|   

الطموح في مصر يرقى إلى نافذة لا تطل على الجيران!

Print A+ a-
الأحد، ١١ تشرين الثاني ٢٠١٢ (١٥:٣٧ - بتوقيت غرينتش)
الأحد، ١١ تشرين الثاني ٢٠١٢ (١٦:٥٤ - بتوقيت غرينتش) القاهرة – أمينة خيري

تزوج ياسين (29 سنة) بعد طول انتظار. استأجر شقة في منطقة شعبية أقرب إلى العشوائية يقضم إيجارها ثلاثة أرباع دخله الشهري البالغ 700 جنيه. لكنها ليست شقة بالمعنى المعروف، فهي تتكون من غرفة نوم وصالة ملحق بها مطبخ، تسميه الطبقة الراقية «أميريكان كيتشن» وتسميه زوجة ياسين «موقد وحوض وصنبور». مشكلة ياسين الوحيدة هي أن غرفة نومه بلا نافذة!

طاقة صغيرة كفيلة بتغيير حياة ياسين وتحفزه للإقبال على الحياة. يقول: «لو لدي فقط شباك صغير هنا، لاعتبرت نفسي ملكاً. المشكلة أنني حتى لو حاولت فتح مساحة في الجدار، سأجد نفسي عند الجيران».

أن يكون حلم امتلاك نافذة هو غاية المنى لشاب قارب الثلاثين من عمره في الألفية الثالثة أمر بالغ القسوة. فالحق في السكن المنصوص عليه في مواثيق العالم لحقوق الإنسان لا يشتمل على نافذة فحسب، بل على سكن صحي يتمتع بتهوئة وإنارة طبيعيتين، وحفاظ على الخصوصية والاستقلالية، وقائمة طويلة جداً لو عرفها ياسين لاعتبرها ضرباً من الرفاهية.

مشكلة السكن في مصر، لا سيما لشريحة الشباب، ليست نتاج الأمس ولا قبله، بل هي تعود إلى سبعينات القرن الماضي، وتحديداً منذ تبنى نظام الرئيس الراحل محمد أنور السادات نظام الانفتاح الاقتصادي.

«المركز المصري لحقوق السكن» يرى، في دراسة نشرها اخيراً، أن «السياسات المتتالية منذ عصر الانفتاح انحازت لرأس المال على حساب غالبية الشعب المصري من الفقراء والطبقة المتوسطة، وهو ما أدى إلى ظهور أنماط مشوهة من السكن وتفاقمها، مثل العـــشوائيات وإســـكان العشــش والمقابر والـــكراجات والمحلات وأسفل الجسور وفوق الأسطح، وغيرها من الأنماط، التي لا يمــكن وصفها بأي حال من الأحوال بالسكن الملائم».

وبعيداً من المواثيق الدولية وشروط المساكن الصحية، تجد الغالبية العظمى من شباب مصر، لا سيما أولئك المقبلون على الزواج، نفسها في موقف بالغ الصعوبة. فالشاب يريد أن يتزوج، ولا بد من وجود شقة، لكن الشقة إما تمليك، وهو ما يعد حكراً على فئة قليلة جداً، أو إيجار. لكن نظام الإيجار الشائع حالياً يستنفد الجانب الأكبر من دخول الشباب، أو يفوقها، وهو ما يؤجل فكرة الزواج أو يلغيها برمتها. ولأولئك الذين يوفقون في الزواج في شقة بالإيجار، يظل هاجس عدم الاستقرار يطاردهم. فقد وثقت التقاليد مفهوم ضرورة امتلاك الشقة التي تسكن فيها الأسرة، وإلا ظلت مهددة بمقصلة الطرد والتشريد.

وربما يفسر ذلك تربع «الشقة» على عرش منظومة الزواج في مصر. فهي وسيلة تفاخر اكيدة للذكور: «العريس عنده شقة لوكس أي عروس تتمناها»، وطريقة اكيدة لإجراء عملية إحلال وتبديل لـ «ظل الحائط» بـ «ظل رجل»: «العروس فرصة لا تعوض، لديها شقة»؛ وأداة تأمين الابن على حساب صحة الأب وعمره الذي «راح هدراً في دفع أقساط شقة يتزوج فيها المحروس»، ومصدر معارك أسرية ومشاحنات قانونية إذا توفي الأب ليحتكم الأبناء إلى القضاء، كلٌّ طالباً حقه في الشقة، وشرط له الأولوية لدى مكاتب الزواج حيث تتفوق «المطلقة المتوسطة الجمال وتمتلك شقة» على منافستها «الآنسة الرشيقة فقط».

وتظل كثرة الأحاديث السياسية على مر العقود عن حق الشباب في السكن، مشاريع الإسكان، والقروض الميسرة، والتسهيلات الخاصة بالمقبلين على الزواج، مجرد حبر على ورق يدس في أدراج ويعاد تدويرها مع كل حملة انتخابية، لا أحد يدفع ثمنه سوى الباحثين عن عش زوجية يجمعهما حتى وإن كانت غرفة نوم بلا نافذة.

نافذة أمل صغيرة جداً تجاهد أن تفتح على عصر جديد، وهي النص صراحة على الحق في السكن «الملائم» في الدستور الجديد. عدد من الجمعيات والمنظمات الحقوقية بذلت جهوداً في هذا الشأن، ومنها المركز المصري لحقوق السكن الذي دشن حملة قبل أسابيع من أجل إدماج هذا النص، وذلك انطلاقاً من الحال التي وصل إليها السكن في مصر، ما يضعها ضمن أكبر المشكلات الاجتماعية.

 

السكن والتشرد بالأرقام

- يعيش 15,5 مليون مصري، أي ما يزيد عن ثلاثة ملايين أسرة، فى العشوائيات.

- يوجد 8.5 مليون وحدة سكنية شاغرة لم تستخدم من قبل.

- حوالى 18 في المئة من الأسر المصرية تعيش فى غرفة واحدة وتتشارك مع عائلات أخرى في دورة مياه واحدة.

- ربع مليون أسرة مصرية تمتلك ثلاث وحدات سكنية خاصة لكل منها، ومليون عائلة تمتلك وحدتين، في حين تمتلك ثمانية ملايين أسرة وحدة سكنية واحدة لكل منها، وتبقى المشكلة الحقيقية في ما يزيد على ثلاثة ملايين أسرة لا تمتلك شيئاً.

- وفق المركز المصري للحق في السكن، أدت سياسات الإسكان الرسمية السيئة المتتالية إلى تشويه السوق العقارية المصرية، فوصلت نسبة وحدات التمليك إلى 70 في المئة من حجم السوق، على رغم أن النسبة المعقولة تكون مناصفة بين التمليك والإيجار، وهو ما أدى إلى طرد الطبقة المتوسطة خارج السوق العقارية في مصر ودفع الفقراء والشريحة الدنيا لسكن العشوائيات.

Tags not available