|   

النسخة: الورقية - سعودي

عندما انفجر الطيب رجب أردوغان غضباً وعلّق بغطرسة على تغريدة كتبها شخص يدعى الدكتور علي العراقي، وأعاد التغريدة وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد من دون تعليق، أقول عندما قرأت ما كتب قلت لعل الرجل محق هذه المرة، إذ قرأنا كثيراً عن تصريحاته ووعوده وتهديداته التي أطلقها من قبل ضد أميركا ومن ثم العدو المحتل، ناهيك عن أزمته التي حدثت عندما تم إسقاط طائرة روسية.

أجريت بحثاً عما سمَّاه أردوغان بجده مفتخراً ومنتخياً، وكالعادة لاحظت أن الإسلاميين لا يتركون عادتهم الذميمة وهي انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وهو فهم خاطئ لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وعندما سأله أصحابه وكيف ننصره وهو ظالم قال «تحجره عن الظلم فذلك نصرك إياه»، غير أن الإسلاميين اعتبروا كما هي العادة، أن أردوغان «لا ينطق عن الهوى»، وأخذوا يكيلون المديح لفخري باشا، وكيف أنه صمد في وجه الحلفاء رافضاً أن يسلمهم المدينة المنورة.

كل ما تقدم قبل أن أشاهد تسجيلاً تلفزيونياً للمؤرخ الراحل الكبير محمد حسين زيدان، الذي كشف بشاعة من يدعى فخري باشا، وكيف أن الأشراف عند دخولهم المدينة لاحقاً اكتشفوا تمراً كالجبل مخبأ عن سكان المدينة الذين كانوا يتضورون جوعاً، وعن ترحيله القسري لسكانها، ناهيك عن سلب الآثار والمقتنيات والكنوز الإسلامية ونقلها إلى تركيا.

بالنسبة لي، فكلمة المؤرخ الكبير قطعت «قول كل خطيب»، فهي قديمة قبل أي تناحر أو خلاف سياسي، ومن جهة ثانية الرجل عاصر الأحداث فضلاً عن كونه مختصاً، ناهيك ألا مبرر له كي ينتقد فخري باشا أو غيره من العثمانيين.

لنعود إلى أردوغان، فمن جهة هو يعترف بأن فخري باشا أخذ (بلغتنا سرق) الآثار لكي يحميها كأمانة، وبصراحة هذه المرة الأولى التي أسمع بها أن الأمانة تنتزع ولا تقدم من صاحبها، فأهل المدينة لم يمنحوه الأمانة أساساً، فضلاً عن أن هذه الأمانة لم تعد بعد، فلِمَ لَمْ تعدها أيها الأمين حفيد الأمين؟

النقطة الأخرى، ما هو القانون الديبلوماسي أو الدولي الذي يتيح لتركيا أن تستدعي السفير الإماراتي لتسأله عن تغريدة في حساب شخصي، مع أن التغريدة إعادة وليست منه، وكذلك فخري باشا كان ذلك الوقت بحكم الغازي والمحتل للمدينة، وأضف إلى كل هذا هو يمثل عهداً بائداً بالنسبة للأتراك، إذ إن الحقبة العثمانية انتهت مع كمال أتاتورك؟

السخرية الأكبر، عندما تهجم بوقاحة متسائلاً أين أجدادك آنذاك؟ يا ترى بماذا يريد أردوغان أن يجيب عليه الوزير؟ هل ما عمله فخري باشا عمل كبير لكي يتباهى به؟ إذ إن دفاعه عن المدينة لأنه يعتبرها جزءاً من الدولة العثمانية، خصوصاً عندما هجّر سكّانها الأصليين، وأسقى المتبقي منهم الجوع وسوء المعاملة والأعمال الشاقة، أي أن دفاعه كما يدافع المحتلون الآن عن القدس وغيرها!

المؤرخ علي حافظ في موسوعته «فصول من تاريخ المدينة المنورة»، والأديب الكبير عزيز ضياء في سيرته الذاتية «حياتي مع الجوع والحب والحرب»، والمؤرخ أحمد أمين مرشد اتفقوا جميعاً على بشاعة ما صنعه فخري باشا آنذاك، وتطابقت رواياتهم عن الأحداث.

وما مارسه فخري باشا إنما هو امتداد لفظاعة العثمانيين في الدول التي غزوها أو احتلوها أو حاولوا ذلك، وما عملوه في الدرعية من شناعات وجرائم يعطي انطباعاً عن تلك العقلية الهمجية المتغطرسة، ناهيك عن مجزرة الأرمن والذبح الجماعي في مصر.

للأسف الشديد، فإن ممارسات العثمانيين، وهم من يرون آنذاك أنهم يحملون راية الإسلام، نراها اليوم متجسّدة بما يمارسه الدواعش، وإذا كان البعض يعتقد أن التاريخ تم تشويهه من قبل الإنكليز فإن العكس هو الصحيح، فقد كان التاريخ السعودي مثلاً لا يتطرق للتاريخ الدموي لهم، على رغم أن مدناً سعودية أحرقت أو دمرت أو أعدم أبناؤها من قبل الحملات العثمانية (قبل توحيد المملكة طبعاً).

ما يفتخر به أردوغان تصدمه الوثائق التي أكدت أن معظم السلاطين العثمانيين أعدموا إخوانهم ومنهم رضع، وأبناء إخوانهم خوفاً على العرش، فأي ادعاء فارغ بالإسلام ذلك؟

المفكر العراقي الراحل الكبير علي الوردي الرائد في علم الاجتماع في كتابه «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث»، ألمح إلى أن الاستعمار الإنكليزي أتاح له فرصة التعليم، في الوقت الذي كان والده في ظل الاستعمار العثماني محروماً من التعليم، إذ كان هماً لا يلقي له العثمانيون شأناً.

 

abofares1@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة