|   

النسخة: الورقية - سعودي

لو سألت كل مواطن سعودي عن قرارات الحرب على الفساد، لقال لك إنه يؤيدها من دون حدود، والسبب معروف جداً، فقد كنا نسمع بالأرقام الفلكية للصفقات والمشاريع والمناقصات والطرق والجامعات والمستشفيات والإسكان، ولا نرى انعكاساً ملموساً لذلك في ميدان الواقع. كل أزماتنا على مدار تاريخ المملكة كانت مستهجنة في ظل دولة غنية جداً، فلم يكن من المقبول ولا المنطق أن تتميز عنا أحياناً دول أخرى بمجالات تكون الأموال داءها بينما هي تحت خط الفقر.

ما سبق وربطه بالعنوان، ينقلني إلى رد الفعل المعارض للحرب على الفساد بمبررات عدة أرى أنها أوهن من «خيط العنكبوت»، فبعضنا تحدث عن عدم الثقة في بلد تتم فيه محاربة الفساد بتلك الطريقة التي كانت برأيي ثورية، والحقيقة أن وضع البلد لدينا كان يتطلب قراراً صارماً كهذا، على أن الأمر لمرة واحدة فحسب، وبعد ذلك لا بد وأن تصبح الأمور بطريقة منظمة وقانونية.

يعرف الجميع أن هناك قلقاً لدى الشركات الغربية بالذات، كونها شريكاً رئيساً في كل لحظة فساد تتم لدينا، وكلنا نعلم أن الأميركيين والأوروبيين يتنافسون على تطهير «صفحاتهم» عندما يتعلق الأمر داخل أوطانهم، غير أنهم ينقلبون إلى ذئاب مسعورة تريد أن تنهش ما تستطيعه من ثروات العالم الآخر إذا كان الأمر خارج بلدانهم المقدسة، وبالتالي هم مقتنعون تماماً أن هذا الإجراء السعودي الداخلي سيوقعهم في مصيبة لم يحسبوا حسابها.

إذاً، أعلينا كمواطنين أن نقلق من ذلك؟ كلا، فهناك شركات لم يتح لها المجال للدخول في السوق السعودية، وهي تريد ذلك بأي ثمن، ناهيك عن السوق اليابانية والروسية والهندية والصينية وغيرها، وفوق هذا وذاك من مصلحتنا تكريس الدور للشركات السعودية والخليجية والعربية التي أرى أنها أقرب وأولى من غيرها.

نعم، يفترض أن عهد الدلال والنهب والفساد ولّى، غير أن المتضررين سيقاتلون ليعود العهد كما ألفوا، وهم قوة من دون شك، لكن قوتهم بأموالهم وعندما تعود هذه الأموال لخزانة الدولة سيتساوى الجميع، إذ إن للجميع «جوز من الأيادي لا ثلاث».

أوجه اللائمة بشكل خاص لمن يتحدث بحرقة عن الانتقائية في اعتقالات الفساد، وهي «نغمة» شارك فيها حتى من كان يريد فعلاً مصلحة الوطن، ولكن تناسى هؤلاء على افتراض أنهم محقون «مع أني إلى الآن لا أملك ولا أظن أحداً يملك تفاصيل حتى في أسماء المعتقلين»، أقول تناسوا أن القضاء على جزء من الفساد يظل أفضل من ترك الأمر برمته بحجة أن يفلت أحد من العدالة.

لو أن الأمر كان بشكل معاكس، أي أن يقبض على أبرياء مع جناة لتفهمنا مسألة الانزعاج هذه والقلق الذي يعتري الآخرين، ولكن أن تقبض على عدد من الجناة ولا تقبض على الكل فليس بمشكلة بتاتاً.

معالجة الفساد ليست بقضية سهلة ويتطلب الأمر شجاعة وجرأة وصلاحيات، ويكفي أن مدينة كجدة تعرضت لكوارث وضحايا وخسائر هائلة على رغم ما خصص لها من البلايين، واتضح أن كل ذلك كان حبراً على ورق، فالفاسدون المتورطون أصبحوا قتلة. نعم، فربما لم يخطر على بالهم يوماً أن السيول ستعمل ما عملته، ولكن أهذا مبرر يا تُرى؟

أتمنى في التعامل مع الفساد الأخذ في الاعتبار نتائجه، فمن سرق المال لمناقصة لم يؤد فيها الأمانة كاملة وانتهت بخسائر مادية فقط ليست كمناقصة أدى الإهمال فيها إلى وفيات كسيول جدة مثلاً، فالأموال يتم استردادها، ولكن الأرواح التي صعدت إلى بارئها من سيعيدها إلى الأهالي المفجوعين؟

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة