|   

النسخة: الورقية - دولي

ليس سهلاً الرقم الذي بلغته رواية «دون كيخوته» مبيعاً في العالم وهو 500 مليون نسخة بحسب التقرير الذي نشره موقع «غلوبال إنغليش إديتنغ» أخيراً. هذا الرقم يمكن أن يتضاعف ليصبح بليوناً إذا افترضنا أن النسخة الواحدة من الرواية سوف يستعيرها في أقل احتمال، شخص آخر ويقرأها وفق التقليد الرائج في عالم الكتب. وقد يستعير النسخة أكثر من شخص مما يجعل عدد قرائها يزداد من غير هوادة.

وكم أصاب الكاتب الإسباني الكبير ثرفانتس عندما توقع قبل رحيله عام 1616 أن روايته «دون كيخوته» ستُنقل إلى لغات «الأمم» كلها. وفعلاً غزت هذه الرواية أقاصي العالم وما برحت، بل هي اجتاحت كل حقول الإبداع كالمسرح والأوبرا والموسيقى والرسم وحتى الرواية الجديدة والشعر الجديد. ولا يفوّت العالم مناسبة للاحتفال بها وبصاحبها وببطلها الفارس «المجنون والحكيم» ومرافقه ومعارك طواحين الهواء التي باتت مثلاً عالمياً.

وبينما يقبل ملايين القرّاء في العالم على هذه الرواية في اللغات الكثيرة التي ترجمت إليها، لا تحقق قراءتها عربياً أرقاماً عالية أو لافتة، ولا يبلغ مبيعها مرتبة الروايات الرائجة أو «البست سلرز». ويجمع بعض الباحثين العرب في حقل الأدب الإسباني ومنهم الأكاديمي العراقي المقيم في إسبانيا محسن الرملي، أن الإقبال على قراءة «دون كيخوته» عربياً ضئيل وهو في معظمه وقف على الصيغ المقتبسة أو الملخصة من الرواية، وبعض حكاياتها الشهيرة فقط. وقد يكون أحد أسباب عدم رواجها الشعبي هو تأخر العرب في ترجمتها وهي لم تتم للمرة الأولى، إلا في السبعينات على يد الفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي. وما يؤكد عدم الرواج هذا هو انحسار طبعاتها العربية واقتصارها على دور قليلة جداً. لكن ترجمة «دون كيخوته» كاملة من الإسبانية لم تقتصر على عبد الرحمن بدوي، فالمترجم المصري سليمان العطار نقلها أخيراً كاملة عن الإسبانية وأصدرها المركز القومي للترجمة عام 2015. النسخ العربية الأخرى لم تكن سوى اقتباسات حرة للنص الأصلي، ناهيك عن ترجمة أو اثنتين عن لغات وسيطة. ويعزو بعضهم تراجع الإقبال على قراءتها عربياً أن القراء وجدوا في حكايات بطلها الفارس صورة عن الفروسية العربية وعن الحكماء المجانين والبهاليل الذين تملأ حكاياتهم كتب التراث، مما لم يشعل فيهم الحماسة حيالها.

لا تبدو «دون كيخوته» غريبة عن القارئ العربي، فالكاتب ثرفانتس شاء أن يسوق روايته هذه على لسان راوٍ عربي ومسلم من الأندلس سمّاه سيدي حامد بن أنجيلين، وجعله يدخل في حوار مع المترجم الإسباني الكاثوليكي المفترض في الرواية، ونمّ هذا الحوار عن حوار آخر غير معلن، حضاري وديني، بين المسيحية والإسلام. وما يجب عدم نسيانه أن ثرفانتس سعى في روايته هذه إلى تصويب بعض المعتقدات الإسبانية الشعبية الخاطئة عن الإسلام, مدافعاً في أحيان كثيرة عن النظام القضائي الإسلامي. وكان هو أصلاً تعلّم القليل من العربية عندما اقتاده الأتراك أسيراً إلى الجزائر وزجّوه في السجن هناك قرابة خمس سنوات. ولم يكن مستغرباً أن يدفع ثرفانتس بطله «دون كيشوت» خلال ترحاله إلى الجزائر ليصف بعض المشاهد التي جذبته أيام كان أسيراً.

لكن رواية «دون كيخوته» لم تخف بتاتاً بعدها المتوسطي، روحاً وجغرافيا. فالبلدان التي تنقّل فيها فارس «طواحين الهواء» ومرافقه تنتمي إلى الخريطة المتوسطية. فهما لم ينثنيا عن التجوال بين استانبول والجزائر وتونس وإيطاليا وقبرص وفرنسا عطفا على أنحاء إسبانيا الشاسعة. وكان لا بد للفارس ومرافقه من أن يواجها التقاليد والعادات الشعبية.

جذبت رواية «دون كيخوته» أقلام النقاد والباحثين على مر العصور فكتبوا عنها الكثير، وستظل هذه الملحمة الروائية موضع الكثير من النقاش والتفسير نظراً إلى ما تحمل من أفكار وتصورات وتأملات، ومن أنواع أدبية وفنون سردية، إضافة إلى غنائيتها التي تتصاعد في أحيان.

أما السؤال الذي سيظل مطروحاً فهو: هل قرأ العرب «دون كيخوته»؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available