتوقف محاولات فرنسا لتحقيق أحلامها التوسعية الخاصة بإقليم فزان عند هذا الحد بل كانت تدعمها بتحركات سياسية ودبلوماسية فامتنعت عن التصويت على قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا سنة 1949، وقامت بإجراءات عملية على الأرض تمثلت في فصل فزان عن بقية التراب الليبي وإثارة الروح الانفصالية لدى السكان، وتكثيف حملاتها الدعائية لحضّ أهل فزان على التصويت للانضمام الى فرنسا عندما تستفتيهم الأمم المتحدة في أواخر الأربعينات.

ولم يحبط ذلك المشروع الجهنمي إلا تعاون العقلاء من آل سيف النصر الذين كبحوا أحلام عمر وأنقذوا الموقف والوطن. وقد كافأهم الملك بعد الاستقلال بجعلهم الحكام الفعليين لفزان الليبية، فكانوا ولاتها طوال العهد الفيديرالي للمملكة، فحكمها أحمد سيف النصر ثم عمر سيف النصر ثم غيث عبدالمجيد سيف النصر حتى 1963.

وبمراجعة الوثائق الرسمية ووضع زيارة الملك ادريس للسلطان الدمية في المغرب في سياقها التاريخي والسياسي فإنها لم تكن إلا مناورة سياسية أجبر عليها ادريس كتنازل لفرنسا ولإظهار حسن النيات تجاهها وعدم تهديد مخططاتها في تلك المنطقة، وتمهيداً لبدء المفاوضات الرامية لعقد اتفاقية صداقة بين البلدين سنة 1955 انسحبت بموجبها فرنسا - على مضض - من اقليم فزان، وتنازلت بموجبها ليبيا للجزائر (الفرنسية في ذلك الوقت) عن شريحة من الأراضي الغنية بالنفط على الحدود بين ليبيا والجزائر، وكانت النتيجة ولادة دولة مستقلة ذات سيادة، ومعترف بها في هيئة الأمم المتحدة - للمرة الأولى في تاريخ ليبيا - ضمنت أمنها وحدودها وسيادتها من أطماع دول الجوار والمخططات التوسعية للقوى العظمى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بموجب اتفاقيات صداقة أبرمتها مع كل منها.

وساهم في تحقيق هذا الإنجاز عناصر عدة لا مجال لحصرها هنا، لكن أهمها كان تقديم أهل الحل والعقد في البلاد مصلحة الوطن العليا على المصالح الشخصية والجهوية والقبلية والعرقية.

لكن تلك الزيارة عادت لتنهش القضية الوطنية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي. عندما أدرك العاهل المغربي الحسن الثاني بحصافته المعهودة مرمى طرح الاتحاد الدستوري الليبي بضرورة التمسك بدستور الاستقلال كنقطة انطلاق؛ ذلك المرمى الذي استعدى الأميركيين وغاب عن المعارضة الليبية في حينها، ثم استعصى على المجلس الانتقالي بعد الثورة، ألا وهو حماية المجتمع الليبي من الانزلاق الى فراغ سياسي لأي فترة زمنية - مهما قصرت - لأن تركيبته ونفسيته لا تحتملان ذلك.

فكان الحسن الثاني الزعيم العربي الوحيد الذي قرر تحدّي التحذير الأميركي من التعامل معنا، وقد عرض عليّ مساعدته - كهدية للشعب الليبي - لكنه اشترط أن أتخلى عن الملك ادريس. وكان رفضي لذلك الشرط - بلا ندامة - باهظ الثمن على كل الصعد. فلولا ما كان يحمل في صدره من زيارة سيدي ادريس لبن عرفة لما صدّق - وهو الكيّس الفطن - ما برر به بعض رجال العهد الملكي الليبي الذين كانت تعجّ بهم الرباط في ذلك الحين عداءهم لنا من باب فقدان الملك ادريس شعبيته وكونه أصبح عِبئاً على القضية الوطنية.

أخيراً، فأنا لا أشكك في حقوق ومطالب الطوارق أو التبو، ولا أتهم فرنسا بالعداء لنا، فقد سجل التاريخ أنه لولا التدخل الفرنسي التلقائي والأحادي في تلك اللحظة الحاسمة لاجتاح رتل الدمار مدينة بنغازي يوم 19 آذار (مارس) 2011 ولوئِدت الثورة في مهدها. ولكن، ما ينبغي أن لا يغيب عن عاقل وطني أن القاعدة التي تسير بها الأمور في عالم السياسة - عبر كل الأزمنة والعصور - هي أنه «لا توجد بين الدول صداقة دائمة ولا عداوة دائمة، وإنما مصالح دائمة».

إن الاصرار على الحصول على كل المطالب الآن وفي غياب الدولة وبقوة السلاح لن ينجم عنه إلا انفراط عقد الوحدة الوطنية. وعندما تنجزون ذلك الجرم فلا تلوموا الأصدقاء ولا الأعداء إذا أخذوا من الوطن ما فرطتم فيه. وتأكدوا من الآن أنكم لن تصبحوا وقتها مواطنين فرنسيين، بل ستضم فرنسا فزان إلى احدى دول الجوار الموالية لها لتصبحوا مواطنين في تشاد أو النيجر.

 

 

* رئيس «الاتحاد الدستوري الليبي»

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.


 
 
  1. Alternate textماهر البرعصي

    أظن أن الشيخ بن غلبون نجح مرة أخرى في توظيف أحداث الماضي لتفسير مجريات الحاضر واستشراف مخاطر المستقبل، ودق ما دأب على تسميتها "نواقيس الخطر" . أتمنى أن يسمعها أهلنا الليبيون ويعوها قبل فوات الأوان الذي يبدو لي وشيكاً.

