|   

فهمي لـ«الحياة»: العلاقات المصرية - الأميركية مضطربة

Print A+ a-
الإثنين، ٢٣ أيلول ٢٠١٣ (١٧:٢٦ - بتوقيت غرينتش)
الإثنين، ٢٣ أيلول ٢٠١٣ (١٩:٢٠ - بتوقيت غرينتش) نيويورك - راغدة درغام

وصف وزير الخارجية المصري نبيل فهمي العلاقات المصرية - الأميركية بأنها «مضطربة»، مؤكداً أن توجه الرأي العام المصري حيال الولايات المتحدة «يميل نحو السلبية أكثر من أي وقت مضى». وأكد أن أية مساعدات خارجية «لن تؤثر في هوية الدولة المصرية»، مشيراً إلى أنه أبلغ نظيره الأميركي جون كيري بأن «القرار المصري لن يتأثر بقرار المساعدات الأميركية».

وقال فهمي في مقابلة مع «الحياة» على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إن «الدعوة وجهت إلى «الإخوان المسلمين» للانضمام إلى الحكومة» وإن «لهم حزباً ولهم حق الممارسة السلمية وإبداء الرأي»، مشيراً إلى ضرورة التمييز عند الحديث عن «الإخوان» بين «الجماعة والجمعية والحزب».

وفي حين أكد تعرض القيادة المصرية إلى «ضغط شعبي داخلي كبير لقطع العلاقات مع تركيا»، أشاد فهمي بمستوى العلاقة المصرية - السعودية، معتبراً أنها «اليوم في أفضل حالاتها». وقال إن «الأمن القومي السعودي مرتبط في شكل مباشر بالأمن القومي المصري، والعكس صحيح». وشدد على ارتباط الأمن القومي في الخليج العربي بالأمن القومي المصري «وهذا لا يعني استعداء الغير، ولكن عندما أتحدث مع إيران يكون الوضع في الخليج على رأس الأولويات».

ورأى أن الحل السياسي للأزمة السورية «لن يكون قريباًَ لأنه يتطلب صفقة كبرى بمشاركة أطراف عدة»، مبدياً تخوفه من تقسيم سورية على أساس طائفي «وإعادة تقسيم الشرق الأوسط على غرار اتفاقية سايكس - بيكو». وهنا نص المقابلة:

> لنبدأ بالعلاقة مع الولايات المتحدة التي تبدو متوترة أو متراجعة، ويبدو أن هناك شبه توجه على الأقل لدى جزء من الرأي العام المصري نحو بديل قد يكون روسياً. هل هذا وارد؟

- الحقيقة أنا أفضل استخدام تعبير مضطربة، وليس متوترة. مضطربة، لأنه حصلت ثورتان في مصر في عامين ونصف العام، وكان هناك لبس في شأن حقيقة الدور الأميركي وموقف (الولايات المتحدة) تجاه الرئيس الأسبق حسني مبارك في أول الأمر، أي في الثورة الأولى، ثم تجاه «الإخوان» في الثورة الثانية. ولا شك في أن التوجه العام لدى الرأي العام المصري تجاه الولايات المتحدة يميل إلى السلبية بدرجات أكثر كثيراً جداً مما كان في أي فترة ماضية.

في المقابل، في الساحة الأميركية، ونتيجة لأسلوب التغيير الذي تم في مصر مرتين خلال هذه الفترة، وهو أسلوب استثنائي، بمعنى أنه صحوة وثورة شعبية وتدخل الجيش في تغيير الرئيس مرتين، فهذا في حد ذاته طرح تساؤلات عدة عن كيفية تعاون الولايات المتحدة مع السلطة في مصر، فضلاً عن تساؤلات عن التوجه الجديد للسلطة. لذلك، هناك اضطراب في العلاقة، بعضهم يدعو هنا أو هناك، في مصر والولايات المتحدة، إلى التغيير. المواطن المصري العادي يدعو إلى استبدال الاعتماد على الولايات المتحدة بدول أخرى، وأسهل مثال لذلك هو روسيا، إنما الدعوة الحقيقية هي تنوع الخيارات، وليس استبدالها. مسألة استبدال دولة بدولة في هذا العصر كلام غير منطقي وغير فعال، وغير مرغوب فيه.

> لماذا كانت زيارة موسكو من أوائل زياراتك الخارجية؟

- أول مؤتمر صحافي عقدته عقب تولي المسؤولية ذكرت أنني سأحافظ على حرية القرار المصري بتنوع الخيارات، وأوسع علاقاتي مع دول عدة ليست بديلاً عما هو قائم، إنما دعماً للقرار المصري، ومع إبراز أهمية العلاقات الاستراتيجية الخاصة بمصر، خصوصاً مع دول الجوار. توجهت إلى السودان أولاً، ثم إلى رام الله، ثم كانت أول زيارة خارج الإطار الإقليمي إلى موسكو. في الحقيقة، طلبت زيارة عدد من الدول وروسيا ردت سريعاً بموعد يناسب الطرفين، وهي رسالة مهمة، إنما ليست رسالة تحول تاريخي. معنى الرسالة المهمة هو أننا نريد استعادة علاقات أو ارتفاع مستوى العلاقات المصرية – الروسية. هذا صحيح، ومن دون أدنى شك أو خجل. إنما المسألة ليست أننا سنذهب شرقاً على حساب الغرب، أو جنوباً على حساب الشمال.

> هل اتفقتم مع روسيا على أية ترتيبات تخص علاقات أو اتفاقات اقتصادية أو عسكرية؟

- كلا الطرفين يتحرك ببطء. الدب الروسي يتحرك ببطء والدولة المصرية بخلفية سبعة آلاف سنة تتحرك ببطء، إنما ما أستطيع أن أقوله بكل وضوح إننا اتفقنا على تطوير العلاقات في مختلف المجالات، بمعنى لم يكن هناك مجال رُفض فيه طلب. لا يوجد أي مجال: سياسياً يتم التشاور، اقتصادياً تبحث مشروعات إضافية، التعاون الأمني سنستمر به، التعاون العسكري سنستمر به، كل هذه المجالات سنطورها. كلها.

> إذاً، أنتم تعملون على سكتين متوازيتين، السكة الأميركية والسكة الروسية في التعاون الأمني، أم إن هناك تنسيقاً بين الاثنين؟

- لا، أنا أعمل على ١٩٢ سكة.

> لنحصرها في سكتين الآن.

- هما سكتان، ولكن فلسفتي أنني عاقد العزم على تنويع الخيارات المصرية وعدم الاعتماد على أي طرف.

> العلاقة مع دولة صغيرة تختلف عن العلاقة مع الولايات المتحدة وروسيا، لنركز قليلاً على هذا.

- إنما ستكون هناك علاقات في المجال العسكري على سبيل المثال مع الولايات المتحدة ومع عدد من الدول الأوروبية الغربية أيضاً، وكذلك مع روسيا.

> لنتوقف قليلاً عند علاقتكم مع بريطانيا. عندما كنت في باريس وأردت أن تزور لندن لم يوافقوا على الزيارة. هل تدهورت العلاقة مع بريطانيا إلى هذه الدرجة؟ ما رأيك في عدم موافقتهم على استقبالك؟

- هذا غير صحيح، ما ذكرته منذ لحظة أنني طلبت زيارة عدد من الدول وفقاً للبرنامج الذي يناسبني أنا، أو الطرف الآخر. التفكير في زيارة لبريطانيا لم يكن في أيلول (سبتمبر) على الإطلاق، كان بعد تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.

> العلاقة ليست جيدة بين مصر وبريطانيا.

- إنما لا علاقة لها بزيارة رفضت. لم أطلب زيارة.

> كنتم في باريس. بين باريس ولندن مسافة قصيرة.

- المسافة إلى بروكسيل أو إلى روما قصيرة أيضاً. لم أطلب زيارة لندن في ذلك التوقيت. الفكرة في زيارة لندن كانت في نهاية الخريف أو بداية الشتاء.

> والعلاقة؟

- العلاقة حصل فيها بعض اللبس صراحة، نتيجة لمواقف اتخذها الجانب البريطاني في تنظيم عدد من الاجتماعات، إنما هذا اللبس تم تصحيحه من خلال مشاورات مباشرة بيني وبين وزير الخارجية البريطاني الأسبوع الماضي.

> على ماذا اتفقتما؟ كيف تم التصحيح؟

- تم إغلاق هذه الصفحة.

> لنتحدث قليلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو مراجعة المعونات الاقتصادية الأميركية لمصر. نعرف طبعاً أن الولايات المتحدة اتخذت إجراءات وجمدت تسليم أربع طائرات من طراز «إف 16» وألغت مناورات «النجم الساطع»، ويقال إن الأميركيين يعيدون درس برنامج المساعدات لمصر. أين وصل هذا الملف؟ هل اتفقت على أي شيء مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أم إن الأمور عالقة؟

- هناك أمران. أولاً، بالنسبة إلى مراجعة برنامج المساعدات، نحن نقوم في مصر بمراجعة المساعدات مع دول العالم كافة. وبالنسبة إلى هذا الملف بالتحديد، الأميركي، ما أشرت إليه ليس تجميداً إنما تأجيل. لكن سؤالك في محله، هم يقومون الآن في البيت الأبيض بالتحديد بدراسة كيفية التعامل مع مصر في المرحلة المقبلة في ضوء التطورات التي تحدث في الساحة المصرية. هناك روايات عدة عما ستنتهي إليه قراراتهم، إنما حتى الآن لم نبلّغ بأي شيء.

عندما التقيت بوزير الخارجية الأميركي في باريس، وألتقي به اليوم (الأحد) مرة أخرى، تحدثنا عن العلاقات بصفة عامة. لم ندخل في تفاصيل المساعدات بالتحديد وأوضح الجانبان أن العلاقة الثنائية مهمة للطرف الآخر، وأن علينا في ضوء المتغيرات أن نجد وسيلة أكثر كفاءة وفعالية للتعاون مع الوضع الحالي الذي يشهد كما ذكرنا اضطراباً مع التغيرات، وأوضحت أيضاً أن القرار السياسي المصري لن يتأثر بقرار المساعدات من الجانب الأميركي.

> عذراً. لكن مصر في حاجة إلى مساعدات وعلاقات مع دول كبرى، ووضعكم الاقتصادي فعلاً منهك.

- الوضع الاقتصادي صعب بلا شك، إنما في العلاقات الاقتصادية المصرية - الأميركية المعونة الاقتصادية هي 250 مليون دولار ولا تتجاوز ذلك. 250 مليون دولار ليس مبلغاً يحسب في المنظومة الاقتصادية المصرية على الإطلاق، هذا أول شيء. مجمل المساعدات الأميركية لمصر بشقيها هو شيء مفيد لمصر بلا شك، إنما القرار المصري السيادي على المحك في مرحلة نمرّ بها. إذا كنا نتكلم عن مرحلة عادية يمكن أن نقول إننا محتاجون إلى هذا المبلغ، إنما عندما نتكلم عن هوية الدولة، فلا يوجد مبلغ من الخارج يؤثر في هذا القرار.

> لنتطرق إلى مثال معين عما أحاول أن أذكره. أنتم اتخذتم موقفاً ضد مبدأ الضربة العسكرية الأميركية على سورية. حسناً، هذا بالتأكيد يؤثر في العلاقة مع الولايات المتحدة، ولكن أيضاً، كيف أثر ذلك في العلاقة مع السعودية التي لم تكن ضد الضربة العسكرية على سورية، بل كانت جاهزة لتكون طرفاً فيها؟ هنا بالطبع، أتحدث عن أموال ضخمة تضخّها المملكة الآن في مصر.

- حقيقة هذا سؤال ممتاز، وهو في حد ذاته إجابة على السؤال. العلاقات بين الدول ليست فقط مساعدات. لها جوانب كثيرة جداً وعلاقات مرتبطة بتاريخ ومرتبطة بأحداث تفرض اتخاذ إجراءات معينة، مرتبطة بنظرة استراتيجية إلى المستقبل. هذا ينطبق على ما يتعلق بمصر وأميركا، ومصر والسعودية بلا شك، على رغم الفارق الكبير بين العلاقتين.

> ما هو هذا الفارق؟

- الفارق كبير جداً. العلاقة المصرية - السعودية علاقة هوية، مهما اتفقنا أو اختلفنا في جزء منها هي علاقة هوية، لكن العلاقة المصرية - الأميركية هي علاقة مصالح، مهما عملنا فهي ليست علاقة هوية. الأمن القومي السعودي مرتبط في شكل مباشر بالأمن القومي المصري، والعكس صحيح. إذا اتفقنا أو اختلفنا، فإن الأمن القومي في البلدين مرتبط والعلاقات المصرية - السعودية اليوم في أفضل حالاتها، على رغم أننا كما ذكرتِ اتخذنا موقفاً معارضاً لاستخدام القوة، في حين أن موقف السعودية كان مؤيداً لذلك.

الشيء نفسه مع الولايات المتحدة، بكل صراحة، نتفق معهم، بمعنى أننا نشكرهم على أية مساعدات، إنما القرار المصري لم يشتر ولن يشترى. أمر أخير مهم، مصر دولة متوسطة الحجم لها نفوذ واسع في الشرق الأوسط، تحاول أن تلعب دوراً دولياً، حليفنا الوحيد في حماية أمننا القومي هو منظومة دولية في القانون الدولي. إذاً، عندما أتخذ قراراً اليوم، لا بد من أن أجري حساب ما تم في الماضي وما قد يتم في المستقبل. ما يؤمنني أن يكون هناك منظومة دولية لها قواعد ثابتة، بينها عدم استخدام القوة إلا وفقاً لإجراءات وأساليب معينة. في المنظومة الدولية، هذا يجب أن يكون وفقاً لمعايير وإجراءات معينة. قد يكون من معي اليوم، ليس معي في الغد.

> هل ترى أن العلاقة بين مصر وقطر تهدد الأمن القومي المصري؟

- لا، لا أرى ذلك.

> العلاقة متوترة لدرجة أنكم تتهمون قطر وقناة «الجزيرة مباشر مصر» بأنها تتدخل من وجهة نظر كثيرين عندكم في شؤونكم، كما أنكم أعدتم بليوني دولار إلى قطر. ما هي المشكلة إذاً؟

- أنت من تقولين السؤال وتغيرينه. تسألينني عما إذا كانت العلاقة مع قطر فيها تهديد للأمن القومي. مرة أخرى أضيف لك أن العلاقة بيننا وبين قطر علاقة هوية. ثانياً، بالفعل، هناك خلفية للاضطراب الموجود بيننا وبين قطر. الجانب القطري يقول إن هذه الخلفية مبنية على سوء فهم، وإنهم لم يكونوا مؤيدين لـ «الإخوان»، إنما كانوا يؤيدون مصر اعتباراً من المجلس العسكري حتى الآن.

> ماذا قالوا لكم حتى الآن في هذا الإطار، رسمياً؟

- وزير الخارجية (القطري) الشيخ خالد (العطية) ذكر لي أنه ليس صحيحاً أنهم يؤيدون «الإخوان». وقال نحن أيدنا المجلس العسكري، مروراً بـ «الإخوان». مع هذا هناك سحابة، وهذه السحابة لم تنتفِ. إذاً، كيف نتعامل مع هذه السحابة؟ نتعامل معها بالأفعال. علاقاتي مع الشيخ خالد علاقات مباشرة، نتحدث كثيراً، وأتمنى أن نشهد علاقات طيبة. أضيف إلى هذا أن كلامك سليم، «الجزيرة» ليست السبب الوحيد، لكنها من أكثر الأسباب لسوء العلاقة أو لتوتر العلاقة بين مصر وقطر. ما تنشره الجزيرة حقيقة شيء يخرج عن الإطار المهني بالكامل. العملية ليست خطأ مهنياً أو توازناً مهنياً، هذه تجاوزات، والانطباع العام أن الجزيرة تعكس الموقف القطري أو أن الحكومة القطرية تستطيع التأثير فيها لتكون أكثر مهنية ووضوحاً في موقفها. إنما مرة أخرى هناك سحابة، لكن هناك هوية مشتركة ونأمل بأن تكون العلاقة بيننا طيبة.

> دعني أمر على علاقة مع دولتين مهمتين في المنطقة هما تركيا وإيران. يبدو أن هناك استياءً من رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، وبعضهم يعتقد أنه تدخل في شؤونكم. أين هي العلاقة مع تركيا الآن؟

- ليست هناك علاقة مع أردوغان إطلاقاً. الشعب المصري لفظ موقف أردوغان.

> بمعنى؟

- لفظ بمعنى رفض. هذه كلمة أشد من رفض. لماذا؟ لأن أردوغان اتخذ موقفاً ليس ضد الحكومة المصرية، إنما ضد صوت الشعب. الشعب قرر أنه لم يعد يقبل برئيسه وقرر إزالة رئيسه للمرة الثانية في سنتين ونصف السنة. أردوغان قرر أنه ليس من حق الشعب أن يفعل هذا. ثم تجاوز في تصريحات شملت شيخ الأزهر. العملية تعدت أنه ينتقد سياسة معينة، وهذا الشيء جعل هناك ضغطاً مجتمعياً شديداً، فقطعنا العلاقات مع تركيا.

> قطعتم العلاقات أم استدعيتم السفير فقط؟

- كان ولا يزال هناك ضغط شعبي شديد لقطع العلاقات مع تركيا. نحن لم نفعل ذلك حتى الآن. سحبنا السفير، وأوقفنا التعاون البحري مع تركيا ورفضنا زيادة عدد أعضاء السفارة التركية في مصر نتيجة لما تابعناه من سياسات تركية تمس السيادة المصرية. ونتابع الموقف وننتظر.

> هل ستتخذون إجراءات أخرى، وهي رهن ماذا؟

- لكل فعل رد فعل.

> تبدو إيران في حالة جيدة جداً وهي تسير في استراتيجية استقطاب المودة. كيف العلاقة الآن بين مصر وإيران؟

- العلاقة الآن على مستوى رؤساء المكاتب في البلدين. لا يوجد سفراء، وإنما رؤساء مكاتب بخبرة وتجربة عالية. نحن كحكومة ثورة معنية باستعادة الدور المصري في الشرق الأوسط وأفريقيا وخارجها من منطلق ومنظور المصلحة القومية المصرية وبعيداً من الأيديولوجية، مهتمون بالتحاور مع الكل، ولهذه الأسباب قررت على سبيل المثال إنشاء وظيفة مساعد وزير الخارجية لشؤون دول الجوار.

إنما هناك فارق بين التحاور والتصالح. التصالح يحتاج مواقف. الحكومة الإيرانية الجديدة أعطت بعض الرسائل الإيجابية وانطباعاً طيباً، إنما لا بد من أن نشهد خطوات عملية محددة، وعندما أتحدث عن الأمن القومي المصري أعني بذلك ليس فقط الحدود المصرية، إنما العلاقات الاستراتيجية وعلاقات الهوية التي أشير إليها مراراً. إذاً، الأمن القومي في الخليج مرتبط بالأمن القومي المصري. لا يعني هذا استعداء الغير، عندما أتحدث مع إيران يكون الوضع في الخليج على رأس أولويات الحديث.

> يبدو، على الأقل كانطباع، أن المسألة السورية أدت إلى نوع من انتصار المحور الذي يضم روسيا والصين وإيران والحكومة السورية و «حزب الله». هل هذا في رأيك فشل للديبلوماسية الخليجية؟ هل هذا الانتصار دائم؟ هل نحن بصدد صنع الصفقة الكبرى؟ ماذا لديك؟ أنت اجتمعت في باريس مع كثير من الفاعلين. ماذا تعرف؟

- أولاً، عندما تضطر دولة إلى التنازل عن منظومة أسلحة بالكامل فمن الصعب أن نفسر ذلك على أنه انتصار. الحقيقة أنه انتصار غريب، خصوصاً أنهم لم يحصلوا على شيء في مقابله. الشيء الوحيد الذي حصلوا عليه هو عدم ضربهم. أن نوصل هذا إلى انتصار فهذا شيء مبالغ فيه.

> أليس البقاء في السلطة بحد ذاته انتصاراً؟

- هذا الموضوع لم ننته منه بعد، إنما اعتبر هذا إنجازاً طيباً للديبلوماسية الروسية. البقاء في السلطة من عدمه مرتبط بمؤتمر «جنيف - 2» وليس بضرب أو استخدام أسلحة كيماوية من طرف أو آخر. المعضلة في سورية أن عدد الأطراف غير السورية التي تحارب أكبر من عدد الأطراف السورية. القضية أصبحت قضية جيوبوليتكية تتجاوز ثورة سورية ونظام سورية. لذلك، فإن انهيار الدولة السورية، إذا وصلنا إلى هذه الدرجة من المأساة، سيكون له تأثير في المشرق وخارج المشرق في الخليج وقد يمتد حتى إلى المصالح المصرية. أخطر ما يزعجني هو أن ينتهي الحل أو التقسيم على أساس طائفي، هذا معناه إعادة تقسيم الشرق الأوسط على غرار سايكس - بيكو الأولى.

> إذا اعتبرنا التسوية المتعلقة بالموضوع الكيماوي الصفقة الصغرى، فهل نحن متجهون فعلاً نحو تفاهمات إقليمية قد تكون على حساب الطرف العربي وقد تكون بمشاركته؟

- لا أرى حلاً سريعاً للوضع في سورية. لا أرى انعقاداً سريعاً لمؤتمر جنيف أو التوصل إلى حلول خلال أسابيع، فالصراع السياسي سيمتد شهوراً، إن لم يكن سنة أو غير ذلك لأنه يدخل في اعتباره عناصر كثيرة. لا أرى حلاً من دون صفقة كبرى، لذا هذا سيأخذ وقتاً.

> كم من الوقت؟

- لا أستطيع التكهن، إنما لن يكون هناك حل من الآن حتى السنة الجديدة. هذا الخريف لن نشهد حلاً سورياً. لماذا؟ لأنه يحتاج صفقة كبرى، والصفقة الكبرى تحتاج توازنات عدة وفيها أطراف كثيرة. يجب أن يكون الطرف العربي فيها. غيابه عنها سيعني أنها ستتم على حسابه. ويجب أن يحدد بوضوح مصالحه وأهدافه، آخذاً في الاعتبار ما هو ممكن وليس فقط ما نأمل فيه، إنما الأسابيع الماضية عكست أن الأطراف الدولية فضلت أولوياتها على أولويات الدول الإقليمية.

> أين هي الأمور الآن في العلاقة مع «حماس»؟

- هناك شوائب كثيرة جداً لعلاقة «حماس» بالنظام القديم وعلاقة «حماس» أو أطراف فلسطينية إسلامية أخرى بالعمل الإرهابي داخل سيناء. نحن لا نقبل خنق المواطن الفلسطيني وتعذيبه في غزة، إنما سأتمسك بكل قوة وبكل شدة بفرض السيادة والقانون في كل سيناء، وبالتحديد عند المداخل الحدودية حتى يكون واضحاً من هو طرف فاعل ومن هو ليس طرفاً فاعلاً. بلا شك هناك توتر حالياً.

إذا أثبتت «حماس» بالأفعال، وليس بالأقوال - وللأسف هناك مؤشرات كثيرة سلبية - إذا أثبتت بالأفعال (حسن نواياها) فإنها ستجد طرفاً مصرياً يضع الانتماء الفلسطيني في المقام الأول ويحمي الطرف الفلسطيني. إذا شعرنا بأن هناك أطرافاً في «حماس» أو أطرافاً أخرى تحاول المساس بالأمن القومي المصري، فسيكون ردنا قاسياً، وبكل صراحة لن نقبل المساس بالأمن القومي المصري أو بالسيادة المصرية.

> هل معبر رفح مغلق تماماً الآن؟

- مقفول خلال الأيام الحالية، لكن ليس هناك قرار سيادي بوقفه إلى ما لا نهاية.

> هل هذا من ضمن الخيارات التي لديكم التي أشرت إليها بأنها رد قاس؟

- خيارات عسكرية أمنية، وليس خيارات تنتهي إلى معاناة للمواطن الفلسطيني.

> لنعد إلى الوضع الداخلي. هل أصبحتم حكماً أمنياً بينما كنتم ثورة تغيير؟ يقال إنكم أصبحتم إقصائيين وحكماً أمنياً وليس لديكم خريطة طريق للتعايش، وتريدون إلغاء «الإخوان» أو التظاهر بأنهم غير موجودين على الأرض.

- خريطة الطريق المطروحة هي خريطة طريق بناء المؤسسات الديموقراطية، بمعنى وضع الدستور، ثم انتخابات برلمانية، فانتخابات رئاسية وتسليم الحكومة بعد ذلك إلى شخصيات منتخبة. هذه هي خريطة الطريق إلى المنظومة الديموقراطية المصرية المتكاملة، وهي تحتاج وقتاً وممارسة. في المناخ الحالي، نتيجة ما نشهده من إرهاب وعنف واستقطاب في الشارع المصري، هناك طرف يشعر بأنه مع كل أخطائه لم يعط فرصة كافية وهو الطرف الإسلامي، وطرف آخر يشعر وأنا منهم بأن الطرف الإسلامي رفض أن يشملنا كمصريين في مرحلة توليه السلطة وهذا ما أفقده الصدقية وحق الممارسة، وليس عدم كفاءته.

عدم الكفاءة كان يمكننا أن ننتظر عليه، إنما لأنه لفظ المواطن المصري غير الإسلامي، وأصبح ليس من حقه بعد ثورة أن يمثلني. نتيجة لذلك نحن نسعى إلى بناء دولة مدنية تشمل الجميع. إنما أن نشهد محاولة اغتيال وزير الداخلية وحرق كنائس ومساجد ومستشفيات فهو من دون شك يؤثر في المواطن العادي. وكثير من التيارات الليبرالية الآن التي كانت تدافع دائماً عن الحريات يدعو إلى إقصاء «الإخوان».

> أيضا التيارات الليبرالية تقول إنكم تفرطون في استخدام القوة وفي الإقصاء وإن الرد على الإقصاء كان بالإقصاء؟

- حتى التيارات الليبرالية التي تدعو إلى الديمقراطية أصبح بعضها يدعو إلى الإقصاء، وهذا خطأ. وهناك تيارات ليبرالية أخرى ومعها تيارات إسلامية تقول إن المؤسسة الحكومية تحاول فرض الأمن. نحن بالفعل نحاول فرض الأمن بالمعنى الأمني العسكري وليس بالمعنى السياسي، ولجنة الخمسين أكبر دليل على ذلك.

> هل ستقومون بحل «الإخوان»؟

- هناك مجموعة أشياء. أولاً «الإخوان» مصطلح دارج صحافياً واستخدامه غير سليم، هناك الجماعة والجمعية والحزب.

> هل ستقومون بحل الجماعة أو الجمعية أو الحزب، أو الثلاثة معاً؟

- الجماعة حُلت أيام عبدالناصر، الجماعة أصلاً من الخمسينات محسومة. الجمعية لها رخصة من وزارة التأمينات تفرض عليها ممارسات معينة وتفرض عليها شفافية في التمويل. إذا لم تلتزم بذلك مثل سواها فستلغى الرخصة، مثلها مثل غيرها بالضبط. وليست هناك علاقة بينها وبين الحزب، وهذا الشيء في النهاية إذا اتخذ فسيتخذ في إطار القانون، ألا وهو قانون الجمعيات. (صدر أمس قرار قضائي بحل الجمعية. راجع ص 8)

> كيف ستصبح مصر مستقرة بأن يُعاد «الإخوان» تحت الأرض؟

- ولم يعودون؟ إذا كان لهم حزب ولهم حق الممارسة السلمية وإبداء الرأي، وتمت دعوتهم إلى الانضمام إلى الحكومة.

> ماذا ستفعلون بالمساجين الموجودين من قيادات «الإخوان»، هل سيمكثون في السجون وإلى متى؟

- كل اعتقال تم بأمر من النيابة مباشرة. كلهم أمام محاكم عادية وليس محاكم عسكرية. في القضاء العادي بعد التحقق من المعلومات إما أن يفرج عنهم النائب العام أو يحولهم إلى المحكمة. للتوضيح، إذا أخذنا العامين الماضيين فسنجد أن الغالبية العظمى ممن اتهموا من المسؤولين في عهد مبارك صدرت بحقها أحكام، وبعد هذا برأت المحاكم نفسها الغالبية العظمى منهم.

 

 

Tags not available