|   

قصص الحب تتجاوز الحروب وبؤسها

Print A+ a-
الخميس، ٢٠ حزيران ٢٠١٣ (١٥:٥٨ - بتوقيت غرينتش)
الخميس، ٢٠ حزيران ٢٠١٣ (١٦:٢٠ - بتوقيت غرينتش) القاهرة - أمل الجمل

«أولئك الذين لا يستطيعون تذكر الماضي محكوم عليهم بتكراره». من تلك الجملة الشهيرة للشاعر والفيلسوف الأميركي جورج سانتيانا يبدأ هادي زكاك المخرج اللبناني أحدث أفلامه «هاني مون 58»، (وثائقي قصير2013). ثم يختتمه بلقطة رمزية نابضة بالدلالة، إذ تظهر على الشاشة سفينة في عرض البحر تتلاطمها الأمواج والعواصف العنيفة حتى تنشطر إلى نصفين في طريقها إلى الغرق.

ما بين المقدمة والنهاية يختار المخرج تاريخين محددين، أولهما يتعلق بأول حرب أهلية لبنانيّة في عام 1958 بعد الاستقلال والتي - كما يصفها زكاك - «كانت بمثابة تمرين أولي للحرب الأهلية اللاحقة والشهيرة في عام 1975» وهو التاريخ الثاني الذي يختتم به الفيلم.

ومن ثم تدور الأحداث في خطين متوازيين، بين واقعين وعالمين متناقضين أشد التناقض، بين واقع وعالم الحرب الذي عاشه لبنان بكل ما اكتنفه من اضطرابات واندلاع مظاهرات الطلاب والصدام مع البوليس بعد إذاعة أخبار عن انضمام العراق إلى حلف باكستان وتركيا، ومن صراعات وتدخلات أجنبية وعربية، مروراً بزيارة الملك ابن سعود بيروت لمناقشة التوتر بين سورية وتركيا، واستعانة الرئيس كميل شمعون بالقوات الأميركية عقب حركة الاغتيالات لملك العراق وبعض المسؤولين هناك، ثم دعوته لوحدة الصف اللبناني مسلمين ومسيحيين لإنقاذ أجيال المستقبل فلا يوقف ذلك تتأجج نيران الحرب الأهلية، وبين واقع وعالم ملكة جمال التانغو منى زكاك - والدة المخرج - التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها آنذاك، والتي تستعيد قصة حبها الكبير الذي بقي راسخاً صامداً متجاوزاً الحروب والأزمات خلال تلك الحقبة.

وهكذا تأخذنا معها لنعايش حكاية ارتباطها بزوجها الذي كان يرأسها في العمل، ثم الوقوع في غرامه مروراً بخطبتهما ومراسم زفافهما ورحلتهما في شهر العسل الذي قضياه في إيطاليا في عام 58، ثم زيارتهما لإيطاليا للمرة الثانية عام 1975.

 

كائن خرافيّ

ينهض العمل بأكمله على المادة الوثائقية. ويمزج بين الأرشيف العام والخاص. العام الذي يتعلق بالشأن اللبناني مستمداً من الأرشيف السينمائي الإيطالي، والعائلي الذي يتنوع ما بين مخطوطات وصور شخصية وأشرطة سينمائيّة 8 ملم، حيث إن زكاك أقام بناءه الفني مستنداً إلى جزء من مذكرات والدته غير المنشورة المعنونة بـ «لاسيفلد» - كائن خرافي يسكن السماء- والتي كتبتها بعد وفاة زوجها سنة 2005 واستندت فيها إلى كل ما كانت تدوّنه عبر السنين.

يستخدم الفيلم التعليق الصوتي بطريقة سينمائية بعيدة كل البعد عن الشكل التلفزيوني، وذلك من خلال إعادة تسجيل المذكرات التي كتبتها الأم بصوت الممثلة اللبنانية كريستين شويري والذي تمت معالجته لكي يتناسب مع الفترة الزمنيّة وصوت بطلة القصّة، وذلك إلى جانب صوت المذيع في نشرات الأخبار.

يلعب المونتاج دور البطولة في هذا الوثائقي، وذلك من خلال التوازي والتناقض الذي نجح زكاك في استخدامهما بدقة ومهارة منحت الفيلم أسلوباً فنياً موسوماً بالكوميديا السوداء. ومن خلاله عمل المخرج على توظيف الخاص والشخصي والحميمي من أجل أن ينتقد الشأن العام والواقع السياسي المتدهور في بلاده، وأن ينتصر للحب والحياة. فهنا تبدو قصة الحب البسيطة والشخصيّة أهم من الإطار السياسي والتاريخي الذي يدعونا لإعادة قراءته لئلا نُعيد ارتكاب أخطائه وجرائمه. إنه يُؤكد من دون شعارات كيف أن الحياة والمشاعر هي أقوى من أي شيء، فيما التاريخ لا يتوقف عن إعادة نفسه في بلادنا. وأن الناس العاديين قادرون على الاحتفاء بالحياة وسط الخوف والموت والخراب.

كل ذلك يتم من خلال المراوحة بين اللقطات المتناقضة بسهولة ويسر وذكاء، فطوال الفيلم يتأرجح المخرج بين مشاهد الاحتفال بالحب ومراسم العرس ثم زيارات الأماكن الجميلة في إيطاليا، وبين مشاهد الحرب والدمار الذي خلفته المعارك على البيوت والممتلكات والأرواح بلبنان. بين عالم الموسيقى والرقص في حفلات تُضيئها البهجة التي تُسكر الناس، وبين طلقات الرصاص ودوي المدافع وزحف الدبابات، وتحليق الطائرات، وهبوط أسطول قوات المارينز على الشواطئ اللبنانية.

الفيلم من إنتاج إيطالي لبناني مشترك بين «لوتشي سيني شيتا» ومهرجان «أزياتيكا فيلميديال» في إيطاليا و»زاك فيلمز» لبنان. إنه عمل أشبه بقصة قصيرة بالغة التكثيف، كالطلقة تُدوي عالياً. وعلى رغم أهمية الفيلم وقوة دلالته يمكن الإشارة إلى انه كان من الممكن أن يتم تناول موضوعه في عمل تسجيلي طويل أكثر عمقاً لأن تلك الفترة خصبة وشديدة الثراء، إلى جانب أنها كانت مليئة بالنزاعات والانقسامات وتشابك المصالح والعلاقات.

فهناك تواصل الرئيس كميل شمعون مع الغرب، وعلاقته بحلف بغداد، والرئيس المصري جمال عبد الناصر، وعلاقته بشعبه والمسؤولين الآخرين من حوله خصوصاً قادة الجيش. ولافت هنا على اية حال ان زكاك يُؤكد أنه يمتلك مخزوناً ليجعل الفيلم أطول في المستقبل، ولكن هذا الأمر يحتاج إلى برنامج وخطة إنتاجيّة مختلفة، لأنه في «هاني مون 58» كان محكوماً بشروط إنتاجية تُجبره ألاَّ يتجاوز 15 دقيقة لأن الأرشيف ثمنه باهظ جداً في الدقيقة الواحدة، وهو لم يرغب في أن يُضيع تلك الفرصة التي بدأت من إيطاليا عندما تمّ اختياره ضمن ثلاثة مخرجين من آسيا - ثانيهما هندي والآخر صيني - لاستخدام أرشيف مؤسسة لوشي سيني شيتا العريقة من أجل ابتكار ثلاثة أفلام قصيرة مختلفة حول بلدانهم. كانت تجربة يصفها صاحب الفيلم بالرائعة فقد أتاحت له الإطلاع على هذا الأرشيف القيّم والثمين جداً خصوصاً أن الأرشيف اللبناني الوطني في الخمسينات شبه مفقود.

 

من أجواء الفيلم

Tags not available