    الثلاثاء 24 شباط 2015 10:57 م

  2. Alternate textصالح الحنتيت (١ من ٢)

    قرأت في منتصف التسعينات مذكرات ملك المغرب الحسن الثاني "ذاكرة ملك" وأتذكر جيدا كم أدهشتني لهجته القاسية في حديثه عن الملك ادريس ولم أجد لها تبريرا في حينها كون الرجلين يكادا يكونان أبناء عمومة باعتبار نسبهما الشريف وملكان في مرحلة عصفت فيها الانقلابات العسكرية بعدد من الممالك ولم أكن على دراية بأن هناك عداوة أو حساسية بينهما تبرر ذلك حتى قرأت ما جاء في هذا المقال عن زيارة الملك ادريس إلى الشريف بن عرفة الذي نصبته فرنسا سلطانا على المغرب لضرب مساعي الوطنيين المغاربة لنيل الاستقلال من الاستعمار الفرنسي تحت قيادة السلطان الشرعي محمد الخامس. وأنا أتفق تماما مع كاتب المقال في تبريره لدوافع الملك ادريس للقيام بتلك الزيارة بهدف التوصل إلى تفاهم مع فرنسا يحد من أطماعها في فزان ويمكن كذلك تفهّم اختيار فرنسا له للقيام بهذه الزيارة كونه من السادة الأشراف كذلك مثل محمد الخامس ومحمد بن عرفة نفسه وهو عين الدهاء لخلط الأوراق وتجريد الأسرة العلوية المناضلة من ورقة كونها أسرة شريفة تحظى باحترام الشعب المغربي الذي يكن الاحترام والتبجيل للسادة الأشراف فنصبت شريفا وأحضرت شريفا آخر للإعتراف به.

    الأربعاء 25 شباط 2015 7:29 م

  3. Alternate textصالح الحنتيت (٢ من ٢)

    وللعلم والتوثيق فهذا ما جاء في الصفحة 84 من كتاب ((ذاكرة ملك)) الذي نشرته الشركة السعودية للأبحاث والنشر، في سياق اجابته عن سؤال : كيف تقبلتم الاطاحة بالنظام الملكي في ليبيا؟: ((... والواقع أنه عاش مأساة حقيقية. وهو مايفسر في نفس الوقت سلوكه ومزاجه، ذلك أن ابنه الوحيد قتل على يد أفراد عائلته. كما أنه بالرغم من زواجه المتكرر لم يمن الله عليه بولد آخر. وبالاضافة الى ذلك فإنه كان يقوم بتغيير وزيره الاول كل ستة او سبعة أشهر. وبإيجاز فإني لا أقول أنه قام بكل شئ للتخلي عن العرش، بل أقول إنه لم يقم بأي شئ من أجل الحفاظ عليه ... انتهى الاقتباس)). رحم الله الحسن الثاني، ولكن معلوماته التي ذكرها عن من يفترض فيه أنه ابن عمه المغدور كانت كلها خاطئة، ولم تكن لتنبع إلا من نفسية مجروحة إن لم نقل حاقدة، فالملك ادريس لم يكن له ولد على الاطلاق ولم يتزوج زيجة اضافية إلا مرة واحدة لمدة أشهر قليلة، ولم يغير وزيره الأول كل 6 أو 7 أشهر. ولا أستغرب أنه اشترط إبعاد الملك ادريس عن المعادلة وهو ينظر إليه بهذه الدرجة من السلبية.

    الأربعاء 25 شباط 2015 7:31 م

  4. Alternate textكرغلي مصراتي

    اخ صالح الملك الحسن يقصد بابنه الدي قتل على يد افراد عائلته السيد الشلحي الدي قتل الشربف السبوسي و الملك الجسن يظنه ابنه لان الملك ادريس سلم له ليبيا يبيع و يشتري فيها كما يشاء و بامكانك ان تقرا مذكرات مصطفى بن حليم و الصيد روساء وزراء ليبيا في العهد الملكي وفهلا الملك لم يقم بشيئ للحفاظ على ملكه لان الشعب كان ضده تماما و لم تنفعه قبلية برقة و الملتفين حوله

    السبت 18 نيسان 2015 12:10 م

 

أميركا تدرس فرض عقوبات اقتصادية على فنزويلا  |  بتوقيت غرينتشخادم الحرمين يهنئ السيسي بذكرى اليوم الوطني لبلاده  |  بتوقيت غرينتشعباس يجمد الاتصالات الرسمية كافة مع إسرائيل  |  بتوقيت غرينتشأستراليا ترصد سفينة تجسس صينية قرب مناورات حربية  |  بتوقيت غرينتشمانحون غربيون يجمدون دعمهم لاتفاق السلام في جنوب السودان  |  بتوقيت غرينتشأميركا تضغط على ميانمار لقطع العلاقات العسكرية مع كوريا الشمالية  |  بتوقيت غرينتشترامب يحذر إيران من «عواقب وخيمة» ما لم تفرج عن أميركيين  |  بتوقيت غرينتشوزير الدفاع الأميركي يفترض أن البغدادي على قيد الحياة  |  بتوقيت غرينتشاتفاق لوقف النار بين «تحرير الشام» و«أحرار الشام» في إدلب  |  بتوقيت غرينتشضربة أميركية تقتل بالخطأ أفراداً من الأمن الأفغاني  |  بتوقيت غرينتش