|   

النسخة: الورقية - سعودي

< في المقالة السابقة استعرضت تجربة ضابط الاستخبارات البريطاني الشاب جون غلوب في العراق في كيفية إدارة القبائل العربية في تلك المرحلة، وانتقاده لكل من الإدارة العثمانية وإدارة بلاده بهذا الخصوص، ويبدو أنه بسبب تعلقه بحب البدو كانت تفتقد الإدارة الإيجابية وعدم استخدام الإكراه ضدها.

سأستعرض هنا رؤيته لحياة البدو ونمط حياتهم وأخلاقهم في الحرب والسلم، ونظرته إلى مفاهيم اجتماعية متعددة مثل وضع المرأة وقضية التملك والسلطة عند القبائل العربية التي عاش معها في تلك الفترة، وجزئية أخرى تمر علي للمرة الاولى وهي أن مفاهيم الشجاعة والمبارزة بمفهومها الرومانسي عند طبقة النبلاء في أوروبا الغربية انما هي مفاهيم بدوية عربية انتقلت إليهم عبر اسبانيا كنتيجة للوجود العربي الطويل فيها.

ويقسم المؤلف السلالات البشرية إلى مجموعتين: مربو الماشية والمزارعون، وهناك في بعض القارات من يعتمدون على الصيد، وكنتيجة لهذه التقسيمات من رعاة الماشية والثاني المزارعون أو البدو والحضر أنتجتا ثقافتين مختلفتين كما يقول جون غلوب، ما أدى لوجود مجتمعات متنافسة وغالباً ما تنظر إلى بعضها البعض بكراهية وازدراء.

ويلخص خصائص المجتمعات الزراعية في الحرب بالآتي: الدفاع المستميت، كره الغارات العسكرية، التصميم على الانتصار بالوسائل العادلة أو المخالفة، فكرة وجوب إسهام أفراد المجتمع كافة بالدفاع، ويبرر ذلك بقوله ان جميع البلدات الصغيرة تشترك في عقلية المجتمع الزراعي، لأنها تمتلك أصولاً ثابتة، وعندما تكون أكثر غنى من القرية فإنه تتم إحاطتها بالأسوار وهي إشارة إلى ميولهم الدفاعية البحتة.

موقف البدو من الحرب عكس ذلك، إذ إن ثروتهم لا تتكون من ممتلكات ثابتة، ولكنهم يمتلكون الخيل والإبل والأغنام والماعز، ولذلك فإنه ليس من الضروري الموت في خندق من أجل الدفاع عن تلك الممتلكات ضد عدو فائق القوة، بحيث يمكن للبدوي إنقاذ ثروته بشكل كامل من خلال الانكفاء السريع، أما القروي فإنه يقاتل بيأس لإنقاذ بيته وأرضه، وحين يهزم يستسلم، وبسبب ارتباطه بقطعة الأرض التي هي مصدر عيشه تضطره إلى الإذعان والخضوع للاضطهاد من الجانب المنتصر، أما البدوي إذا وجد أنه تمت مباغته بهجوم كاسح، فإنه لربما لا يقاتل على الإطلاق، وأن ما يمتلكه من قطعان صعبة المأخذ تجعل مقاومته مستحيلة وقد يستسلم شفاهياً من دون الخضوع لشروط، ويذكر «أبوحنيك» أن البدوي على رغم ضعفه وعدم استقراره للدفاع عن نفسه، إلا أنه يمتلك عقلاً أكثر استقلالاً وأكثر مكراً وأكثر تجبراً من القروي، وهو لا يصبر على الظلم والمهانة، كما أن الحملات العسكرية الهجومية تلاءم البدوي لسببين، الأول أنه ليس لديه العمل الكثير الذي يبدد طاقاته، والثاني تعوده على قسوة الحياة والتنقل راكباً ظهر بعيره أو صهوته فرسه في رحلات طويلة في الصحراء.

إن البدوي في حروبه يسعى للمجد الشخصي لنفسه بدلاً من خدمة المجتمع، وهذه من سمات الفروسية في غرب أوروبا في العصور الوسطى كما يذكر المؤلف، كما أن الانجازات البطولية تعد أكثر أهمية من الانتصار نفسه، إذ ليس هناك أي مجد يمكن اشتقاقه من قتل رجل في منامه أو من إطلاق الرصاص على رجل مدبر، ولذلك ظهر نظام التحدي الفردي والمبارزة بالرمح سعياً للشهرة الشخصية، كما تخلو حروب البدو النبلاء من الكراهية أو الضغينة بين المتقاتلين ويعترفون بنبل عدوهم وما قاموا من أعمال بطولية، بعكس القرويين الذين يقاتلون من أجل كسب المعركة وليس وفقاً لأي قواعد محددة.

ويذكر المؤلف أن الجزء الأكبر التي «هيمن» فيها العرب على اسبانيا من 712 إلى 1792 كانت الثقافة العربية أرفع بقدر كبير من الثقافة الفرنسية أو البريطانية، وأصبح لا محالة أن يقلد الفرنسيون والإنكليز الثقافة العربية، كما كانت القبائل العربية هي رأس حربة الفتوحات الإسلامية ونقلت إلى غرب أوروبا عادات الفروسية المتبعة في حروب الصحراء وهيمنت هذه الفكرة البدوية التي ترى في الحرب مآثر الحرب على أوروبا مدة 700 سنة حتى عصر النهضة.

أما النساء البدويات فهن معفيات من الأعمال الثقيلة، وهذا مكنهن من الحفاظ على جمالهن وجعلهن أكثر جاذبية من النساء القرويات، وبالنسبة للقرويين فإن المرأة تعتبر عاملاً ومنتجاً للأطفال، أما بالنسبة للبدو فإن المرأة تعتبر مصدر مجد الرجل يتودد إليها بأغانيه ويمتدحها، كما تعد المرأة المحفز للرجل في المعارك، بحيث ان فتيات بكامل زينتهن وهن داخل هوادج على ظهور البعارين إلى ساحة المعركة وسط مقاتلي قبيلتها ليشكلوا نقطة احتشاد حولها. بقي القول ان «أبوحنيك» أحب البدو وأحبوه وعاش بينهم وجمع المعلومات عنهم، والتي استخدمت في كثير من الأحيان.

 

akalalakal@

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة