|   

التشاؤم عنوان المرحلة في لبنان

Print A+ a-
الثلاثاء، ٠٧ كانون الثاني ٢٠١٤ (١٧:٥٦ - بتوقيت غرينتش)
الثلاثاء، ٠٧ كانون الثاني ٢٠١٤ (١٩:٢٠ - بتوقيت غرينتش) رندة تقي الدين

من الطبيعي بعد التفجيرات التي هزت الضاحية الجنوبية والاغتيال الوحشي الذي استهدف الوزير السابق الشهيد محمد شطح والذي أودى بحياة الشاب محمد الشعار، أن تكون أجواء لبنان يسودها الخوف والقلق من المجهول الآتي. فمن يأتي من الخارج يلاحظ أن الناس متعطشون لخبر ما يطمئنهم بأن الدول الكبرى لا تريد الحرب في لبنان وتريد تحييده عما يجري في سورية. إلا أن واقع الحال أن لبنان دخل بوابة العنف منذ أن دخل «حزب الله» مستنقع الصراع السوري، ففتحت أبواب البلد على كل أنواع الإرهاب الكارثي الذي يضرب الأبرياء أينما كانوا. إن السياسة في لبنان معطلة والبلد يتمزق لعمق انقساماته وكراهية كل طرف للآخر. من زار بيروت في فترة الأعياد السابقة يرى كيف أفرغت العاصمة هذه السنة من السير الخانق الذي كان رغم استياء الناس منه يطمئن بعض الشيء للحياة الطبيعية. أما الآن والتشنج هو السيد في السياسة اللبنانية والتدهور الأمني يقلق ويخيف شعباً متعطشاً لحياة آمنة وطبيعية فهناك طلاق عميق بين الطبقة السياسية بأسرها والمجتمع اللبناني الذي سئم من الخلافات وتراشق الاتهامات والفساد بين سياسيين لم يعد أحد يأمل شيئاً منهم. فكثيراً ما يسأل اللبناني ماذا يدور بين الدول الكبرى بالنسبة إلى لبنان، لأن الشعور السائد أن لا أحد يبالي بما يجري فيه. والدليل الأكبر أن الناس فقدوا الأمل من فائدة التظاهر والنزول إلى الشارع، فتشييع الشهيد محمد شطح لم يشهد الحشود الكبيرة لشعب ثائر مثلما كان الحال بعد اغتيالات شهداء لبنان في ٢٠٠٥. علماً أن شطح كان محبوباً جداً ويحظى باحترام وتقدير عدد كبير من اللبنانيين لاعتداله وشخصيته اللدودة والقريبة ولأفكاره المميزة، وعلى رغم ذلك، فتشييعه لم يكن بقدر كل صفاته. ربما لأسباب أمنية، ولكن أيضاً لأن الشعب اللبناني بدأ يعتاد الكوارث والاغتيالات الأليمة ولأنه كثيراً ما أصبح يقول لنفسه إن لا فائدة من النزول إلى الشارع والتظاهر.

إن الوضع في لبنان اليوم كئيب. الفنادق فارغة والمحلات التجارية تعاني من قلة الزبائن، وأي تنبيه من سفارة أجنبية لرعاياها ينشر الذعر. فنصيحة السفارة الأميركية لرعاياها الذين لم يغادروا البلد بعد أن يتجنبوا زيارة المتاجر الكبرى وبعض الأماكن التي رأت فيها احتمال وقوع عمليات إرهابية زادت تخوف اللبنانيين من المجهول، فالبلد مكشوف على كل الاحتمالات طالما بقي الوضع السوري كما هو، وطالما «حزب الله» مقتنع مثلما صرح منذ فترة، أن معركته في سورية هي معركة وجود. فكان الحزب حركة مقاومة ضد إسرائيل والآن إسرائيل مرتاحة لغرقه في المستنقع السوري. ولكن لبنان وشعبه الذي لا يطلب إلا العيش في أمان يدفع الثمن، فمهما كانت أخطاء فريق ١٤ آذار السياسية والاستراتيجية، فهو ليس الفريق الذي يحمل السلاح في البلد. وهو ليس الفريق الذي يرتكب الاغتيالات، بل إنه هو الذي منذ ٢٠٠٥ يدفع ثمن الاغتيالات والقتل والإجرام. إن تشكيل حكومة حيادية أو بقاء حكومة تصريف الأعمال لن يغير شيئاً في البلد. وتعذر انتخاب رئيس جمهورية وتسلم حكومة تصريف الأعمال الحالية أو تسلم حكومة حيادية جديدة زمام الأمور لن يغير الكثير في الأوضاع طالما الصراع السوري لم يجد حلاً. إن المفاوضات الدائرة بين روسيا والولايات المتحدة على المرحلة الانتقالية في سورية ونتيجتها هي الأهم للوضع في لبنان. إن روسيا بوتين مدركة جيداً أن لا حل مع بقاء الأسد في سورية. ولكن بين بوتين وأوباما هناك تفاوض حول الفترة التي يبقى فيها الأسد في المرحلة الانتقالية، فالإدارة الأميركية لا تريد بقاءه في المرحلة الانتقالية، وروسيا مدركة أنه لا يمكن بقاؤه في إطار حل ولكنها تريد البحث عن بديل مقنع. كما تريد أن تكون هي الراعي الأساسي لسورية جديدة لتكون لها الكلمة الأساس في الانتقال السياسي والتحاور مع إيران، وأن يظهر بوتين أنه استعاد لروسيا نفوذ القوى الكبرى.

بانتظار الحل في سورية الذي بالتأكيد لن يأتي بعد مؤتمر مونترو وجنيف يسود التشاؤم بالنسبة للمستقبل في لبنان. إن دول مجلس الأمن الثلاث الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ستتحرك في آذار (مارس) لدفع جميع الأطراف في لبنان إلى انتخاب رئيس للجمهورية، لأن هذه الدول ترى أولوية للبلد بألاّ يكون فراغ رئاسي فيه. والولايات المتحدة وبريطانيا لا تتحدثان مع «حزب الله». ولكن فرنسا ستلعب دوراً في ذلك، والدول الثلاث ستعتمد أيضاً على تعاون روسيا والصين في هذا الحوار. وروسيا كانت وافقت على بيان بعبدا في اجتماع المجموعة الدولية الداعمة للبنان في نيويورك في أيلول (سبتمبر) الماضي، أي أن روسيا تؤيد ضرورة انسحاب «حزب الله» من المعركة في سورية. وبانتظار كل هذه المواعيد لا يبقى للبنانيين إلا الصلاة وانتظار أيام أفضل لأن المستقبل القريب مجهول، على رغم أن المجتمع المدني في لبنان هو الذي يستحق جائزة عالمية لصبره وشجاعته واستمراره في العمل والابتكار على جميع الأصعدة، على رغم سوء الأوضاع.

Tags not available